
إنطلقَت المرحلة الأولى من الامتحانات الرسمية مع 60 ألف تلميذ من الشهادة المتوسطة، موزّعين على نحو 400 مركز على الأراضي اللبنانية كافّةً. تصغيرُ عدد المرشحين في المركز الواحد إلى 150 مرشّحاً، وإعتمادُ بطاقات ترشيح جديدة ملوّنة، كانتا مِن أبرز التدابير الجديدة التي احتاطت لها وزارة التربية في خضمّ «النفضة» التي تشهدها الامتحانات، لإعادة الهيبة للشهادة اللبنانية ومستواها.«ع ألله»، كلمتان قالهما ربيع (17 عاماً) من رحيف قلبِه وهو يمسك بيدِ معلمته بينما كانت تساعده على الدخول إلى المصعد المؤدّي إلى الطابق السابع، الخاص بالامتحانات الرسمية لذوي الاحتياجات الخاصة على كورنيش المزرعة.
منذ الصباح الباكر إنضمّ ربيع، الذي فقَد بصرَه إثر حادثِ سير تعرّضَت له عائلته في صغرِه، إلى زملائه في الصفّ، الذين يعانون المشكلة الصحّية ذاتها. فيما ندى، التي وصلت على كرسيّ خاص، نظراً لمعاناتها من صعوبات حركية، انضمّت إلى صفٍّ مغاير، حيث يتشارك أيضاً الطلّاب المشكلات الصحّية عينَها.
إلّا أنّ الألم ليس وحده وَجه الشبه بين قاعات هذا الطابق، بل روح التحدّي ورفض الاستسلام لدى المرشّحين أيّاً يكن حجم معاناتهم الصحية، فجميعُهم وصَلوا في الوقت المحدّد لهم، إلتزَموا أماكنهم بجدّية متناهية، منتظِرين لحظة الصفر.
يضمّ هذا المركز “25 مرشّحاً للشهادة المتوسطة، يعانون من مشكلات سمعية، بصرية وحركية”، على حدّ تعبير رئيسة المركز ريتا غريب، التي أوضَحت لـ”الجمهورية”، “أنّ وزارة التربية تُبدي كلّ الدعم لمختلف الفئات من الطلّاب، ولا سيّما ذوي الاحتياجات الخاصة، وهذه السَنة، ضاعفَت من اهتمامها بهم عبر مدِّهم بأساتذة متخصّصين من الإرشاد والتوجيه، بالإضافة إلى دعم الجمعيات المتوافر”.
“الطالب أوّلاً”
وسط غمرةِ الضغط النفسي والمعنوي لدى التلامذة في اللحظات الأخيرة من انطلاق الامتحانات، توجَّهنا إلى الطابق الثامن حيث مكتب رئيس المنطقة التربوية لبيروت الأستاذ محمد الجمل، الذي كان منكبّاً على متابعة أدقّ تفاصيل المراكز على امتداد العاصمة برُمَّتها. بيَدٍ يُدوّن الملاحظات وبالأخرى يجيب على هاتفه، مردّداً: “ما تِعتَل همّ هلّقْ منحِلّا”.
في هذا السياق، يؤكّد الجمل لـ”الجمهورية” أهمّية هذا الاستحقاق الوطني، قائلاً: “يشارك في الامتحانات الرسمية في بيروت نحو 4801 مرشح، موزّعين على 34 مركزاً، ويرافقهم نحو 750 مراقباً”.
ويضيف: “لا شكّ في أنّ العملية تسير وفقَ الأسُس التي رسَمها وزير التربية الياس بوصعب، ومنذ اللحظات الأولى لمَسنا الفرقَ الإيجابي للتعديلات التي اتّخذها، لا سيّما التنظيمية منها واللوجستية، وأذكر على سبيل المثال إشراكَ الاساتذة المتعاقدين في العملية، فلم نعانِ من أيّ نقص في المراقبين”.
أمّا بالنسبة إلى التعليمات الخاصة بالمراقبة، فيقول: “التوجيهات واضحة، الغشّ ممنوع، و”تسييبُ” المراكز مرفوض، هذا لا يعني قمعَ الطالب أو تخويفَه عبر تشديد المراقبة، إنّما توفير كلّ أساليب الراحة وإتاحة لكلّ مَن درسَ أن يُركّز ويكتب بأجواء هادئة”.
بعدما تأكّد الجمل أنّ الأمور تسير على خير ما يرام في مركز ذوي الاحتياجات الخاصة، واصَل جولته على بقيّة المراكز، منها، مدرسة «الثلاثة أقمار”.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ بعض المدارس الخاصة اعتُمد كمركز للامتحانات الرسمية، للمرّة الأولى، وهذا ضمن التغييرات التي اعتمدَتها الوزارة هذا العام، بهدف توفير أكبر عدد ممكن من المراكز وتوزيع الطلّاب عليها على نحوٍ لا يتجاوز عددُهم الـ 150 في المدرسة الواحدة.
