
بعد مرور حوالى قرنين على هجرة اللبنانيين الى البرازيل ها هو لبناني الاصل يصبح رئيساً لتلك البلاد بالوكالة. إنه ميشال تامر. مصادر دبلوماسية برازيلية تؤكّد أنه بعد بضعة اشهر سيصبح رئيساً بالاصالة لحين انتخاب رئيس جديد للبلاد في العام 2018. فور انتقاله الى سدّة الرئاسة اجرى تامر تعديلاً وزارياً كبيراً بهدف إحداث صدمة ايجابية في البلاد التي تواجه ازمات سياسية واقتصادية واجتماعية حادّة. لكن الكثير من الخبراء يرون انه من الصعب على تامر النجاح في إخراج البلاد من هذه الازمات. لماذا؟
السبب الاول أن ميشال تامر هو أحد ابرز اعضاء فريق ديلما روسيف، الرئيسة المخلوعة، ولو لم يكن ينتمي الى حزبها. لم توجّه اليه اصابع الاتّهام في اي من الفضائح ولكن غالبية البرازيليين غير مقتنعين ببراءته. وبحسب استطلاعات الرأي الحالية فإنه لن يحصل على اكثر من 2 بالمئة من الاصوات اذا ما اجريت الانتخابات الرئاسية الآن. وقد عكست التظاهرات الشعبية هذه الحقيقة حيث كان المتظاهرون ينادون برحيل تامر الى جانب مناداتهم بإقالة روسيف ومحاكمة لولا داسيلفا.
السبب الثاني هو اصرار روسيف وحزب العمال على مواجهة تامر وعدم السماح بالحكم. فالرئيسة المخلوعة تتهمه بالتآمر والخيانة! مصادر برازيلية تؤكد ان تلك التهم فيها شيء من الصحة لأن ميشال تامر لم يتصرّف مع الرئيسة كفريق واحد. صحيح انهما لا ينتميان الى الحزب ذاته، ولكن حزبيهما متحالفان منذ سنوات. وعلى هذا الاساس شغل تامر منصب نائب الرئيس. تهمة الخيانة التي توجّهها روسيف الى نائبها السابق ميشال تامر لا تعود الى كونه لم يقف الى جانبها فحسب إنما لأنه راح يعمل على إقالتها اوّلاً في البرلمان ومن ثم في مجلس الشيوخ. ونجح في ذلك.
تصرف تامر هذا لم يرُق لكافة أعضاء “حزب الغالبية الديموقراطي البرازيلي” الذي يتزعمه. ما أدى الى إحداث أزمة داخل الحزب تضاف الى الأزمات التي يواجهها اليوم. وهي أزمة طارئة. إذ لا يمكن لتامر مواجهة الرأي العام البرازيلي والشروع بالاصلاحات التي ينوي القيام بها من دون الحصول على دعم من كافة أعضاء الحزب ونوابه.
السبب الرابع الذي يزيد من صعوبة مهمة تامر هو الانقسام السياسي الحاد في البلاد. فمنذ أشهر تشهد البرازيل مواجهات في الشارع بين التظاهرات المطالبة بإقالة ديلما روسيف ومحاكمة لولا داسيلفا والتظاهرات المؤيدة لهما. إقالة الرئيسة أحدثت صدمة سلبية لدى المؤيدين. ولكنها لم تحدث صدمة ايجابية لدى المعارضين لها كون نائب الرئيس هو من استلم زمام المبادرة. وهو شخص، بالنسبة إليهم، منغمس بالفساد كباقي افراد الطبقة السياسية ولو لم يظهر اسمه حتى اليوم في فضيحة بتروبراس.
