#adsense

صدمات وعي

حجم الخط

كما تعود الوردة لتنبت من جديد على أصلها ، يُمكن للأجسام السياسيّة الحيّة ذات الجذور الوطنيّة السليمة أن تُعيد إحياء نفسها، على أصولها الثابتة.

هذه هي حال الجسم السياسي الوطني المعروف باسمه التاريخي “14 آذار” وشعاره المميّز “ثورة الأرز”، والذي جرّحته وهشّمته خلافات من خارج طبيعته، بدأت بتلك ال”س –  س” السيّئة الذكر، ومرّت بالقانون البيولوجي المتخلّف الملقّب زوراً باسم مذهب، وعبرت تشكيل حكومة تناقضات وكيديّات ل”ربط النزاع”، وبلغت ذروتها في الترشيحات الرئاسيّة الخارجة عن السياق السياسي الوطني الصحيح، وتتوّجت بتفكّك الأواصر في الانتخابات البلديّة.

ولا بأس في بدء السجالات بين قوى “14 آذار” وخروج خلافاتها إلى العلن والملأ، بعد مرحلة مداهنة وتستّر وتستير. فالمرض لا يشفى بإخفائه، والمشكلة لا تُحلّ بالاستدارة عليها وتجاهلها.

اليوم صار هذا الجسم السياسي في غمرة الأزمة، وهناك ضرورة لكلّ هذا الاهتزاز والتباعد والتراشق بالمسؤوليّات والأخطاء والخطايا، كي تنكشف كلّ مكامن الخلل، فيبدأ البحث عن العلاج.

ولا نبالغ إذا قلنا إنّ هذا الجسم السياسي كان يحتاج إلى صدمة وعي، فجاءته من طرابلس على يد أحد أنقيائه وأتقياء ثورته، أشرف ريفي، الذي سيظهر مع الوقت كم كان حضوره ضروريّاً، وصرخته لازمة، وحركته مباركة، في تسديد الخطى وتصويب المسار، فضلاً عن صدمات أُخرى في غير مدينة وبلدة.

وليس تفصيلاً أن تؤدّي اهتزازات طرابلس وسواها من مناطق قيادات “14 آذار”، إلى بدء الاعتراف بالأخطاء والخطايا، وإلى مراجعة المرحلة الأخيرة بسلبيّاتها وانتكاساتها، ولو تحت ستار الانتقادات الحادّة وتبادل رمي الكرات والمسؤوليّات.

فـ”تيّار المستقبل” لا تنقصه شجاعة قراءة الدروس والعبر، ولو أنّ أحد أركانه، نهاد المشنوق، غطّى حدوث الصدمة بأكثر من غطاء: هجوم على “حصر الإرث” للحريريّة السياسيّة والاستثمار في قضيّة الشهداء، وتحميل الادارة السعوديّة السابقة مسؤوليّة سلبيّات ال”س –  س”، والادارة البريطانيّة مسؤوليّة ترشيح فرنجيّة. وقد جاء النفي البريطاني والسعودي ليكشف هزال ادّعاء المعرفة، ومحاولة تبرير الخطأ.

والمراجعة لا تتوقّف عند “تيّار المستقبل” وحده، بل تتمدّد إلى سائر قوى “14 آذار”، وتحديداً “القوّات اللبنانيّة”، لإعادة تقويم الفعل وردّ الفعل، بعدما حقّق ردّ الفعل هدفه، وعطّل وصول سليمان فرنجيّه إلى الرئاسة، سواء جاء ترشيحه دوليّاً من لندن إلى واشنطن وباريس والسعوديّة كما افترض خيال المشنوق، أو محليّاً بلديّاً من سعد الحريري كما ظهر على شاشة الحدث.

ولا شكّ أنّ ترشيح سمير جعجع ميشال عون، لا يرقى إلى مرتبة العقيدة والاستراتيجيا المقفلة، بل كان وليد القرار الخاطىء بترشيح فرنجيّه. والخروج من الوضع المعقّد لا يكون إلاّ بالأفكار البسيطة، على قاعدة شارل ديغول في توجّهه إلى الشرق.

والفكرة البسيطة قدّمها أبرز منقذيّ “14 آذار” من مأزقها، أشرف ريفي، الذي دعا الشريكين الخصمين الحريري وجعجع، إلى سحب ترشيحيهما والعودة إلى أصول التحالف الأصيل.

بالتأكيد، لا تزال العودة إلى الأصول ممكنة ومتاحة. فليس هناك ثوابت وأهداف وطنيّة كبرى تجمع بين الحريري وفرنجيّة، وبين جعجع وعون.

في الثنائي الأوّل، لقاء مصالح ممزوج بإيماءات خارجيّة، مع رغبة في الخروج من الفراغ بأيّ ثمن.

في الثنائي الثاني، هاجس الشراكة والتمثيل الصحيح، فوق تناقض كبير حول سلاح “حزب الله” ومفهوم السيادة والانتماء العربي والتزام الشرعيّة الدوليّة.

طرفا “14 آذار” يلتقيان مع طرفَي “8 آذار” في المواقف والمصالح، ويتناقضان معهما في الأساسيّات الاستراتيجيّة. والمنطق يقول بأنّ المواقف والمصالح متحوّلة، بينما الاستراتيجيا ثابتة.

الثابت جمع جعجع والحريري وسامي الجميّل ودوري شمعون وبطرس حرب وكارلوس إدّه وفارس سعيد وسمير فرنجيّه وفريد مكاري وميشال فرعون وميشال معوّض وهادي حبيش وقيادات أرمنيّة وفاعليّات المذاهب الأقليّة واليسار الحديث وعشرات قادة الرأي ومئات آلاف اللبنانيّين الأحرار، والمتحوّل فرّقهم. وكلّ من يخرج على هذا الثابت يخرج وحده، كما فعل مَن سبقه، والأساس باقٍ وراسخ، بالوجوه نفسها أو بسواها.

وليس صعباً الرجوع إلى الثوابت التي تجمع وتبني.

هذا ما يريده الصادقون والأنقياء في “ثورة الأرز”، وهم أكثريّة ساحقة حتّى داخل أحزاب “14 آذار”.

فاسمعوا نداءهم واقرأوا نتائجهم، واجعلوا منها صدمات وعي، أيّها القادة.

والمطلوب، نبل الموقف وشجاعة الاعتراف.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل