
هادئ. رصين. جريء. خاض تجربة استثنائية ليس فقط في تاريخ القضاء العراقي، إنما العالمي ايضاً. إنه القاضي الشاب رائد جوحي. يوم أنهى دراسته في القانون من جامعة بغداد لم يكن يعتقد أنه سيأتي يوم يَمثُل أمامه الزعيم الذي كان ذكر اسمه يخيف العراقيين، وأوامره تغيّر في جيوسياسة المنطقة. أتته الفرصة في العام 2004. اقتنصها. فعيّن رئيس الفريق الذي حقّق مع الرئيس المخلوع صدام حسين. عن ظروف تعيينه في هذه المهمّة والصعوبات التي واجهته في التحقيق والتدخّلات السياسية وغيرها من المسائل، كان هذا الحوار مع القاضي رائد الجوحي.
حاوره: د. فادي الاحمر
كنت أوّل رئيس للمحكمة التي مثُلَ أمامها صدام حسين. لماذا تم اختيارك لهذه المهمة؟
عُيّنت رئيس قضاة التحقيق الذي حقّق مع صدام حسين في محكمة الجنايات العراقية العليا. كنت مسؤولاً عن فريق مكوّن من 24 قاضيًا و16 مدّعيًا عامًا وعدد كبير من المحقّقين والموظّفين والخبراء.
من عيّنك لهذه المهمّة؟
أنا كنت قاضياً في نظام صدام.
أي سلطة سياسية عيّنتك؟
انتخاب القاضي لمهمة معيّنة هو من اختصاص السلطة القضائية. تعييني تمّ بناء لقرار رئيس مجلس القضاء بالتنسيق مع السلطة التنفيذية حينها. بدأنا العمل في منتصف 2004 قبل انتقال السلطة من المسؤول الاميركي بول بريمر الى الدكتور إياد علاوي. وكان هناك بحث عمن يقود التحقيق.
البحث كان على المستوى القانوني فقط ام على المستوى السياسي الاميركي – العراقي؟
النقطة الأساسية هي التنسيق مع رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي مدحت المحمود. الجانب السياسي لم يكن بمنأى عن هذه القضية. أنا بُلّغت اني انتخبت لهذه المهمّة.
ولكن حين سقط نظام صدام حسين سقطت الدولة العراقية. فهل بقي الجسم القضائي العراقي قائماً حينذاك؟
عندما سقط النظام السابق في 9 نيسان 2003 انهار الجهاز السياسي في الدولة، إنما استمرت مؤسسات الدولة قائمة ومن بينها الجهاز القضائي. توقفنا عن العمل أيامًا قليلة. قبل سقوط النظام كنت قاضي تحقيق في منطقة النجف. بسبب المعارك غادرت الى بغداد وهناك كنت تابعاً لوزارة العدل. وعيّنت للعمل في محاكم العاصمة. واستمررنا في العمل حتى ليلة سقوط نظام صدام.
سقط النظام، سقطت الوزارات، من كان يشرف على الجسم القضائي؟
كان القاضي مدحت المحمود مشرفاً على الجسم القضائي. بعد بضعة ايام على سقوط النظام عدنا الى مزاولة عملنا.
وهل كان القاضي المحمود يشغل المنصب قبل سقوط النظام؟
كلا. كان عضوًا في محكمة التمييز.
ومن عيّنه؟
أعتقد ان الحكومة الانتقالية الاميركية هي من عيّنته. رسمياً وقانونياً، بحسب القانون الدولي، كان العراق تحت الاحتلال الدولي الأميركي – البريطاني. هناك رسالة رسمية أرسلتها قوات التحالف الأميركية – البريطانية الى مجلس الأمن الدولي تعلن فيها انها تحتل دولة العراق. هم أعلنوا أنفسهم محتلين للعراق. فصدر قرار عن مجلس الأمن كرّس هذا الاحتلال.
إذاً أصبحوا هم المسؤولون عن إدارة العراق؟
وفقاً لاتفاقية جنيف الدولية وقراري مجلس الأمن 1483 و1511 كانت الولايات المتحدة وبريطانيا مسؤولتين عن إدارة العراق كدولتين محتلتين. ورأوا ان الأستاذ مدحت المحمود كان الرجل المهيأ والمناسب للإشراف على الجسم القضائي. فعيّنوه في هذا المنصب.
هل أخذوا في الاعتبار الانتماء المذهبي؟
لا أعتقد ذلك. الأستاذ المحمود كان أحد أقدم القضاة العراقيين.
وماذا عن اختيارك وهيئة التحقيق، هل تم على أساس طائفي مذهبي؟
لا أبداً. حتى اليوم، لم يدخل العامل الطائفي الجسم القضائي وهو أمر جيد جداً. المحاصصة الطائفية هي في المؤسسات السياسية، مثل الرئاسة والبرلمان والحكومة. في القضاء تتم مراعاة التنوّع المناطقي والمذهبي والقومي. لكن هذا التنوّع يذوب في الجسم القضائي. الاختيار يكون على أساس النجاح. وهناك مسار لهذا النجاح.
