وغابت وجوه… (من كتاب البطريرك مار نصرالله بطرس صفير)

 لم ينجُ أحد من رجالات لبنان من قلم البطريرك صفير. في وفاة كل واحد من هؤلاء كان رقيمه حاضرًا. كاهناً ومطراناً وبطريركاً لم تكن تنقصه العبارات ولا الطريقة ولا اللغة ولا الفطنة. كأنه كان يعيش الى جانب كل واحد منهم. رفيقاً وصديقاً. يدخل الى عوالمهم كأنه فرد من العائلة. كأنه يبعث فيهم شيئاً من الحياة وهم في أول لحظات الفراق في طريقهم الى حياتهم الأبدية. هكذا كان البطريرك صفير. وهكذا بقي. في آخر عظاته البطريركية كما في أول كلماته في تلك الوجوه التي غابت وما غابت.

 

 زلفا تابت شمعون

” هذا هو قضاء الرب على كل ذي جسد” ينفذ في ابنتنا السيدة الجليلة المرحومة قريبتكم، بعد ان باءت بالفشل تلك الجهود الحثيثة التي بذلها نطس الاطباء في لبنان، وانكلترا، ابقاء على حياتها الغالية عليكم. وقد كانت لكم رفيقة العمر، وشريكة الجهاد وام البنين.

وكانت رفيقة العمر، فماشتكم على دروب الحياة، طوال اربعين سنة، ساكنتكم في البيت الوضيع، وجالستكم في القصر المنيف، وكانت لكم النجم الهادث في الليالي الحالكات، فشدّدت من عزيمتكم، فما ادركها وهن، ولا فتّت في ساعدكم صعاب، فكان ما قلتموه فيها في نفر من أهل المودة يوم اشتدّت عليها وطأة الداء، ابلغ من ابلغ مرثاة: لولا زلفا لما كان كميل. وما أذلّها من الدهر ادبار، ولا زهاها اقبال، فظلت في الحالين على ما كانت عليه من رفعة نفس، وضنّ بالكرامة.

 

وكانت شريكة الجهاد، شهدت كفاحكم الطويل الذي قادكم خطوة خطوة، الى تسنّم اعلى مناصب الدولة، فكنتم اللبناني الاول وكانت الى جانبكم اللبنانية الاولى، وحملت ما حملتم من آلام وآمال، ورعت الكثير من المشاريع، وقد رسخ في يقينها ان اقرب الناس الى السيد المسيح احناهم على اخوانه من اهل العوز، فأسست مدرسة العميان والصمّ، وتعهدتها بعطف كبير دفع تلامذتها الى توجيه كتاب اليها، وهي في المستشفى ضمّنوه كلّ ما في قلوبهم من مشاعر امتنان، فقالوا فيما قالوا: “لو كنت تفدين بالارواح لفديناك”، ورئست غير مرة مؤسسة الصبيب الاحمر، لتضمد الجراح وتمسح الدموع، عملا بقول السيد المسيح: “كنت مريضا فعدتموني”، وأسست لجنة مهرجانات بعلبك وهي ذواقة فن وأدب، فاستيقظت تلك العمد الواقفة في عين الزمن على الحان كبار الموسيقيين، ونبرات أصوات المسرحيين، على اختلاف اللغات، فأقبل السياح من أطراف المعمور ليهتفوا قائلين: ما أجمل لبنان.

وكانت ام البنين، فجمعت من الام جمال الخلق والخلق، الى نبل التضحية، فصحّ فيها ما يقوله الكتاب: “الشمس تشرق على الرب وجمال المرأة الصالحة في عالم بيتها” وتعهدت ولديها وغيرهما الكثير ممن حرموا عطف الامهات، ولسان حالها يردّد مع صاحب الامثال : “لا تمنع الاحسان عن اهله اذا كان في طاقة يدك ان تصنعه. وظلت طول الحياة على ما كانت عليه من طيب منبت، وهي سليلة أسرة من أعمق الأسر جذورا في تربة لبنان، وصبرت على آلام المرض التي “محّصتها كالذهب في البودقة” وما بارحت البسمة وجهها، وطارت روحها الى الله في ذكرى انتقال امه بالنفس والجسد الى السماء آملة انها ستكون بها أكرم الشافعين.

                                                                                          بيروت 16/8/1971

 الرئيس الشيخ بشارة الخوري

 

“وأقمت لك إسمًا عظيمًا كأسماء العظماء الذين في الأرض” (الملوك الثاني 7: 9)

 

العظيم الذي فقدنا اليوم، عظيم من أية ناحية أتيناه. وآية العظمة فيه إيمانه بربه وبوطنه وبالإنسان. وهي عظمة آتاه إياها من نفخ في أنفه نسمة الحياة كداود يوم قال له: “أقمت لك إسمًا عظيمًا كأسماء العظماء الذين في الأرض”.

2-إيمانه بوطنه

وما عادل إيمانه بربه إلا إيمانه بوطنه. لقد ساد وجه الشيخ بشارة الخوري مسرح السياسة في لبنان طوال أربعين سنة أو تزيد. فكانت له عقيدة واضحة الخطوط، بيّنة المعالم، نافح دونها، وناضل عنها، ودعا الناس الى اعتناقها، فكانت مدرسة للرجولة تخرّج منها كوكبة من الأعوان الذين قالوا قوله، وشدّوا أزره، وذاقوا معه ما ذاق من نفي وتشريد في عهدي المتصرفية والانتداب. وما زال على رأسهم قابضًا على دفة الحكم، أو حاملاً لواء المعارضة، يجاهد ويبني، وعدّته حدّة في الذهن، وعزم في الإرادة، وأصالة في الرأي، ورحابة في الصدر، ورجاحة في العقل، وجرأة في الجنان، حتى كان الاستقلال والتمثيل الخارجي والميثاق الوطني، وهذا الاقتصاد الحر الذي تركّز عليه ازدهار البلاد. وأطلّ وجه لبنان على الدنيا مشرقاً، مزهوًا، وليس في أبنائه مشرّقون ومغرّبون، وقد صهرتهم وحدة وطنية شدّتهم جميعًا إليه، سيّان قرب أو شطّ المزار.

 

يا أبا الاستقلال، ويا أكرم الراحلين، وددت لو أني أوتيت بيانك لأرثيك. ولكن هذا الوجوم الذي يعصب في مأتمك جبين الجبل، لهو أبلغ مرثاة.

فارقد بسلام. ولك الجزاء، ولنا العزاء من ربك الذي أقام لك “إسمًا عظيمًا كأسماء العظماء في الأرض”.

كاتدرائية مار جرجس، بيروت 13 ـ 12 ـ 1964.

 

 

الرئيس اللواء فؤاد شهاب

في حضرة الموت تبرز الوجوه على أصالتها، وقد انعكست عليها أنوار الأبد. وأمام جلاله تمّحي النواتئ. وفي لجّته تغيب الصغائر، فلا يبقى إلا ما كتبه الجهاد في سفر الخلود.

وقد كتب الفقيد الكبير فخامة الرئيس اللواء فؤاد شهاب صفحة ستبقى في تاريخ لبنان بقاء صفحات كتبها من قبله أجداد له كبار بسطوا ظلّ حكمهم على أرض الوطن طوال قرن وثلث قرن. وكان ألمعهم وجهًا أخو جدّ أبيه الأمير بشير الكبير. وقد أخذ الفقيد عنهم الكثير من الصفات وتميّز عنهم بالكثير سواها، ولعلّ أبرز صفاته: طيبة وزهد وصمت.

صمت

وأما الصمت فقد تعوّده، يوم انتظم في سلك الجيش، الصامت الأكبر. اختصم الناس فيه: أطرى المؤيدون نهجه عاطر الإطراء وأحبه من أحبه حتى العبادة، وهاجمه المنتقدون أعنف هجوم وأبغضه من أبغضه حتى الموت. وفي كلتا الحالتين صمت، فما استخفه حب إطراء ولا أخرجه عن وقاره بغض وانتقاد وما فقد يومًا حقه في الاحترام. مرّت به أحداث تألم لها واعتصم بالصبر ولاذ بحمى الله والعذراء سيدة لبنان. وكان من أشد الناس تمسكاً بأهداب الدين. وفي مثل الأمس من الأسبوع الفائت كان يطوف مع قرينته الفاضلة على بعض الكنائس في قرى كسروان تعبّدًا وتبرّكاً. وما درى أنه سيرقد في ذكرى الصلب والموت والقيامة، عربوناً لقيامة مجيدة على مثال السيد المسيح. وسقط سقوط السنديانة العتيقة تأصّلت جذورها في تربة الجبل ونشرت أغصانها الفرعاء فاستظلها المستظلّون وغابت فتركت وراءها الفراغ الكبير وبعضًا من حرّ الهجير.