في “الثلاثة أقمار”، بدت الأجواء هادئة، وعلاماتُ الخوف غابت عن ملامح المرشّحين بعد مرور نصف الوقت المحدد على بدء المسابقة الأولى وهي “الجغرافيا”. “إذاً أوّل مسابقة سهلة مِش يعني البَعدا حلوة”، يقول حسين طالب من مدرسة راس النبع، غامزاً بذلك إلى خوفه من مسابقة الرياضيات.
حالُ حسَن ليست أفضل بكثير، إذ ينظر إلى عقارب ساعته بترقّب ويكاد يشعر بكلّ دقيقة تمرّ كدهر. أمّا بالنسبة إلى لارا من مدرسة راهبات الناصرة فبدَت أكثرَ اطمئناناً بعد مسابقة الجغرافيا، معتبرةً أنّ للامتحان رهبتَه في اللحظات الأولى وسرعان ما نتأقلم، خصوصاً إذا كنّا مستعدّين له.
وتضمّ ساره رأيَها إلى صديقتها، مستغربةً أن تأتي المسابقات أصعَبَ ممّا اختبرَته في مدرستها، أمّا إليسا من مدرسة “القلب الاقدس”، فتلتزم الصمت، على اعتبار أنّ امتحانَ الرياضيات ملكُ المفاجآت.
في هذا السياق أعربَ رئيس المركز خالد فايد عن ارتياحه لانضباط التلامذة وحسنِ تحضيرهم، قائلاً: “لم نلمس أيّ محاولة غشّ أو أيّ استفسار، كلٌّ منهمك في مسابقته، وتوزيعُ الغرف ساعَد إلى حدّ كبير في تأمين الهدوء للمرشحين، والتنسيق بين المراقبين”. وأضاف: “يضمّ المركز نحو 28 أستاذاً و163 مرشّحاً، والإجراءات المستحدَثة ساهمت إلى حدّ كبير في تنظيم الأمور لتأمين الراحة للطلّاب ليقدّموا أفضلَ ما لديهم”.
قرابة العاشرة، قرِع الجرس، ودقّت ساعة الرياضيات، فدخلَ معظم المرشّحين “إجْر لقدّام و10 لوَرا”. المشهد عينُه في مختلف المراكز، للرياضيات ألفُ حساب. قرابة الساعة والنصف مِن التركيز بدأ الانفراج يَرتسم على وجوه التلامذة، فتقول مورييل نخلة من مدرسة راهبات الوردية: “البعضُ اعتبَر أنّ السؤال الأخير «بيكسّر الراس»، إلّا أنّني لم أستَصعبه، لأنّني كنتُ أتوقّع الأصعب”.
فتقاطعُها إحدى رفيقاتها: “المسابقة مقبولة، وقد صدقَ الوزير بوصعب بكلامه بأنّ الأسئلة لن تكون “تعجيزية”، إلّا أنّ الرياضيات تحديداً إستلزَمت تركيزاً حتى اللحظة الأخيرة من الوقت المخصّص لها”.
لا نيّة لإلغاء الشهادة
وتزامُناً مع اليوم الأوّل، جالَ بوصعب متفقّداً عدداً من المراكز، بدأها من ثانوية ضهور الشوير الرسمية، مروراً بثانوية جديدة المتن الرسمية للبنات، وثانوية الشهيد عبد الكريم الخليل في الغبيري، وصولاً إلى ثانوية خالد بن الوليد التابعة لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في البربير.
وأشار بوصعب إلى الارتياح الذي لمسَه لدى المرشّحين، مثنِياً على الهدوء في المراكز كافّة، لافتاً إلى “أنّ التدابير الإدارية واللوجستية والمعلوماتية الجديدة تمّ تطبيقُها بنسبة %95، والامتحانات ليست صعبة وكان هدفنا التخفيف من الغش وليس أن تصبح الامتحانات صعبة”.
وعبَّر عن الرضى العام من أجواء الانضباط التي تسمح للمرشّح بالتفكير بصورة أكثر فائدةً، كاشفاً أنّ %98 من التلامذة قد أبدوا إرتياحاً للأجواء والأسئلة.
ورأى بوصعب أنّ الشهادة الرسمية بدأت تستعيد مستواها الراقي وأهمّيتَها من دون رعبٍ أو خوف، وأنّ التدابير المتّخَذة ليست إلّا الخطوة الأولى في طريق الإصلاح الطويلة، مكرّراً نفيَه وجود نيّة لإلغاء الشهادة المتوسطة.
ختاماً يواصل تلامذة “المتوسطة” امتحاناتهم لليوم الثاني، وموعدُهم مع علوم الحياة واللغة العربية، ويبقى النجاح الهاجسَ الأكبر، فهل تتحقّق أمانيهم.