وهذه المسألة تنسحب على كافة المواقع القضائية؟
حتى هذه اللحظة. لا يؤخذ في الاعتبار العامل الطائفي في التعيينات القضائية. بالتالي اختياري تم بناء على اقتراح رئيس السلطة القضائية بالتشاور مع السلطة السياسية التنفيذية. بُلّغت. وتم سؤالي عمّا إذا كان لدي أي تحفّظ. بالنسبة إليّ كان قبول المهمة واجبًا وطنيًا ومهنيًا.
ألم تخف؟
لم أفكر في هذا الأمر. كان جلّ اهتمامي ان أؤدي مسألتين: الواجب المهني والواجب الوطني. كنا في مرحلة إعادة بناء الدولة…
ألم تشعر بالرهبة بوجود ديكتاتور سابق أمامك؟
مسألة الرهبة موجودة. إذا كان الإنسان محترفاً عليه معرفة التعامل مع من يكون أمامه. أنا ولدت وصدام في السلطة. وكانت مشاهدتي له مثل أي عراقي عبر شاشات التلفزيون. وأسمع وأعرف وأرى. وعشنا الحروب العراقية واجتياح الكويت. من ثم الحصار الاقتصادي. لكن كأي إنسان محترف كنا نطوّر أنفسنا من ضمن الإمكانيات الموجودة. وكنا نشتغل على أنفسنا ونستعين بعلم النفس الجنائي لدراسة شخصية المتّهم وآلية التعامل معه. بالطبع مسألة اختيار صدام من بين المتّهمين الذين علينا التحقيق معهم لم تكن بسيطة. كان يلزمها تحضير نفسي كبير.
لكم أم لصدام؟
للاثنين معاً. كان علينا تحضير صدام ليخرج من فكرة أنه كان رئيساً للسلطة وأنه متهم وعليه الدفاع عن نفسه ويتمتّع بكامل الحقوق القانونية لذلك. لاحظنا هذه المسألة في محاكمات ميلوسوفيتش أيضاً…
وهل توصّل صدام للتعامل مع المحكمة كمواطن متّهم؟
في البداية كان الأمر صعباً عليه. فهو كان سياسياً. ويؤمن ان السياسة يمكن ان تتغيّر في أي وقت. ولكن مع مرور الأيام ومع توالي جلسات التحقيق، أصبح واضحاً له أنه متّهم. وهناك جرائم خطيرة. واتهامات أخطر. إذا ما ثبتت يمكن ان تصل عقوبتها الى الإعدام. وكان عليه ان يدافع عن نفسه. حجم الوثائق الذي كنا نعمل عليه هائل. حوالي العشرين طناً. نقلناها في شاحنات كبيرة. بالتالي خلال التحقيق لم يكن لصدام الوقت في ان يفكّر أنه رئيس. كان عليه ان يفكّر كيف يدافع عن نفسه أمام الاتهامات المدعومة بوثائق كثيرة.
أنت من حقّق معه؟
نعم. أنا حقّقت معه مدّة سنتين.
وهذا التحقيق هو الذي أدى الى الحكم عليه في ما بعد؟
نعم. أنا شكّلت فريق التحقيق. كنت رئيس قضاة التحقيق… إضافة الى القضاة والمدعين العامي، كان معي في الفريق أكثر من 60 محقّقاً و100 موظّف وخبراء لوجستيين وخبراء وثائق. وكانت لدينا مكاتب في مختلف المحافظات. بهذا الفريق قمنا بإدارة التحقيق مع صدام حسين ورفاقه.
ألم يكن هناك تدخّلات سياسية او اقلّه اطّلاع سياسي على مجريات التحقيق؟
لا. كان هناك مراقبة سياسية على مجريات التحقيق ومجريات المحكمة. لن أكون مثالياً وأقول ان المحاكمات كانت تجري بعيداً تماماً عن معرفة السلطات السياسية. المحكمة فيها جانب سياسي وجانب لوجستي. السلطة السياسية كانت تراقب وتتابع مجريات المحكمات. وكنت أقدّم من وقت لآخر ملخّصًا الى رئيس الجمهورية الأستاذ جلال الطلباني أعرض فيه مراحل التحقيق. فالتحقيق لم يكن بسيطاً. كنا نعمل على أطنان من الوثائق، وعلى مقابر جماعية. كنا نبني مدناً في الصحراء لمعاينة هذه المقابر. ونبني مصانع لتحليل الجثث…
هل إحجام السلطات السياسية الأميركية والعراقية عن التدخّل في مجريات التحقيق يعود الى أنها كانت متأكدة ان الاتهامات والوثائق ستؤدي الى الحكم بالإعدام على صدام حسين؟
كي أكون دقيقاً. أنا أتكلّم عن نفسي. أنا حقّقت مع صدام في قضيتين أساسيتين، قضية الأنفال وقضية الدُجيل. وهو أُعدم بقضية الدُجيل. قضية الأنفال هي عمليات عسكرية وسياسية كانت ضد الأكراد في اقليم كردستان استمرّت لأكثر من سنتين وأدّت الى تطهير عرقي وقتل وتهجير قرى ابتداء من كركوك وانتهاء بدهوك. كنت مسؤولاً مباشراً عن هاتين القضيتين. كما أشرفت بشكل غير مباشر على أكثر من عشر قضايا أخرى كان يقوم بالتحقيق فيها القضاة المساعدون. بالنسبة إليّ، كنت أحرص على ان أقدّم بين مرحلة وأخرى تقريراً عن تطوّر التحقيق والمدّة التي سنستغرقها لنكون جاهزين للمحاكمة. كان لدى بعض السياسيين رغبة في الاستعجال في التحقيق والمحاكمات. ولكنهم كانوا يدركون ان التحقيق سيأخذ وقتاً طويلاً وأنه يجري بطريقة سليمة وعلى أسس دولية قوية. بالتالي، أنا مستعد لمواجهة خبراء قانونيين محليين ودوليين في ان يفحصوا ملفات قضيتي الأنفال والدُجيل. اطمئنان السياسيين لم يكن على أساس ان التحقيق سيؤدي الى إعدام صدام. أنت تعرف أنه بعد انتهاء التحقيق، من تثبت عليه أدّلة يُحال الى المحكمة. ومن لا تثبت عليه أدلّة يُطلق سراحه. وقد أفرجنا عن العديد من الأشخاص بعد التحقيق. لم تكن هناك تغطية إعلامية لهؤلاء الأشخاص إذ كان التركيز الإعلامي على صدام ومساعديه الأقربين…
ماذا أضافت هذه المهمة إليك شخصياً على المستوى المهني وعلى مستوى الخبرة وعلى مستوى الشهرة عراقيا وعربياً ودولياً؟
أعتقد ان تلك المحاكمات لم تضف إليّ أنا فقط، إنما غيّرت مسار النظرة القانونية في المنطقة.
كيف؟
سأبدأ بالجواب عن المنطقة وأعود لما يخصّني شخصياً. محاكمات صدام حسين والمطالبة بجلبه وجلب مساعديه الى العدالة. كانت أوّل محاكمات من نوعها في الشرق الأوسط. صدام كان أوّل رئيس دولة في الشرق الأوسط يمثل أمام المحكمة ويُحاكَم. وماذا حدث بعدها؟ برزت مطالبات شعبية وقانونية بمحاكمة الرؤساء. قبل ذلك كانت تسيطر فلسفة القتل والإبعاد. في الماضي جمال عبد الناصر أبعد الملك فاروق. أما اليوم فكانت هناك مطالبات في مصر بمحاكمة حسني مبارك، وفي ليبيا بمحاكمة معمّر القذافي. واليوم هناك محاكمات لسيف الإسلام وإخوته. وفي تونس مطالبات بمحاكمة زين العابدين بن علي. بالتالي تأثيرات محاكمات صدام حسين كانت على مستوى العالم العربي.
أما على المستوى الشخصي، فأضافت إليّ هذه المحاكمات الكثير. على المستوى المهني دفعتني الى التعمّق في القانون الدولي. كما أغنت علاقاتي برجال القانون على المستوى العالمي. وعلى أثر ذلك أكملت دراسات عليا في القانون الجنائي في إحدى الجامعات الأميركية.
هل حصلت على منحة تعليم؟
نعم.
من الدولة الأميركية؟
لا من الجامعة. كان لدي منحتان، الأولى للبحث العلمي والثانية للحصول على ماجستير في القانون الدولي الجنائي.
هل تفكّر في إصدار كتاب عن التحقيقات مع صدام حسين؟
لكثرة الأحداث كان علينا ان نسجّل الأحداث اليومية. ولكننا لم نفعل. أكثر من جهة طلبت مني ان أصدر كتاباً عن تلك المحاكمات. ولكن هناك أخلاقيات المهنة. نحن في القضاء لا يمكن ان نكتب شيء وصل إلينا بحكم عملنا. إنها أسرار خاصة بالأشخاص المعنيين. لا شك في أنها حقبة تاريخية ويجب التوقّف عندها. الوثائق التي كانت موجودة والمحاكمات والأحداث والمتغيّرات… كلّها أمور يجب ان تطّلع عليها الأجيال القادمة.
كي تكون جزءًا من التاريخ الذي سيُقراء في المستقبل؟
طبعاً. المادة موجودة. ولكن بصراحة، متى سأكتب؟ لم أقرّر بعد.