ففي ذمة الله، أيها الأمير النبيل، والرئيس الكبير، وللبنان بعدك العزاء، ولك الراحة الكبرى في دار الخلود.

كاتدرائية مار جرجس، بيروت 27 ـ 4 ـ 1973.

 

 

الكاردينال البطريرك بولس بطرس المعوشي

 

“وأما الآن، فإني ماضٍ الى الذي أرسلني” (يو 16: 5).

 

أرسله الله رائدًا وقائدًا وراعيًا، فأعطاه نباهة الروّاد وشجاعة القوّاد وحكمة الرعاة. ثم دعاه إليه بعد جهاد دام إحدى وثمانين سنة تقسّمت الى أربعة أرباع. على الدراسة والكهنوت والأسقفية والبطريركية. وهوذا يمضي الى ربه ليلتحق بأسلافه العظام فيرتاح في جوارهم راحته الكبرى ولسان حاله يقول مع السيد المسيح، قبيل عودة الى أبيه السماوي: “وأما الآن فإني ماضٍ الى الذي أرسلني”.

كان رائدًا في ما اتخذ من مبادرات، وقد تنسّم ريح المسكونية قبل أن تهبّ على العالم من نوافذ المجمع الفاتيكاني الثاني، ففسح في صدر داره للمشايخ المسلمين فأدّوا فيها الصلاة، وكان من بينهم يومذاك صاحب السماحة الشيخ حسن خالد مفتي الجمهورية اللبنانية اليوم، واحتفى برئيس أساقفة كنتربري يوم زار بكركي. ووثّق علاقات المودّة بينه وبين رؤساء الطوائف وأبنائها على اختلافهم، وكان أول بطريرك ماروني يزور الولايات المتحدة، فتقام له المهرجانات الحاشدة ويستقبل لدى عودته الى لبنان استقبال الفاتحين.

2-… وقائدًا

حمل في عروقه دم القوّاد من مقدّمي العاقورة أجداده الذين اشتروا مجدل المعوش من الأمير علي بن فخر الدين الكبير، فخلعت عليهم إسم المعوشي، قبل أن يتوطّنوا جزين مسقط رأسه، وقد ورث عنهم ما تميّز به من إشراق طلعة وطول قامة وقوة شكيمة وصلابة عود، وهي صلابة ما كانت لتكسبه الكثير من الأصدقاء. ولكنه كان إذا اخشوشن، يعرف كيف يلين، فإذا في نظراته ساعة الغضب، قسوة الفولاذ، وساعة الرضى، رقّة النسيم، حتى لكأنه شلال جزين هدّارًا في الشتاء، رقراقاً في الصيف.

وهذه خطبه وتصريحاته لا تزال أصداؤها تتردد في الآذان والأذهان، وقد جاءت صورة حيّة عن نفسه الغنية بالفضائل والأحاسيس. وهذه لقاءاته مع كبار زمانه تدل على أنه كتب في تاريخ لبنان، مثل أسلافه، صفحات خالدة سيذكرها التاريخ بمداد الفخر والاعتزاز. وقد كان على اتصال وثيق بثلاثة من الأحبار الأعظمين هم: بيوس الثاني عشر الذي عيّنه بطريركاً، ويوحنا الثالث والعشرون الذي قلّده درع التثبيت، وبولس السادس المالك سعيدًا الذي وشّحه بأرجوان الكردينالية. وجالس كينيدي في البيت الأبيض، ونزل ضيفاً على جونسن في مزرعته، وجلس غير مرة الى مائدة ديغول عندما كان يأدب على شرفه، وزار فرنكو في قصره، فما كان دون أي منهم رفعة مستوى ولا بعد نظر ولا سعة اطلاع ولا ضنا بالكرامة، وقد نال منهم الأوسمة الرفيعة ومن جامعاتهم شهادات الملفنة الفخرية. وبادل الرأي ملوك العرب ورؤساءهم، ولا سيما صاحبي الجلالة فيصل والحسين وصاحبي السيادة السادات والأسد، في قضايا الساعة، عبر الرسل والرسائل، في منأى عن الدعايات الرخيصة، فمحضوه الثقة وخصّوه بلقب بطريرك العرب.