بالإضافة الى كل هذه الصعوبات يواجه ميشال تامر مشكلة الطعن في شرعية حكمه والحكومة التي شكّلها من قبل ديلما وحزب العمال. بدل ان يتفرّغ الرئيس بالوكالة لمواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، عليه ان يدافع عن شرعيته ايضاً خلال الاشهر الستة المقبلة. وأمام إصرار ديلما على استئناف التصويت الذي أدى الى عزلها، على تامر مواجهتها في مجلس الشيوخ الذي سيصدر أعضاؤه الحكم النهائي خلال ستة أشهر بأكثرية الثلثين لتثبيت التصويت الذي جرى في الثاني عشر من الشهر الجاري.
بالتالي فإن المواجهة التي يخوضها ميشال تامر كبيرة ومتشعّبة. ولكن يبقى أهمّها مواجهة الازمات الاقتصادية والاجتماعية. من دون ذلك لا يمكن له ان يحكم. ولن يحظى بالتأكيد بأصوات البرازيليين لانتخابه رئيساً لولاية كاملة في العام 2018. فما هي التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها الرئيس اللبناني الأصل في البرازيل؟
التحدي الأول الذي يواجهه ميشال تامر، ومعه “حزب الغالبية الديموقراطي” الذي ينتمي اليه و “الحزب الاشتراكي الديمقراطي” المتحالف معه، هو وقف التراجع في النمو، المستمر منذ العام 2014 والذي كان سلبياً بنسبة 4 في المئة في العام 2015. كما خسرت العملة الوطنية (الريال) 50 بالمئة من قيمتها خلال سنة واحدة. إعادة اطلاق النمو تتطلّب استعادة ثقة المستثمرين المحليين والاجانب. وهو امر ليس بالسهل في ظل الازمة السياسية التي تعصف بالبلاد وحال اللاستقرار السياسي.
بحسب خبراء اقتصاديين يتعيّن على الرئيس تامر اتخاذ تدابير غير شعبية للخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية وابرزها زيادة الضرائب وفي مقدّمها الضريبة على التحويلات المالية التي كانت قد الغيت في العام 2007. ويؤكّد هؤلاء الخبراء ان فرض هذه الضريبة وتحقيق نسبة نمو 1 بالمئة كفيلان بوقف تصاعد العجز في ميزانية الدولة الى ما فوق الـ 120 مليار ريال.
كما في لبنان كذلك في البرازيل هناك أزمة خدمة الدين العام التي بلغت في العام 2014 حوالي 5.6 في المئة من الدخل القومي. وهو مبلغ يتم دفعه لخدمة دين بلغ 73.7 في المئة من الدخل القومي في العام 2015 أي حوالى 1.500 مليار دولار. بحسب صندوق النقد الدولي تكمن خطورة الدين البرازيلي بازدياده بنسبة 10.4 في المئة عن العام 2014. واذا ما استمرت الأزمة الاقتصادية على حالها سيتضاعف الى 91.7 في المئة من الدخل القومي بحلول العام 2021. وهذا ما يعرّض البرازيل الى أزمة مالية جدّية وحقيقية!
كما يواجه الرئيس تامر ازمات اجتماعية لعل ابرزها البطالة التي بلغت نسبتها 8.5 في المئة في العام 2015 ومرشحّة لأن تكون 10 في المئة عام 2016. كما سيواجه ازمة تأمين المال لتقديم المساعدات الغذائية الى العائلات المعدومة. وهو مشروع اجتماعي كان داسيلفا قد بدأه ليصبح فيما بعد وسيلة أساسية للحصول على أصوات الفقراء في صناديق الانتخاب. واليوم سيخسرهم تامر وحزبه في انتخابات 2018 إذا ما ألغوا صندوق المساعدات هذا.
ربما هذه الحقائق تنغّص على اللبنانيين الفرحة بوصول أول رجل من أصول لبنانية الى سدّة الرئاسة في البرازيل. ولكنها الحقيقة التي يتفّق عليها الخبراء والمتابعون للشأن البرازيلي. فهل سيتكمن ميشال تامر من مواجهة تلك التحدّيات وتخطيها للوصول الى انتخابه لولاية كاملة في العام 2018؟ المهمة تبدو صعبة إن لم تكن مستحيلة.