كل عام وأنت بخيريا بطريرك الاستقلال الكلام عن رجل جليل وعن قامة وطنية وانسانية، عن الكاردينال مارنصرالله بطرس صفير الذي تصادف الذكرى السادسة والتسعون لميلاده أطال الله بعمره، يطول، ولا ينتهي.
لقد كان البطريرك صفير وما زال احد دعائم هذا الوطن، واحد بناة الاستقلال الثاني، الذين سيذكرهم التاريخ بأحرف الحقيقة.
لقد عرفت الكاردينال صفير عن قرب، في مرحلة هي الاصعب والادق بتاريخ لبنان. كنت قد تسلمت مسؤولية قيادة قوى الأمن الداخلي في العام 2005 إثر اغتيال شهيد لبنان الرئيس رفيق الحريري، وكانت المسؤولية صعبة، تسير في حقل الغام مليء بالعنف والإجرام والاغتيالات، وكنت كلما سنحت الفرصة أحرص على زيارة غبطته في الصرح البطريركي في بكركي، فأجد فيه المثال في الحكمة والوطنية والتسامح، كما أجد فيه المثال في الصلابة والتواضع وبعد الرؤية، والالتزام العميق بالعيش المشترك الاسلامي المسيحي، وبكل القيم التي بنيت عليها وحدة اللبنانيين.
في كل زيارة لبكركي كنت اطلع البطريرك صفير على الأوضاع في البلاد وعلى مسيرتنا في قوى الأمن الداخلي، في مواجهة آلة التخريب والاغتيال. كما كنت أطلعه أولاً بأول على الجهد الذي كنا نبذله لاستعادة التوازن في مؤسسة قوى الأمن. كانت المشاركة المسيحية في التطوع بقوى الأمن في زمن الوصاية السورية شبه معدومة، وفوجئنا بعد العام 2005 ان الآلاف من الشباب المسيحي تقدم للتطوع.
وضعت البطريرك في هذا المناخ الجديد، فكان أن تساءل عن السبب، هل هو الوضع الاقتصادي؟ قلت له لا يا صاحب الغبطة انه شعور المسيحيين كما المسلمين بأن هذه المؤسسة باتت تشكل بالنسبة إليهم، عنواناً للأمن الوطني اللبناني، فوافق على هذا التشخيص.
لم أخفِ يوماً نظرتي الى الكاردينال صفير التي تنم عن تقدير كبير للأدوار التي قام بها، في مراحل تاريخية دقيقة ومفصلية. هذا الرجل كان وما زال أحد أعمدة الاستقلال والوحدة الوطنية. يوم اغتيل المفتي الشهيد حسن خالد، فتح أبواب بكركي وتقبل العزاء بالمفتي الشهيد، غير معترف بشرقية أو غربية. إنه رجل كسر كل الحواجز المصطنعة، فكان رمزاً لصورة لبنان الجميلة، وكان ويبقى عنواناً للبنان الرسالة، والعيش المشترك.
قبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري، كانت له معه خطوط تواصل مهدت لخروج جيش النظام السوري من لبنان، وبعد استشهاده، كان حاضراً في منزل رفيق الحريري، لتقديم العزاء، لكن حضوره الأكبر كان عبر مشاركته، في إطلاق ثورة الاستقلال الثاني، فكان احد آبائها العظام.
عاش البطريرك صفير معنى لبنان العيش المشترك، وكرس هذا المعنى نهجاً دأب عليه طيلة توليه سدة البطريركية المارونية، ولعل التكريم الذي يستحقه، يكمن بالوفاء لهذه المبادئ والالتزام بها. في عيدك يا صاحب الغبطة نسأل الله أن يمدك بالعمر المديد، دمت لهذا الوطن رمزاً كبيراً يا بطريرك الاستقلال.