
انطلاقاً من مجمل التحاليل والدراسات والمواقف السياسية والاقتصادية الداخلية والاخرى الجيوستراتيجية التي تتجاوز الحدود اللبنانية الى الاقليم الارحب، فان وضع لبنان بعد انجاز الانتخابات البلدية والاختيارية لم يعد كما قبله لا بل لقد انفتحت افاق جديدة في الملف الداخلي المعقد والمتشعب – تنذر بانتقال البلد الى مرحلة جديدة مع انعكاساتها وتقلباتها وايضاً انحرافاتها ومواكبتها للتحولات – الاقليمية الدراماتيكية المتسارعة على مختلف الصعد:
اولاً: يجب ان نتفق جميعاً بداية على اعتبار انه وان كانت الانتخابات البلدية والاختيارية انمائية وتنموية بالدرجة الاولى تسود فيها الحسابات العائلية والمناطقية والمصلحية الضيقة والمباشرة ذات الصلة بالواقع المعيشي والانمائي للمدن والقرى والبلدات والمدن، الا انها اعطت هذه المرة مؤشرات سياسية قوية ترجمت مزاجاً شعبياً ضاقت به الافاق وانحصرت امامه الخيارات الوطنية بفعل سلسلة من مظاهر تجويف الدولة وافراغ مؤسساتها وضرب دستورها وانتظامها العام واهمالها شؤون المواطن ومصيره وانحراف مسارات سياسية مبدئية عن نهجها وخطها، فكانت الانتخابات البلدية والاختيارية المتنفس الوحيد الذي سمح “للنقمات الشعبية” على انواعها من التجلي بصورة خلقت بلبلة وتشابكات لم يسلم منها لا الاطراف السياسية الحليفة والمتحالفة بالمعنى العريض للكلمة ولا الفرقاء منفردين كل ضمن مطبخه الداخلي… وقد انتجت تلك المفاجات الانتخابية واقعا جديدا ليس اقله: اعادة كل حزب وفريق سياسي لحساباته التنظيمية والسياسية واولوياته وترتيب بيته الداخلي وتحالفاته القديمة الجديدة او الجديدة المستجدة.
ونحن الآن في صلب تلك المرحلة من نتائج البلبلة التي قد تتعدى اثارها لدى بعض الاحزاب والتيارات مفعول “تسونامي” داخلي لديها.
ثانياً: البلبلة الاقليمية في ظل تشابك المصالح الدولية والاقليمية، فمن جهة هناك الخلاف الاميركي – التركي المستحكم على خلفية ما يستظهر يوماً بعد يوم في شمال سوريا من مشهدية حلف اميركي – كردي بدأ برفض واشنطن الطلب التركي بانشاء المنطقة الامنة واستمر مع تورط واشنطن ميدانيا ولوجستيا وعسكريا في رسم حدود كيان كردي بدءاً من الرقة وصولاً الى السيطرة الكردية على المنطقة الممتدة بين نهر الفرات غرباً الى منبج للوصول الى خلق كانتون كردي بدعم اميركي فعلي بين عفرين وكوباني (عين العرب).
يضاف الى ذلك تبلبل المشهدية السورية في ظل التحالف شبه المتكامل والمستجد بين اميركا وروسيا في تنسيق المواقف. وقد اعترفت واشنطن بشرعية الدور الروسي السياسي والعسكري في سوريا ما ادى الى الاقرار بحق الفيتو الروسي في الملف السوري وانعكس ذلك مرحلياً بكسر شوكة المعارضة السورية بالزامها الجلوس على طاولة واحدة مع النظام من اجل تفرغ القوى العظمى لحربها ضد مسخ فرانكشتاين الداعشي.
وقد دلت مناشدات الوزير كيري المتكررة لنظيره الروسي لافروف للضغط على حليفهم الاسد للتقيد بالاتفاق الاخير في نفس وقت انتقاد كيري قوى المعارضة السورية على عمق التفهمات الثنائية بين الجبارين في سوريا وربما المنطقة قاطبة…
ثالثاً: يضاف الى ذلك التقاطع الحاصل بين مصالح روسيا واسرائيل – وما اللقاءات المتكرة ومنها اللقاء الاخير بين بوتين ونتنياهو الا احدى تجليات التنسيق المستمر بين الدولتين بما يخدم مصالحهما – و بما يجعل اسرائيل لاعباً اساسياً فاعلاً في تأمين الخلفية الجيو ستراتيجيا للروس في مرحلة التأهب القصوى التي تشهدها المنطقة بدءا من سوريا وفي ظل تقارير عسكرية اسرائيلية كشف النقاب عنها أخيرا بوجود تهديد داعشي – حماسي ينطلق من سيناء ويتجه عبر خليج العقبه او البحر الاحمر نحو ايلات تلك المحطة السياحية الهامة لاسرائيل عالميا لزعزعة الامن الاسرائيلي الداخلي بعمليات تفجيرية واعادتها على خط المواجهة الجماعية المتشابكة في المنطقة، وقد كانت عملية تل ابيب الفدائية منذ يومين اختبار اول يصب في هذا الاتجاه.
فالتقاطعات المصلحية المتكاملة حينا والمتعارضة حيناً آخر كما الاميركية– الروسية، الاميركية – التركية، الاميركية – الايرانية من خلال الروس، الروسي – الاسرائيلي، السعودية الخليجية – الايرانية الملتهبة وبروز “سيبة ثلاثية” في المنطقة على اطلال تدمير حلب – قوامها روسيا واسرائيل وايران لضرب الجنوح التركي – الاردوغاني الاستعلائي في ظل تراجع السياسة الاميركية اخطاراً بافول عهد اوباما لمصلحة الروس اقله من الان والى ما بعد تشرين الثاني المقبل – تزيد من بلبلة الواقع الاقليمي المأزوم فيما الملف اليمني التفاوضي بات يترنح تحت وطأة محاولة كل طرف اقليمي ( سعودي – ايراني) تحقيق المزيد من المكاسب لتحسين الوضع التفاوضي عندما يحين موعد تقاسم الغنائم في المنطقة وتبادل الاوراق والادوار – وفي ظل قرار عراقي بمواجهة الارهاب – بعد قرار انهاء وجود “داعش” في الفلوجة والانبار والتصدي لمواطن التوتر الداخلي الطائفية والمذهبية – والتي يبدو ان للبنان – “حزب الله” دور فيه – بدليل زيارة وزير الخارجية العراقية ابراهيم الجعفري منذ ايام الى لبنان للقاء قيادة الحزب في لقاءات مغلقة بعيدة عن الاضواء في ظل ما تردد ديبوماسيا عن وساطة للحزب في الوضع العراقي.
رابعاً: انطلاقا من مجمل المشهدية اعلاه وتداعياتها على الداخل اللبناني نستطيع استشراف ملامح المرحلة الداخلية اللبنانية – والتي بدات بوادر بلبلتها تبرز امتدادا من نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية والتغيير في العديد من حسابات الاطراف السياسية والاستعداد لخروج البعض عن صمته في مواجهة ترنح معادلاته السياسية الداخلية والتحالفية كمؤشر مواقف الوزير المشنوق الاخيرة ومواقف الوزير اشرف ريفي غداة انتصار لائحته البلدية في طرابلس وصولاً الى مفاعيل الحصار المالي المصرفي الاميركي على “حزب الله” من خلال مواقف حاكم مصرف لبنان الاخيرة التي يرفضها “حزب الله” مرورا بالتشابكات الحكومية وملفات الفضائح والفساد وليس انتهاء باستمرار الفراغ الدستوري والنقاشات العقيمة حول قانون انتخاب جديد – ما ينذر بتدني المعادلات والتوازنات الداخلية الى ادنى درجات الانسجام والاستمرارية على ما هي عليه وما يعزز المخاوف من عودة ظاهرة تقوقع كل فريق على نفسه لاعادة ترتيب اوراقه – ونسج تحالفات جديدة على اسس ابعد ما تكون عن تلك التي تحكمت بالمرحلة السابقة في ضوء توازنات ازمة المنطقة.