وعزاؤنا أن من أرسلك إلينا رائدًا وقائدًا وراعيًا في دنيا الشقاء سيجعل منك لنا أبًا وشفيعًا وهاديًا في دار البقاء، حيث ستلقى ثواب أسلافك المجاهدين لدى راعي الرعاة السيد المسيح، الذي باستطاعتك أن تردد معه قوله “وأما الآن فإني ماضٍ الى الذي أرسلني”.

معبد الكرسي البطريركي، بكركي 14 ـ 1 ـ 1975.

 

الرئيس الشيخ بشير الجميل (1)

 

“وهوت من السماء نجمة كبيرة” (رؤيا 8: 10).

 

الأحزان في حجم الآمال، والاستنكار في مستوى بشاعة الجريمة.

وما كان أكبر الآمال المعلّقة على فخامة الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميل، عندما سطع نجمًا كبيرًا في سماء لبنان، وهي آمال زاهية مجنّحة كانت تملأ العيون التي تترقّب إطلالته والقلوب التي تشتاق رؤيته، ومن لم يرَ كيف كانت الأعناق تشرئب إليه والأيدي تمتد لمصافحته، والهتافات تنطلق من الأفواه لتعرب عن الأماني التي كانت تواكبه؟

وما أشدّ الأحزان على غيابه بعد أن هوى من عليائه شهيد طموحاته الكبيرة الى بناء وطن منيع الجانب، خفّاق الراية بين الرايات في سماء السيادة والكرامة والاستقلال.

وما أبشع الجريمة التي أودت بحياته وحياة رفاقه، وهو في مطلع العقد الرابع من عمره، فأودت بآمال شعب عملت يد التفرقة في صفوف أبنائه، فراح الشيخ بشير يعمل هو ومن معه ويناضل ويكافح طوال سنوات المحنة الثماني ليعيد الى الأرض وحدتها والى الوطن سيادته والى الشعب حريته وكرامته والى الدولة هيبتها والى المؤسسات ما يجب أن يكون لها من فاعلية.

كان صاحب أحلام، على ما قال هو عن نفسه، وصاحب أحلام كبيرة ببناء وطن يملك حق تقرير المصير باشتراك جميع أبنائه ويسمع صوته عاليًا في المحافل الدولية وينشر على الدنيا ما تراكم على أرضه من غنى حضارة عمرها ستة آلاف سنة. فانفتح على الناس أقربين وأبعدين في الوطن وخارجه، فئات وأحزابًا ودولاً، ولقي لديهم ما نشده من دعم وتقدير.

كان صاحب أحلام فلقي ما يلقاه، في كل زمان ومكان، أصحاب الأحلام أمثاله الذين يستثيرون الحسد والحفائظ. سقط في ذكرى ارتفاع الصليب المقدس، وكان شديد الإيمان بمن علّق عليه ليفتدي جميع الناس. سقط فدى لبنان، لكن أحلامه الجميلة باقية ولن تتبخر لأنها أحلام شعب يريد الحياة الكريمة، وينشد الوحدة والسيادة والسلام، وسيقيّض الله لأحلامه من يجسّدها وقائع ملموسة وحقائق راهنة تبقى على الدهر، ولن تقوى يد الإجرام مهما اشتدت قبضتها على تحطيمها وإبادتها.

