
منذ بضع سنوات، حوالى العام 2027، صعدت أنا وابني إلى «تختية» منزلنا للبحث عن غرض أضعناه، وبين الغبار وبيوت العنكبوت عثرنا على جهاز تلفزيون قديم موديل عام 2016 وعليه كدسة من الصحف الورقية التي احتفظت بها منذ عام 2005.
وكانت الدهشة بادية على وجه الولد وهو يستمع إليّ أروي له عن هذين الشيئين الذين لم يعد يصادفهما، وكيف كنّا نستخدمهما في الماضي، وتحديداً في بداية القرن.
إسمع، أذكر أنه حوالى منتصف تسعينات القرن العشرين، ومع انتشار الانترنت بدأ الناس يبتعدون قليلاً عن الصحف الورقية ويلجأون أكثر إلى المواقع الالكترونية لمتابعة الأخبار وقراءة المبوّب ونشرات الطقس ومعرفة الأفلام السينمائية الجديدة وأماكن عرضها، لكنّ أحداً لم يكترث فعلاً لهذه التبدّلات السلوكية لدى القرّاء، وحافظت الصحف على نجاحها ومداخيلها حتى عام 2010 تقريباً.
وبعدها، بدأت الصحف الورقية تختفي من الأسواق بعد أن إتّجه القرّاء إلى المواقع الإلكترونية المرادفة التي استفادت من هجمة الإعلانات على حساب الورق.
وحوالى عام 2015، عندما ازدادت شفقة الإعلاميين التلفزيونيين على حال زملائهم الصحافيين والمحرّرين، بدأت عاداتنا التلفزيونية وسلوك المشاهدين تجاه الإعلام المرئي يتغيّر، فلم يعد الناس يشاهدون البرامج مباشرة على الهواء عبر جهاز التلفزيون، وكانوا يلجأون إلى مواقع مثل «يوتيوب» لمشاهدة الإعادة، باستثناء ربما المباريات الرياضية الكبيرة.
ولم يعد المشاهد يحبّذ فكرة متابعة البرامج التي تحتوي على كثير من الإعلانات، وأصبح يفضّل متابعة الأمور التي تستهويه على حسب رغبته وفي التوقيت والمكان الذي يريد، سواءٌ على الكومبيوتر أو الجهاز اللوحي أو الهاتف الذكي… ومنذ ذلك العام بدأ الناس يبتعدون رويداً رويداً عن الصوفا المواجهة للتلفزيون، ولا حتى لمتابعة نشرات الأخبار المسائية التي كانت تعيد كلّ ما كنّا نقرأه خلال النهار.
يا بابا، أصيب التلفزيون بالأمراض نفسها التي أصابت الصحافة المكتوبة بعد أن تغيّر سلوك المشاهدين بفعل كثرة المواقع الإلكترونية والتسهيلات التي قدمتها مواقع التواصل الاجتماعي.
ولكن في 2015 وفي السنوات العشر التي تلتها، لم يلاحظ أحد التغيّر الحاصل وواصلت المحطّات جني الأرباح، وإن بنسب أقلّ دسامة، ولكنّ كثيرين كانوا يرون أن النتائج الموجعة مقبلة لا محالة والأضرار ستكون جسيمة. وكلّ مَن كان شاهداً على الكوارث التي أصابت الصحافة الورقية كان يعلم ضمناً أنّ الأمر نفسه مقبل ناحية التلفزيون، ولكن في حينها لم يكونوا يعرفون أين ومتى.
وهكذا بعد حوالى 10 سنوات أو أكثر على بداية موجة التغيير، بدأت المحطات التقليدية تختفي لتحلّ مكانها المحطات البديلة التي تعتمد على كفاءة الإعلاميين البدلاء الذين يقدمون مواد تشبع متطلبات المشاهد العصري. والمحطات التقليدية التي قدّمت المزيد من المواد القيّمة والمؤثرة اجتماعياً هي التي حافظت على وجودها وواصلت تقديم المواد الإعلامية التقدّمية وإن من خلال شاشات جديدة ومختلفة عن هذا التلفزيون الذي تراه أمامك.
يا ابني، في مرحلة من المراحل، ملّ الناس من الأخبار والتقارير المغلّفة بسياسة المحطّات والقيّمين عليها، وباتوا يميلون أكثر إلى الشفافية والصدق والواقعية التي تنقلها مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأوا يفضّلون التقارير الشعبوية التي يصوّرها الأناس العاديون وغير المحترفين على تلك التي يتمّ تحضيرها في الاستديوهات المغلقة.
لم يكن أحدٌ في التاريخ يتصوّر أنّ يوماً ما سيتمّ استخدام الحمام الزاجل في مناسف الأرز فقط وليس للتواصل… وكذلك، حتى وإن اختفت الصحيفة الورقية إلّا أنّ الصحافة لم ولن تمون أبداً، وحتى لو اختفى التلفزيون بشكله التقليدي، فإنّ الناس لم ولن يتوقفوا أبداً عن طلب الترفيه مهما كانت وسيلة تقديمه.