#adsense

ماذا يخبئ أشرف ريفي؟

حجم الخط

بدأت الإنتخابات البلدية بالحديث عن التسونامي المسيحي الذي سيخلقه تحالف معراب بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” وانتهت بالتسونامي الطرابلسي الذي حققه الوزير أشرف ريفي.

في هذه الإنتخابات عن أي تسونامي يمكن أن نتحدث؟ عن أي زلزال؟

في الأساس لا الدكتور سمير جعجع ولا العماد عون تحدث عن تسونامي. قبل الإنتخابات كانت هناك استطلاعات للرأي أظهرت أن 86 في المئة من المسيحيين مع المصالحة المسيحية فأخذ البعض هذا الرقم ليشككوا في تمثيل “القوات” و”التيار” معًا وشنوا الحملات عليهما على هذا الأساس بعد انتخابات زحلة ثم جونية وجزين وصولاً إلى القبيات وتنورين. ولكن في خضم هذه الحرب على ذلك التحالف جاءت المفاجأة من طرابلس لتقلب التوقعات.

في معراب حيث غالبا ما يكون ضباب تبقى الصورة واضحة خصوصًا في ما يتعلق بقراءة نتائج الإنتخابات البلدية. أين نجح التحالف مع “التيار الوطني الحر” وأين فشل وكيف سيتسمر؟ وأية معارك تنتظره؟

ما هي أهمية انتصار أشرف ريفي في طرابلس؟ وماذا سيبدل في التحالفات؟ ما هي أسباب هذه الظاهرة وأية صورة سترسم على الساحة السنية؟ وكيف ستؤثر على العلاقة بين “تيار المستقبل” والوزير أشرف ريفي؟ وكيف ينظر إليها “حزب الله”؟ وفي أي زاوية ستضع الرئيس نجيب ميقاتي والنائب محمد الصفدي وباقي مكوّنات التحالف الذي خاض المعركة ضد اللواء ريفي؟

لم يخض “القوات” و”التيار” الانتخابات البلدية على أساس أنها ستكون انعكاسًا للحلف السياسي بينهما، أو على أساس أن نتائجها ستكون هي ذاتها في الانتخابات النيابية، لأن هذه الانتخابات ستكون لها عناوينها وحساباتها وشعاراتها المستقلة.

منذ بدأ التحضير على عجل للإنتخابات البلدية رسم هذا التحالف الخطوط العريضة للمعركة الشاملة وما تتضمنه من عناوين متفرقة، خصوصًا ما يتصل منها ببعض الشخصيات المستقلة التي اختار بعضها أن يكون من ضمن التفاهم وفق رؤيته الإستراتيجية للوضع المسيحي في شكل عام، وللوضعية اللبنانية المرتبطة به والمتعلقة بتحقيق التوازن السياسي من أجل إعادة بناء الدولة. وفضّل البعض الآخر أن يبحث عن مكان له خارج هذا التحالف معتبرًا أن حيثيته السياسية أهم من الأهداف الكبرى.

من هنا نشأت حالات ميريام سكاف في زحلة وهادي حبيش في القبيات وبطرس حرب في تنورين، ومن هنا أيضًا دخل أكثر من طرف على هذا الخط للقول إن تفاهم معراب لا يمثل الأكثرية المسيحية وأن هناك حرب إلغاء كان يشنها الثنائي المسيحي وأن هذه الحرب فشلت وأن أحجام بعض الأسماء انتصرت عليه. لم تكن هذه القراءة جديدة. هذا التصور وضع من أجل ضرب أهداف هذا التفاهم الكبرى وكانت المسألة واضحة ولذلك تم استغلال بعض النتائج البلدية للتصويب على تفاهم معراب. ولكن وفيما كان هؤلاء يتلهون بالترويج لهذه الصورة جاءتهم المفاجأة من طرابلس بحيث خطفت التركيز على تنورين أو على القبيات بعدما كانت استهلكت العمليات المماثلة في زحلة ثم في جونية وسن الفيل وجزين.

عندما يحضر النص يبطل الإجتهاد. قراءة النتائج في الجولات الأربع تكذب ادعاءات النصر التي تحدث عنها كثيرون مستغلين بعض الأرقام في بعض البلدات المحددة التي أكدت بصورة مباشرة أن هذا التفاهم استطاع أن يكون حاضرًا وبفعالية من أقصى الشمال في القبيات إلى أقصى الجنوب في عين إبل ورميش. ومن أقصى الشرق في القاع ورأس بعلبك إلى أقصى الغرب عند شواطئ البحر الأبيض المتوسط. يمكن القول إن هذا التفاهم هو الذي رسم الخارطة الحقيقية للبنان. وهو حقق النسبة الأعلى من الممارسة الديمقراطية من خلال الحضور السياسي المتنوّع ليؤكد بذلك مرة أخرى أن التعددية مطلوبة أكثر من السابق وأن المطلوب أن ينعكس هذا الأمر على الآخرين.

لذلك ليس صحيحًا أن الثنائية المسيحية كانت تشن حرب إلغاء ضد بعض المستقلين لكن هؤلاء أرادوا أن يحددوا أحجامهم خارج هذه الثنائية. ولذلك أيضًا بات من الواجب الإنتقال إلى المرحلة الثانية، مرحلة ما بعد الإنتخابات البلدية: ما هو تأثير نتائج الإنتخابات البلدية على الإنتخابات الرئاسية؟ وعلى ترشيح الرئيس سعد الحريري للنائب سليمان فرنجية؟ وهل بدأ العد العكسي لهذه الإنتخابات؟

ماذا إذا تم حشر الثنائي عون وجعجع بين قانون الستين وبين الإنتخابات؟ هل يذهبان إلى صناديق الإقتراع أم إلى الإقتراع في الشارع؟ هل يتفقان على الإنتخابات النيابية قبل الإنتخابات الرئاسية؟

قراءة معراب الأولية لمرحلة الإنتخابات البلدية تعتبر أنها كانت مرحلة غنية. لم يسبق أن خاضت “القوات” المواجهات البلدية بهذا الشكل. حتى في العام 2010 كانت هناك توجيهات بأن تترك المسألة على عاتق العائلات المحلية. هذه المرة كان القرار بالمشاركة مباشرة على ضوء التفاهم مع “التيار الوطني الحر” الذي شكل تغييرًا كبيرًا في الخارطة السياسية وكان المطلوب تظهيره على رغم أن الوقت القصير لم يسمح بالتحضير اللازم إذ إن كثيرين ظلوا يتصرفون وكأن هذه الإنتخابات لن تحصل وستتأجل في اللحظة الأخيرة. ولذلك كان هناك تقدير لعمل الماكينات الحزبية، ولكن في الوقت نفسه كان هناك توقف عند ثغرات حصلت من أجل دراستها وتصحيحها وعدم تكرارها والأمر نفسه سيحصل على صعيد نقاط الخلل التي سجلت في التحالف مع “التيار الوطني الحر”.

بعيدًا من الصورة التي كرسها تحالف معراب وبشكل مرتبط بها ثمة درس متأن للظاهرة التي شكلها الوزير أشرف ريفي وانعكاساتها المباشرة على الساحة السنية وعلاقته مع “تيار المستقبل” ونظرة “حزب الله” إليها وإليه.

لم يسكر اللواء ريفي بالنصر. هو نفسه قال قبل المعركة وبعدها: “أنا اللواء أشرف ريفي إجريي عالأرض وراسي على كتافي”. قبل المعركة تصرف على هذا الأساس وبعدها بقي يتصرف على هذا الأساس. لأن رأسه فوق كتفيه لم يقبل أن يحاصر أو أن يلغى أو أن يهمش. ولأن رجليه على الأرض بقي على الأرض يخوض معركته فيما تصرف الآخرون وكأنه غير موجود أو سيصبح غير موجود.

النظرة إلى ظاهرة ريفي ليست عاطفية ولا هي رد فعل، بل أرقام واستنتاجات واقعية. البعض تصرف قبل المعركة في طرابلس باستخفاف ظاهر وصل إلى حد التصوير وكأن لا معركة هناك وأنه بمجرد بناء هذا التفاهم الذي يجمع الرئيسين سعد الحريري ونجيب ميقاتي والنائب محمد الصفدي والوزير السابق فيصل كرامي والجماعة الإسلامية والأحباش يمكن النصر بسهولة على اللواء ريفي. ولكن في المقابل لم يستخف اللواء بالمعركة وبقي يتحضر لها وكأنه يقوم بإحدى مهماته الأمنية.

منذ كان ضابطاً في قوى الأمن الداخلي في وحدة مكافحة الإرهاب في ثكنة قوى الأمن الداخلي على بولفار كميل شمعون في عين الرمانة كان يدرك مدى أهمية دراسة الوضع جيدًا من أجل كسب المعارك والمواجهات. وعندما انتقل إلى المناصب العليا في قوى الأمن في فرع المعلومات ثم مديرًا عامًا لم يتخل عن خوض المعارك حتى في أصعب الظروف بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عندما دخل المناطق المحرمة في التحقيق في جريمة الإغتيال واستمر فيها على رغم الرسائل الدموية التي تلقاها أولا باغتيال الرائد وسام عيد ثم باغتيال اللواء وسام الحسن ومحاولات الإغتيال التي كانت تحضر له وربما لا تزال.

بعد نتائج انتخابات بلدية بيروت وبلدية صيدا كان الرئيس سعد الحريري واضحًا في خطته نحو الذهاب إلى التفاهم الواسع في طرابلس مع الرئيس نجيب ميقاتي. والرئيس ميقاتي بدوره فضل أن يلاقي الرئيس سعد الحريري في هذا التفاهم معتبرًا أنه من الأفضل له أن يعيد تبييض صفحته في الساحة السنية بعد تجربته الفاشلة في الحكومة التي ترأسها في العام 2010 بعد الإنقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري وفي الوقت نفسه كان يحسب أنه سيكرس شعبيته من خلال هذا التفاهم الذي جمع المتناقضين والمتنافسين على مواجهة اللواء أشرف ريفي.