وإنّا نتقدم باسم صاحب الغبطة مار أنطونيوس بطرس خريش الكلي الطوبى الذي شرّفنا بتكليفه إيانا إلقاء هذه الكلمة باسمه والذي يبكي الفقيد الكبير ويبكي معه مصير لبنان إن لم يقتنع جميع أبنائه برغم ما أصابهم من ويلات بأن العنف لن يحلّ أية مشكلة فيه، لا بل ما كان إلا ليزيد المشاكل تعقيدًا. ونتقدم باسم أصحاب الغبطة والسيادة والآباء الأجلاء وهذه الحشود الكريمة من فخامة رئيس الجمهورية الأستاذ الياس سركيس وأركان الدولة وقرينة الفقيد الكبير وطفليه ووالده معالي الشيخ بيار الجميل وقرينته وابنه الشيخ أمين وبناته وآل الجميل الكرام وحزب الكتائب اللبنانية، وجميع اللبنانيين بالتعزية الخالصة سائلين الله أن يسكن الفقيد في جوار الخالدين من الشهداء الذين يرقدون في تربة لبنان، وأن يتولى هذا الوطن والمسؤولين عن مقدّراته وجميع أبنائه بحفظه وبركاته.

بكفيا، في 15 ـ 9 ـ 1982

 

 

الرئيس الشيخ بشير الجميل (2)

 

“كان سراجًا منيرًا، وأنتم أردتم أن تفتخروا بنوره ساعة” (يو 5: 35).

 

في ذكرى ارتفاع الصليب المقدس، وفي الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد المرحوم الرئيس الشيخ بشير الجميل، وفي هذه الكنيسة الجديدة المشيّدة على اسم سيدة لبنان والتي تقام بها أولى الاحتفالات الدينية، وفي حضرة صاحب النيافة والغبطة أبينا السيد البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش الكلي الطوبى وسيادة ممثل قداسة الحبر الأعظم، وأصحاب السيادة السامي احترامهم والآباء المحترمين وأصحاب المعالي والسعادة وهذه الحشود من المؤمنين، يجدر بنا أن نقف وقفة الإيمان والتأمل والصلاة لنسأل الله، بشفاعة أمه البتول، أن يضع حدًا لجلجلة لبنان وأن ينزله عن صليب الآلام المعلّق عليه منذ تسع سنوات، وأن يمطر غيث الرحمة روح رئيس له شهيد شاب نجتمع اليوم على ذكراه. وقد كان من كانه يوحنا المعمدان الذي قال فيه السيد المسيح: “كان ذاك سراجًا منيرًا، وأنتم أردتم أن تفتخروا بنوره ساعة”.

أجل كان المرحوم الرئيس الشيخ بشير الجميل سراجًا منيرًا بإيمانه بوطنه ودفاعه عنه واستشهاده في سبيله. وأراد لبنان أن يفتخر بنوره واحدًا وعشرين يومًا، وما لبث أن انطفأ وبقيت الذكرى مشتعلة في الخواطر والضمائر وفي جوانب التاريخ.

13-واستشهد في سبيله

قيل، والقول يبدو صحيحًا: “إن كلاً منا يحمل في جسده نوع ميتته”. وكان المرحوم الرئيس الشيخ بشير الجميل يحمل في جسده نوع ميتته. فكّر وخطّط، ناضل وكافح، خطب وحاضر، ناقش وحاور، وكان للكلمة على لسانه سحرها ولها في نبرة صوته عصف الريح. واتخاذ مواقف أملاها عليه حلمه الكبير بإنشاء وطن مثالي بين الأوطان. أما أعلن في خطابه ـ الوصية: “إنه مطلوب من كل لبناني أن يقاوم كل أجنبي وكل محتل وكل معتد لأن لبنان الذي نريد هو وطن الحرية والحضارة؟”. أما قال أيضًا في المناسبة عينها: “لا نريد أن نعيش في رعاية أحد. لقد دافع عنا شهداؤنا وعن حريتنا وعن وجودنا في هذا الشرق؟”. أما انتقد انتقادًا لاذعًا من “بنوا مزرعة، منذ أربعين سنة، على حد قوله، ولم يبنوا لنا وطناً؟”. وجلد فساد الإدارة وجزم بتطبيق قاعدة العقاب والثواب وحلم ببناء جيش يضاهي جيش فخر الدين يقتحم دونما استئذان ويُرهب ولا يَرهب. وأعلن عن نهجه في الحكم ونهجه: “أن يبحث الآخرون عما نريد لا أن نظلّ نبحث نحن عما يريده الآخرون… وأن نقول الحقيقة لأي كان، لأن الحقيقة وحدها تتيح لنا أن نتابع المسيرة ونعيش مرفوعي الرأس”. ومن لا يرى في هذا القول صدى إنجيليًا لما قال السيد المسيح: “تعرفون الحق والحق يحرّركم؟”.

