
لقد ولّى زمن الإقطاع، الزّمن الذي كان يُستعبد فيه البشر حيث كانوا يرضونهم بالفتات وينهشون الأرغفة المغمّسة بدمائهم وعرقهم. لا رأي لهم ولا دور في تدبير الشأن العام أو حتّى أبسط الأمور الإجتماعيّة. لكن المفارقة أن تجد اليوم في العام 2016 من يحمل هذه العقليّة الإقطاعيّة، والأبهج من ذلك، يبشّر بها على أنّها خلاص منشود، بينما هي فساد معهود.
لن تقوم المجتمعات العربيّة بشكل عام، والمجتمع اللبناني بشكل خاص، إلا بوجود أحزاب سياسيّة تحمل مشاريع وبرامج، وتعمل على إيصالها، لا على إيصال أشخاص، ولا أن تتحوّل لأحزاب شخصانيّة وملكيّات عائليّة خاصّة، تغلّف الإقطاع بالحزب وبالسياسة.
هذه الإشكاليّة مطروحة جدّا في لبنان اليوم لا سيّما بعد طما عانى من احتلال وصاية سوريّة بلغت من العمر أكثر من ثلاثة عقود، أرست بتعاملها مع مجموعات عائليّة الفكر الإقطاعي، وبات صعبًا اليوم تجاوزه.
نعم، صعب لكن ليس مستحيلا بعد ما حقّقته بعض الأحزاب في خوضها العمليّات الإنتخابيّة منذ عشر سنوات وحتّى اليوم. ولم يكن يومًا هدف أيّ حزب إقفال البيوت السياسيّة كما اعتاد اللبنانيّون على تسميتها، بل إلى دفع هذه البيوت نحو تبنّي أفكار وعقائد سياسيّة لبناء أحزاب غير تقليديّة.
ومخطئ من يظنّ بأنّ السياسة لا شأن لها في الإنماء، فيبني انتقاده لتدخّل الأحزاب في الإنتخابات البلديّة والإختياريّة الأخيرة على هذه النّظريّة. فالعائليّة المرتبطة بالفكر القبلي العشائري لن تعود حتى لو بقي بعض أزلامها حتّى يومنا هذا، مع احترامنا الكلّي لما قامت به بعض العائلات في زمن الخدمات.
أمّا اليوم، فالفكر الديمقراطي الحرّ لا يترجم في الشأن العام إلا عبر الأحزاب السياسيّة التي تحمل مشاريع وأفكارًا حرة من دون تمييز وتفرقة بين كلّ المنضوين فيها. حتّى الإقطاع الذي كانت تمارسه السلطات الدينيّة ولّى أيضًا، فبوجود بطاركة أمثال البطريرك صفير لم يعد لهذا الفكر مكان بين أروقة الكنيسة. فبمقاومته الصامتة علّمنا الإلتزام والصلابة وعدم الإستسلام، وقد لعب المجمع الفاتيكاني الثاني دورا مهما في تكريس دور العلمانيين ومفهوم الشراكة.
وما حصل من تقارب مسيحي بين الحزبين الرّئيسيّين في المجتمع المسيحيّ إلا تكريسًا لنهج التحرر ما يسهل استرجاع كلّ حقوق المسيحيي المسلوبة من أصحاب الفكر الإقطاعي الذي تزلّم للوصاية وأتباعها. وهذا ما كرّسه المجتمع المسيحيّ بالطريقة التي صوّت بها في الإنتخابات الأخيرة وحتّى في قراءة بسيطة لبعض احصاءات بعد بعض المواقف التي يطلقها كلّ من “التيّار الوطني” و”القوّات” تبيّن مزاج الشارع المسيحي العام. وما هذه الإستثناءات التي حصلت في بعض المواقع إلا نتيجة لبعض الأخطاء التّكتيّة ومن المفيد الإعتراف بها لإجراء مراجعات نقديّة ذاتيّة حتّى يستطيع رجالات وقيادات هذه الأحزاب تصويب بوصلة الخيار في أوساط مجتمعاتها.
وليعلم الجميع أنّ التّاريخ لا يرجع إلى الوراء، بغضّ النّظر عن تكرار بعض أحداثه، وهنا تكمن قدرة الأحزاب الرّاقية في قراءة التّاريخ واستشراف المستقبل لما هو خير لمجتمعاتها. فهل ستستطيع هذه الأحزاب تحرير ملف رئاسة الجمهوريّة وقانون الإنتخاب من براثن قبليّة وتوتاليتاريّة حزب الله وسوريا وإيران، كما نجحت في تحرير الفكر في معظم القرى والمدن؟