من جهته كان “حزب الله” يفضل أن يخوض الرئيس ميقاتي المعركة في مواجهة الرئيس سعد الحريري منفردًا وفي مواجهة اللواء اشرف ريفي منفردًا على أساس القراءة التي أجراها لنتائج الإنتخابات في بيروت وللوضعين الشعبي والمالي اللذين يمر بهما “تيار المستقبل” واللذين لن يسمحا له بخوض معركة رابحة وسهلة. ولكن في النتيجة كان “حزب الله” يريد ألا يفوز اللواء أشرف ريفي في أي حال من الأحوال ولذلك ربما اعتبر أن التفاهم مع الرئيس سعد الحريري قد يكون ممكناً لتجنب تحقيق اللواء ريفي أية نتيجة تذكر وكسر الشعارات التي ظل يرفعها ضده وضد سياسته واعتراضه على سياسة الرئيس سعد الحريري التي اعتبرها متهاونة وغير صائبة خصوصًا بعد ترشيحه النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية. هذا الموقف الذي كان يضمره الحزب عبّر عنه مباشرة بعد ظهور نتائج طرابلس عندما انتقد تفضيل الرئيس ميقاتي التحالف مع الرئيس سعد الحريري وإهداء الفوز للواء أشرف ريفي.

ريفي استفاد من هذا الحشد ضده. وبينما غاب قادة التحالف المواجه له عن الساحة حضر هو شخصيًا ونزل إلى شوارع طرابلس على وقع النقمة الشعبية على تقاسم الحصص وعلى فشل التسويات البلدية وفشل البلدية السابقة وتداعيات جولات القتال السابقة بين باب التبانة وجبل محسن. وقال إن توقعات النصر الريفي خلال الساعات الأخيرة من الإقتراع دفعت عددًا من العلويين للنزول إلى أقلام الإقتراع من أجل تعديل النتائج والتصويت للائحة التفاهم من أجل منع ريفي من الإختراق ولكن ما كتب كان قد كتب.

المهم في انتصار اللواء ريفي أنه انتصار من داخل البيت ومن داخل بيئة “تيار المستقبل”. طبعًا كان متفاجئاً بالنتيجة. كان يخوض حربًا ضد إلغائه فإذا بنتائج المعركة تظهر وكأنه تمكن من إلغاء الذين أرادوا إلغاءه. طبعا أيضًا لم يسكر ريفي بالنصر وبقيت رجلاه على الأرض وبقي رأسه فوق كتفيه. لم يعلن أنه حقق انقلابًا وأنه فتح خطاً جديدًا في السياسة وكتب عنوانً إضافيا على سجل عناوين زعامات طرابلس. لم يسجن نفسه في دائرة الإنتصار ولا في دائرة طرابلس الضيقة. أشرف ريفي بقي أشرف ريفي. أتعبته مظاهر الإحتفالات التي عكست المفاجأة غير المتوقعة. لم يبدل عناوينه السياسية وبقي يردد ما كان يردده قبل المعركة. قال إن طرابلس كانت وستبقى مدينة العيش المشترك وأهدى الإنتصار إلى أهل طرابلس والرئيس رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز الأبطال والشهيدين اللواء وسام الحسن والرائد وسام عيد وأكد الإستمرار في هذا النهج حتى التوصل إلى الحقيقة الكاملة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتحقيق العدالة ومحاسبة المتورطين وأنه سيحارب “حزب الله” سياسيًا وحضاريًا وإعلاميًا طالما يمثل الحزب مشروعًا إيرانيًا فارسيًا وكرر إعلان رفضه ترشيح النائب سليمان فرنجية وأن هذا الترشيح كان سبب خلافه الأساسي مع الرئيس سعد الحريري مكررًا أيضا مد اليد إليه.

لم يعلن أشرف ريفي حالة سياسية مستقلة وعلى رغم السهام الكثيرة التي طالته سابقاً لم يتورط في تصريحات متهورة وبقي ممسكاً بمشاعره وبمواقفه موازناً بين ما تتطلبه الحالة الشعبية وبين ما تقتضيه الحالة السياسية. ومن هذه الخلفية ربما يمكن النظر إلى اتصال التهنئة الذي تلقاه من السفير السعودي في لبنان علي عواض العسيري. ومن هذه الخلفية يجب النظر إلى الإتجاهات التي يمكن استثمار ما حققه في طرابلس على أساس أنه في تداعياته السياسية لن يبقى محصورًا بين باب التبانة وجبل محسن أو في الزاهرية وشارع عزمي بل سيتجاوز الساحة الطرابلسية إلى عكار وبيروت ليطرح معادلة جديدة تقوم على أساس إعادة رسم الخيارات الإستراتيجة من الترشيح إلى رئاسة الجمهورية إلى قانون الإنتخابات وصولاً إلى التحالفات التي ستنشأ من جديد على أساس الإنتخابات البلدية ونتائجها.

من النتائج التي حققها تفاهم معراب إلى النتائج التي حققها اللواء أشرف ريفي لا بد من إعادة قراءة متأنية لمرحلة ما بعد الإنتخابات ولا بد أيضًا من أن يتصرف كثيرون على أساس أن أرجلهم على الأرض ورؤوسهم فوق أكتافهم.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل