Site icon Lebanese Forces Official Website

رياح الشمال

 

لن تكون نتائج انتخابات الشمال البلدية مختلفة عن تلك التي حصلت في البقاع وجبل لبنان والجنوب. الثابت الوحيد في الجولات كلها كان تفاهم معراب بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” بينما المنافسون الآخرون توزعوا في مناطق مختلفة كل على حجمه وقياسه إلى الحد الذي يمكن معه القول إنهم هم الذين حددوا أحجامهم لأنهم وقفوا في وجه هذا التفاهم ورفضوا الإنضمام إليه. هذه الصورة ذاهبة نحو التطبيق أكثر في الشمال حيث ستهب رياح التفاهم لتتحدد معها أحجام الآخرين من البترون إلى الكورة وبشري وزغرتا وطرابلس وعكار.

ما هو الدليل إلى أن تفاهم معراب بيعمل العجايب؟ الأدلة كثيرة: أن النائب هادي حبيش اضطر إلى التفاهم مع النائب السابق مخايل الضاهر في القبيات وأن النائب بطرس حرب تحالف مع خصمه الإنتخابي بهاء حرب وأن النائب نقولا فتوش اضطر أن يطفئ الأضواء في مركز ماكينته الإنتخابية في زحله بعد همروجة ادعاء الفوز قبل دقائق على الهواء مباشرة. وأن السيدة ميريام سكاف خرجت من اللعبة البلدية في زحلة على أمل التعويض في الإنتخابات النيابية المقبلة. وأن أطرافاً محلية كثيرة في أكثر من منطقة ادعت تحقيق الإنتصارات ثم انكفأت إلى قراءة النتائج الحقيقية على الورقة والقلم لدراسة الوضع وقراءة مستقبلها بعيدًا من الهيصة غير المبررة إلا على خلفية رفع المعنويات والتشكيك بأهداف تفاهم معراب التي لا تنحصر في أهداف بلدية محلية بل تتجاوزها إلى ما هو أبعد. حتى أن لعبة الإنتخابات البلدية كلها لم تكن إلا مقدمة لما سيأتي لاحقا.

من القاع وراس بعلبك إلى مشغرة في البقاع مرورًا بزحلة وصغبين كان تفاهم معراب هو العنوان في كل المعارك والجولات البلدية سواء كان “القوات” و”التيار” معا أو كانا غير متحالفين. في بيروت لم تكن المسألة مختلفة. في جبل لبنان كانت الصورة أوضح. في الجنوب كانت جزين هي العنوان الرئيسي ولكن كانت هناك عناوين أخرى لا تزال تظهر تباعًا. الأحد 29 أيار ستلفح رياح الشمال كل الذين انتظروا انتكاس التحالف وراحوا يبنون على هذا الأساس ويشككون في نجاحه.

على مساحة لبنان من الشمال إلى الجنوب كان هذا التفاهم حاضرًا وجاهزًا. يمكن الحديث عنه في أصغر قرية كما في أكبر مدينة بينما لا يمكن الحديث مثلاً عن حالات أخرى مماثلة. ميريام سكاف ونقولا فتوش في زحلة ولكن ليس في دير الأحمر أو في القاع. ابراهيم عازار في جزين. ناجي البستاني في دير القمر. ميشال موسى في مغدوشة. هادي حبيش في القبيات. بطرس حرب في تنورين. ميشال المر في المتن.

هذا الواقع يثبت أن تفاهم معراب هو الذي صنع الفرق في الإنتخابات البلدية والإختيارية وأظهر أن الحيوية السياسية تكاد تكون محصورة في المناطق المسيحية التي أعطت لهذه الإنتخابات نكهتها وأنه ليس إلغائيًا كما حاولوا تصويره. العكس كان صحيحًا. لقد تعرض هذا التفاهم لحرب إلغاء من الآخرين الذين أدركوا منذ البداية أهميته وحاولوا أن يثبتوا أنهم أرقام صعبة في الأماكن التي يتمثلون فيها من أجل أن يحجزوا أمكنتهم في اللعبة الإنتخابية الأكبر على مستوى الإنتخابات النيابية. هذه الإنتخابات التي ستكون لها حسابات أخرى مختلفة والتي يمكن أن تتغيّر فيها التحالفات وفقا لقانون الإنتخابات الذي سيتم اعتماده لتجري هذه الإنتخابات على أساسه وهذا يعني طبعا أن ما حصل في الإنتخابات البلدية من مواجهات محصورة في بعض البلديات لا يمكن أن يكون القاعدة التي ستحكم الإنتخابات النيابية.

الصورة كانت واضحة في جزين على مستويي المقعد النيابي في القضاء والمجلس البلدي في المدينة. لقد استطاع المرشح أمل أبو زيد أن يفوز بفارق كبير في الأصوات في القضاء بينما كان هناك خرق في المجلس البلدي. وواقع قضاء جزين ينسحب على كامل الجنوب حيث أثبت “التيار” و”القوات” عن قدرة على إثبات الوجود في أكثر من منطقة من قرى شرق صيدا إلى قرى الشريط الحدودي بالتعاون مع العائلات المحلية. في لبعا وعازور وبكاسين والقليعة ومرجعيون والقوزح ورميش وعين إبل وغيرها واللافت في هذه المرحلة من الإنتخابات أنها حققت نتائج جيدة على رغم استمرار طغيان عامل الخوف عند الأهالي من “حزب الله” وحركة “أمل” على ضوء تاريخ الصراع في المناطق الجنوبية قبل الإنسحاب الإسرائيلي في 25 أيار من العام 2000 وبعده وإن كان بطريقة غير مباشرة حيث أنه في الإنتخابات السابقة كان هذا العامل يؤخذ دائمًا في الحسبان، بينما هذه المرة كانت هناك جرأة أكبر في التعبير عن الذات على رغم استمرار وجود عدد كبير من أهالي البلدات الحدودية خارج الحدود.

لذلك مثلاً لا يمكن قياس نتائج قضاء البترون إلا على مستوى ما يمكن أن يحصل فيه كله حيث يتمتع التفاهم بقدرة أكبر على التجيير وحيث من المتوقع أن تكون له رئاسة الإتحاد. فللمرة الأولى سيظهر حضور “القوات” و”التيار” مثلاً في تنورين مع العائلات وللمرة الأولى تذهب العائلات التنورينية نحو اختيار ممثلين عنها. وإذا كانت “القوات” خارج اللائحة الأساسية في البترون إلا أنها ليست ضدها.

الوضع في الكورة ليس مختلفاً. هناك معارك مثلاً في فيع وأميون محوراها “القوات” والحزب السوري القومي الإجتماعي ولكن في أنفه هناك تفاهم بين “القوات” و”التيار” ونائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري بينما الأرجحية واضحة لمصلحة تفاهم “القوات” و”التيار” في معظم بلدات القضاء.

في زغرتا نجحت تجربة التوافق بين “تيار المردة” والنائب سليمان فرنجية ورئيس “حركة الإستقلال” ميشال معوض ومن ضمنها “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”.

في بشري نجحت “القوات اللبنانية” في أن تكون ناظمة للوائح في كل قرى القضاء وإن كانت نجحت في تزكية بعض اللوائح في بعض البلدات فإن المواجهات التي يمكن أن تحصل لن تكون إلا دليلاً على الديمقراطية البلدية.

في طرابلس اللعبة ستكون متروكة لتفاهم الرئيسين نجيب ميقاتي وسعد الحريري في مواجهة الوزير أشرف ريفي من جهة والنائب السابق مصباح الأحدب من جهة أخرى.

أما في عكار فإن المواجهة الكبرى ستكون في القبيات حيث فرض تفاهم “القوات” و”التيار” أن يذهب النائب هادي حبيش إلى دار النائب السابق مخايل الضاهر لإعلان لائحته بعدما أدرك أنه خاسر حتمًا لوحده. ومع أن الضاهر غاب عن الإحتفال لأسباب قالت زوجته إنها صحية، فإن المرجح أنه لا يعتبر مثل حبيش أن المعركة معركته طالما أن أي ربح للائحة سيتم توظيفه في مصلحة حبيش لا في مصلحته هو في الإنتخابات النيابية المقبلة. وإذا كانت معركة القبيات أساسية إلا أنها ليست المفصلية ذلك أن الصورة لا تكتمل إلا في كل البلدات المسيحية في القضاء حيث الثابت الوحيد هو تفاهم معراب مع العائلات من عندقت إلى رحبة ومنيارة وبقرزلا وغيرها.

لذلك وعلى ضوء هذا الواقع لا يكون السؤال أين تفاهم معراب وماذا حقق بل أين هم الذين وقفوا ضد هذا التفاهم وماذا حققوا؟ ويبقى أن رياح الشمال البلدية ستستكمل رسم الصورة بين الذين يشكلون اللوائح ويصنعون التحالفات وبين الذين يبحثون في النهاية عن مكان في لائحة هنا أو لائحة هناك.

 

Exit mobile version