وقال الحقيقة لنفسه قبل أن يقولها للناس، واعترف بما كان في أثناء المسيرة من أخطاء رجع عنها ـ والرجوع عن الخطأ فضيلة ـ وأسف لها شديد الأسف وحاول إصلاحها والتكفير عنها بمدّه يده الى الجميع دونما استثناء يقيناً منه أن لبنان لن يقوم ويبقى إلا بتعاون جميع فئاته تعاوناً مخلصًا بروح من الاحترام والمحبة المتبادلة. وهذه الصراحة المقرونة بالعفوية وبما يميّز الرجال الرجال من مزايا وصفات هي ما أكسبه هذه الهالة من الإعجاب والإكبار ولكنها هي، في الوقت عينه، ما أثار عليه حفائظ الأشرار وما نكب البلاد برئيسها الشاب، ذي الأربع والثلاثين من السنين. وانطفأ السراج المنير الذي افتخرت بنوره مدى واحد وعشرين يومًا…

وإنّا، إذ نتقدم باسم صاحب النيافة والغبطة وأصحاب السيادة وهذه الحشود الكريمة، مجددًا بالتعازي القلبية من شقيق الراحل الكبير، فخامة الرئيس الشيخ أمين الجميل وأرملته وطفليه ووالده معالي الشيخ بيار ووالدته الفاضلة وشقيقاته ومشايخ آل الجميل الكرام والشعب اللبناني بأسره، نسأل الله، بشفاعة أمه البتول، أن يطيّب ثرى الرئيس القائد الشيخ بشير بندى الرحمة ويزيل الغمة عن صدر لبنان ويعيد إليه المحبة والأمان والسلام.

كنيسة سيدة لبنان، حريصا 14 ـ 9 ـ 1983)

(أرجئ الاحتفال فلم تلقَ)

 

 

شهداء الشوف وعاليه

 

“إنّا نحمل في أجسادنا كل حين آلام موت يسوع لتظهر حياته أيضًا في أجسادنا”. (2 كور 4:1).

 

في هذه الأيام التاريخية المصيرية، العصيبة،

وفي أعقاب المجازر الرهيبة التي وقعت في منطقتي الشوف وعاليه وذهب ضحيتها مئات الأبرياء من شيوخ ونساء وأطفال،

وبعد أن نهب ما نهب وأحرق ما أحرق وهدّم ما هدّم من كنائس وأديار ومنازل،

وإثر تهجير عشرات الآلاف من المواطنين الآمنين الذين أضحوا بين ليلة وضحاها مشرّدين على الطرقات من دون مأوى يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، وفي القلوب منهم غصّة خانقة، وفي العيون دمعة كاوية.

وفي هذا اليوم الذي لا يزال الحصار فيه مضروبًا على دير القمر، وفيها ما فوق الخمسة والثلاثين ألف لبناني مسيحي يتضوّرون جوعًا ويموتون عطشًا، وليس من مجير،

وفي هذا اليوم الذي شئتموه يوم الجبل، هذا الجبل الذي كان وسيبقى منبت الرجال ومعقل الوطنية ومختزن التقاليد اللبنانية الأصيلة من شهامة وشعور بالكرامة ورعاية ذمة وإكرام ضيف،

نجتمع في هذه الكنيسة، لا إعرابًا عن غضبة، والغضبة مقدسة في مثل هذه الحالة، لكن لها مكانها وزمانها، ولا إعلاناً لثورة، وللثورة مبرّراتها بعد هذه الفواجع والمآسي، ولا طلبًا لثأر، وما حيلتنا إذا كان كتابنا يقول: “لا تنتقموا لأنفسكم، أيها الأحباء، بل دعوا ذلك لغضب الله”.

ونجتمع لا لبكاء وعويل ونواح، والبكاء لا يجدي والحزن يؤذي صاحبه “ويجلب الموت”.

ولكننا نجتمع لصلاة وفحص ضمير ومحاسبة ذات ذاكرين “إنا نحمل في أجسادنا آلام موت يسوع لتظهر حياته أيضًا في أجسادنا”.

1-نجتمع لرفع صلاة

نجتمع لرفع صلاة نفوس موتانا، ومن بينهم من لا تزال جثثهم أشلاء مبعثرة في العراء. لكننا نعرف أنهم شهداء أصبحوا لدى الله شفعاء بنا تستصرخه دماؤهم الذكية التي روت أرض الوطن طالبة منه العون لنا للتغلّب على المحنة ـ الكارثة، وهم الذين، بعد أن تحوّلت أجسادهم الى تربة هذا الجبل، يصح فيهم وفيه ما قاله يومًا شاعرنا:

إخلع نعالك قبل دوس ترابه

فتراب لبنان رفات رجاله

ونرفع الصلاة من أجل الأحياء، من أجلنا جميعًا ليهدينا الله سواء السبيل للخروج من هذه المحنة التي طالت وطالت جدًا. والصلاة بيد المؤمن أمضى سلاح. وما قال عبثاً السيد المسيح “أطلبوا تجدوا إقرعوا يفتح لكم… حتى الآن لم تطلبوا باسمي شيئاً”. وهو يستجيب لنداء المظلومين على ما ورد في مثل القاضي الظالم.

ولمحاسبة ذات

قيل، والقول حق، المادة مبدأ التقسيم. فهي التي تقسّم الناس دولاً وأممًا وشعوبًا. ولماذا لا نقولها من دون أن ندفن الرؤوس في الرمال؟ لماذا لا نقول إن المادة هي التي قسّمتنا في هذه البلاد؟ وإذا بنا فئات تتصارع وتتناحر وتتفانى. لقد آن لنا أن نعرف أن خلاصنا جميعًا باتحادنا والتفافنا حول مقدساتنا وشعاراتنا ومبادئنا ورموزنا، وحول قادتنا الذين، إذا شككنا فيهم، كنا من المقسّمين. ولا أعتقد أن بيننا من تبلغ به الجسارة حدّ القول إنه كاثوليكي أكثر من بابا روما، وماروني أكثر من بطريرك الموارنة. وقد كان وسيبقى فخرنا في هذا الشرق نحن معشر الكاثوليك، والموارنة بوجه خاص، تعلّقنا بالكرسي الرسولي الذي كان دائمًا يمدّ لنا يد المساعدة والنجدة. وقد فعل وما يزال يفعل. وكان البطريرك، أيًا كان إسمه، وسيبقى بحمد الله، عنواناً يجمع الموارنة الذين عندما يلتفون حوله يعرفون أنهم أصبحوا في منعة من أمرهم وأنهم سائرون في الطريق الذي يوصلهم الى غاياتهم.

وبات علينا أن نعرف أن اتحادنا في هذه البلاد، مسيحيين وغير مسيحيين، هو ما ينقذنا من ورطتنا، وأن خشبة الخلاص عندنا هي هذه الشرعية التي يجب أن ندعمها ونساندها لتبقى رمزنا وهادينا الى بسط السيادة وإعادة الأمن والاستقرار والسلام الى بلادنا.

أجل نجتمع اليوم لنصلّي ونفحص الضمير ونحاسب الذات. وعندما نسدّد المسيرة، يعود الجبل الى إبائه وعنفوانه، ويبنى البيت ويشيّد الدير والكنيسة وتخضوضر الربوع ويأنس الناس ويعيشون على اختلاف المذاهب تظلّلهم راية واحدة هي راية المحبة التي بدونها لا تقوم أوطان ولا يكون هناك لبنان.

أجل. إنّا نحمل في أجسادنا، كل حين، موت يسوع لتظهر حياته أيضًا في أجسادنا.

كنيسة الحكمة، بيروت 13 ـ 10 ـ 1983

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل