#adsense

صوت صارخ في البرية كلنا رعيتك

حجم الخط

“أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت   وإذا نطقت فإنني الجوزاء

وإذا خفيت عن الغبي فعاذر   أن لا تراني مقلة عمياء”

(المتنبي)

 كانها أثقال خمسة عشر قرناً ونيف من عمر الموارنة أرخت أحمالها على ذاك الجسم الضئيل وتلك الهمّة الأسطورية، رغم تواضعه المطابق لمسيرة القديسين، ورغم انحناءة بعض من أعلى ظهره، ولكن ليس تحت وطأة الأحمال، ولكن ليتسع كتفاه للمزيد من المشاركة مع آلام الناس المتعبين والحائرين.

عمره بالفعل هو عمر لبنان، ففي السنة التي بدأت ثمار نضال عقود  مؤسس لبنان الأول وراسم حدوده البطريرك الياس الحويك بالظهور، وهو الحالم بتجربة إنسانية فريدة تجمع طوائف كانت كل واحدة منها تحسب نفسها أمة مستقلة، تحمل وحدها سر الكأس المقدسة، وتظن كل واحدة منها أنها الطائفة الوحيدة الناجية دون الآخرين، وتتصور كل منها أنها حاملة أثقال التاريخ وهموم الحاضر ورؤيا المستقبل من دون مشاركة الآخرين.

دخل مار نصر الله بطرس صفير في تجربة الحياة بالتزامن مع مغامرة لبنان الوطن، وهي لا تزال، وحتى اليوم مستحيلة التحقيق. فحلم البطريرك الحويك المؤسس بدولة تجمعها الوطنية بدل القبلية الطائفية ما زال حلماً حياً في وجدان الكثيرين من اللبنانيين مدفوعين ببعض الإشراقات القصيرة الأمد التي ولدت آمالاً واسعة، فلم تلبث أن يحبطها تكرار هواجس الإضطهاد وشهوات الغلبة والإنتصار، وأوهام الآخر المختلف والمعادي.

بعد نضال طويل في درب النسك والمعرفة والتأمل والعمل الرعوي والإنساني، تلقف مار نصر الله بطرس صفير كرة نار البطريركية المارونية ولبنان مازال يشهد أفظع فصول جنون حربه الظالمة والمدمرة، فاحتلال إسرائيلي جنوباً، ووصاية النظام السوري، وهي أشبه بالإغتصاب المستمر في جزءٍ آخر، وفصائل طائفية تتقاتل على انتزاع زعامة طوائفها في حروب سكر فيها المحاربون من طعم دماء إخوةٍ لهم.

فبعد حروب حصار المخيمات الفلسطينية ومآسيها، وحرب الإلغاء الشيعية بين أمل وحزب الله، واستمرار جنون القصف العشوائي بين البيروتين، واستمرار نزيف جرح الجبل بالحرب والمجازر والتهجير منذ الإجتياح الإسرائيلي، تلقف البطريرك بارقة أمل كأنها حبة الحنطة التي قد تنبت سنابلاً في حقول جرداء، كأنها النور الذي ظهر على بولس الرسول فأخرجه من عمى الحقد والموت.

أنا لست متأكداً إن البطريرك كان مقتنعاً ببنود اتفاق الطائف، وهو يعلم مسبقاً بأنه سيسير على درب جلجلة أمرّ ما فيها أن الفريسين والجلادين هم من يظنون أنهم أكثر حرصاً على المسيحية منه. لكنه في الوقت ذاته أدرك عبثية طحن آلاف الأرواح من أجل أمل لم يعد يمكن تحقيقه، في ظل قراءة موضوعية للمتغيرات الكبرى في لبنان ومحيطه وفي العالم. قبل بالمشاركة باتفاق الطائف بعد أن شاهد أبناء رعيته يتقاتلون في حرب الإلغاء متجاهلين كل القواعد الأخلاقية والتعاليم المسيحية البديهية، والجميع إما يحملون الصليب موشوما على الكتف، أو خشبيا محمولا على الصدور ، وصورة العذراء ملصقةً على أعقاب بنادق الطرفين.

في ظل حفلة الجنون تلك لم يترك الصرح البطريركي رغم معرفته بخطورة الوضع، ولم يقبل بلثم غير الصليب، فهو “بطرس” في وقت الشدائد، صخرة في وادي قنوبين، أرزة ضربت جذورها في عمق الجبال التي حمت حرية أسلافه من الإضطهاد.

بعد اتفاق الطائف لم يترك البطريرك فرصة للتلاقي مع الآخرين لصيانة الكيان والحفاظ عليه حيَّا أملا بتطبيق اتفاق الطائف بما يخص بنود الإنسحاب السوري. لم يتوقف عن المطالبة متجاوزا محاولات الترهيب المستمرة مباشرة أو مداورة، ومتعاليا عن مؤامرات الترغيب عندما أتى من يغريه بالمجد الآتي عبر بوابة دمشق، مفضلا الصبر على الألم ليحفظ الأمل من خلال إبقاء رمزية شعلة المقاومة مشتعلة، وإن كان كبصيص نور في عمق النفق المظلم. فكان نداء المطارنة وكانت مصالحة الجبل وكانت قرنة شهوان أفعال مقاومة أوصلت إلى مد اليد إلى الشريك، فكان اغتيال الشريك لاغتيال المقاومة، فلم تمت وخرج المحتل، وبقي البطريرك ليحمل الشعلة أملا بالإستقلال الكامل .

مار نصرالله بطرس صفير أطال الله بعمرك لتشهد سنابل حبة الحنطة تثمر لبنان الذي حلمنا به، كرم الله وجهك الذي لم تغرِه دعوات عبادة الأوثان، نحن كلنا رعيتك لأننا لبنانيون مؤمنون بوطننا نسعى إلى طرد التجار واللصوص من الهيكل وإلى تكسير تماثيل آلهة الباطل.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل