#adsense

البطريرك صفير.. الضيف المميّز في البيت الأبيض لخمس مرات

حجم الخط

بين الكنيسة المارونية والولايات المتحدة الأميركية بشكل عام والإدارات الأميركية المتعاقبة على وجه الخصوص تاريخ طويل من العلاقات، ولعلّ الدور السياسي المرتكز على قواعد المواطنة ومتابعة الشأن العام الذي قام به كرسي بكركي منذ ما قبل الاستقلال وحتى يومنا هذا، هو الذي دفع بالبطريركية المارونية إلى نقل قضية لبنان الوطنية إلى المحافل الدولية.

فمنذ مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 وولادة لبنان الكبير بفضل جهود البطريرك الياس الحويك للتخلص من حكم العثمانيين وتأكيد استقلال لبنان بحدوده التاريخية، دأب البطاركة الموارنة على الاجتماع مع قادة ومسؤولين دوليين في مختلف دول العالم ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، على الرغم من الطابع التحفظي الذي تتبعه الإدارات الأميركية في عدم الخوض بأي اجتماعات مع زعماء دينيين، وليس دفاعاً عن المنطق الأميركي في هذا التبرير، أو تقليلاً من دور بكركي التاريخي، وعلى عكس بعض المعلومات المغلوطة التي حاول البعض تسويقها حول كيفية ربط روزنامة ومواعيد اللقاءات في البيت الأبيض تبعاً لمصالح واشنطن الذاتية قبل أي مصلحة أخرى، يتبين أن الإدارة الأميركية حرصت على اللقاء مع البطاركة الموارنة منذ أيام البطريرك بولس المعوشي، وحتى يومنا هذا.

وتستعرض “المسيرة” في عددها الخاص أبرز محطات ومحاضر الاجتماعات السياسية الرسمية التي عقدها البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير مع المسؤولين في واشنطن، خلال زياراته العديدة التي قام بها إلى الولايات المتحدة الأميركية.

أول لقاء مع ريغان – 24 حزيران 1988

ما أشبه اليوم بالأمس، هذا يصح على الأوضاع التي يشهدها لبنان منذ ما قبل إستقلاله وحتى يومنا هذا، كل الملفات التي تثقل الكيان اللبناني حملها معه البطريرك صفير في العام 1988 إلى البيت الأبيض حيث عقد سلسلة اجتماعات بارزة ولا سيما مع الرئيس رونالد ريغان ونائبه جورج بوش الأب، وفي بيان رسمي صدر عن البيت الأبيض بعد اللقاء، أكد ريغان ونائبه دعم الولايات المتحدة لاستعادة لبنان وحدته وسيادته وسلامة أراضيه، وانسحاب جميع القوات الأجنبية منه. وأكد الطرفان أن معاناة الشعب اللبناني يجب أن تنتهي وأن هناك حاجة ماسة إلى عملية المصالحة الوطنية، بما في ذلك الاتفاق على الإصلاح السياسي والأمني. وشددوا على أن السلام والأمن الدائمين في لبنان يمكن أن يكونا أفضل من خلال التأكيد على التوصل إلى تسوية سلمية شاملة في الشرق الأوسط.

وبحسب البيان تعتبر الولايات المتحدة أن الانتخابات الرئاسية اللبنانية القادمة هي مهمة جدا من أجل وحدة لبنان واستقراره. وينبغي أن يجري هذا الاستحقاق دستوريا، وأن يتولى الرئيس الجديد منصبه وفق ما هو مقرر بحسب الدستور. وتوفر الانتخابات فرصة ممتازة لتحقيق المصالحة الوطنية وينبغي النظر إليها في ضوء ذلك. في هذا السياق، ردت الولايات المتحدة على طلب من القادة اللبنانيين لمساعدة اللبنانيين مسلمين ومسيحيين على الاتفاق على ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة السياسية. وقالت: “نحن مقتنعون من خلال محادثاتنا مع هؤلاء القادة بأن المسؤولين اللبنانيين يريدون إيجاد مبادئ توجيهية عادلة لعملية إقامة حكومة مركزية تمارس السلطة الكاملة على دولة موحدة وذات سيادة. في تلك الحالة، فإن على جميع اللبنانيين التمتع بفرص مماثلة لتحقيق التقدم. وتعتقد الولايات المتحدة أن اتفاقاً حول هذه المبادئ التوجيهية ممكن، ويجب أن يتحقق في أقرب وقت”.

ولفت بيان البيت الأبيض الى أن استمرار وجود الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية يحبط رغبة الأغلبية الساحقة من الشعب اللبناني في أن يسود نظام القانون وأن تبسط الدولة سلطتها.

“واشنطن بوست” في اليوم التالي للقاء

وفي الخامس والعشرين كتب الصحافي ديفيد أوتاواي مقالاً في صحفية الواشنطن بوست ركز فيه على أهمية اللقاء بين ريغان وصفير، ووضعه في إطار ما يعكس دور الولايات المتحدة، في الاجتماع مع المرشحين المحتملين للرئاسة المارونية وغيرهم من الشخصيات المهمة اللبنانية المسيحية الذين يزورون الولايات المتحدة.

وأشار إلى أن البطريرك الماروني نصرالله صفير وجه نداء عاجلا إلى إدارة ريغان “للقيام بشيء ما” للمساعدة في إنقاذ بلاده حيث استنفدت الحرب وضعه الاقتصادي لا سيما أن أزمة حادة تلوح في الأفق في شأن تأمين اجراء الانتخابات الرئاسية اللبنانية.

نشير إلى أن البطريرك صفير التقى في تلك الزيارة مع وزير الخارجية جورج شولتز، وعدد من أعضاء الكونغرس، إضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك خافيير بيريز دي كويلار.

زيارة واشنطن في آذار من العام 2001

الزيارة كان هدفها رسامة مطران ماروني جديد في الولايات المتحدة، وهو من مواليد هذه البلاد، وهذا ما كان يحصل للمرة الأولى في تاريخ الكنيسة المارونية، وهو المطران الحالي لأبرشية ما مارون في بروكلين غريغوري منصور.

في هذه الزيارة اجتمع صفير مع رئيس المجلس النيابي الأميركي وعدد من النواب الأميركيين ومنهم من أصل لبناني، حيث أوضح أنه عرض معهم القضية اللبنانية، وأعرب عن أمله في أن تتحسن الأحوال وأن يتمكن لبنان من العودة إلى وضع طبيعي.

ونفى صفير أن يكون الرئيس جورج بوش قد رفض إستقباله في تلك الفترة وقال لوسائل الإعلام في واشنطن يومها “أنه لم يطلب مقابلة أي أحد إنما الذين نظموا لنا هذه الزيارة هم الذين قاموا ببعض المساعي، وهذه المساعي على ما يظهر أنها لم تكلل بالنجاح”. وأضاف “أما نحن لسنا بمعنيين مباشرة بهذا الأمر”.

وبلهجته الحازمة الواثقة قال: “إذا صحت المقابلة نحن نقوم بها وإذا لم تصح فلن نعتبر إننا خسرنا شيئاً”.

وتطرق صفير يومها إلى مطالبته بخروج سوريا من لبنان بعد انسحاب إسرائيل في العام 2000 وقال “إن من مصلحة سوريا ومن مصلحة لبنان المشتركة أن يكون بين البلدين وهما جاران علاقات طيبة ودية، علاقات صداقة وعلاقات تنسيق، هذا ما نطالب به، وما من جار يمكنه إن يعيش في حال عداء مع جاره، ولكن لكل بلد الحق في أن يتدبر شؤونه بذاته من دون وصاية من أي أحد”.

وفي تأكيد ثوابته تجاه تدخل سوريا في شؤون لبنان، قال صفير: “نحن ما دامت إسرائيل محتلة جنوب لبنان كنا ساكتين عن أمر وجود الجيش السوري، ولكن عندما خرجت إسرائيل رأينا أنه لا داعي للسكوت عن وجود الجيش السوري بعد أن نص الطائف أنه بعد توقيع هذا الاتفاق على الجيش السوري أن يعيد تمركزه في انتظار خروجه من لبنان، لذلك نرى أن الجيش السوري في لبنان ومداخلات السوريين في الحياة اللبنانية الداخلية تعود بالضرر على لبنان باعتبار أن اللبنانيين يهاجرون بأعداد كبيرة، وقد ترك لبنان حتى اليوم ما يقارب المليون لبناني، وفي كل شهر ما يقارب العشرة آلاف أو الـ15 ألفاً من الطلاب الجامعيين وحملة الشهادات بسبب الركود الاقتصادي الذي يعود إلى الوضع السياسي، ومعلوم أنه لا اقتصاد سليمًا من دون سياسة سليمة، ولما كانت السياسة غير سليمة في لبنان أصبح الوضع الاقتصادي غير سليم، ولبنان إذا ظل في هذا الوضع فالخطر داهم عليه”.

اللقاء الأول مع بوش في 16 آذار من العام 2005: الخبر السار بإنسحاب الاحتلال السوري

جاءت هذه الزيارة بعد شهر واحد على اغتيال الرئيس رفيق الحريري وحصل اللقاء مع بوش بعد يومين فقط على انطلاق ثورة الأرز.

إستهل البطريرك صفير زيارته الثالثة إلى الولايات المتحدة الأميركية بلقاءات مع المسؤولين الأميركيين تُوّجت باجتماع مع الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن الذي تحدث بإصرار على انسحاب جميع القوات السورية من لبنان قبل حلول موعد الانتخابات النيابية العامة، معتبراً ذلك أمنية الإدارة الأميركية.

وعندما ردّ عليه سيّد بكركي بأن “لبنان لا ينعم بالسلام لوقوعه بين إسرائيل وسوريا” علّق الرئيس الأميركي على كلام البطريرك بقوله “أي بين الحجر والحديد”، مضيفاً أن الجيش السوري سينسحب من لبنان، وقد أكد على ذلك في الخلوة التي ضمّته والبطريرك صفير في البيت البيضاوي•

وقال بوش بحسب بيان البيت الأبيض “إن واشنطن تبدي رغبتها العميقة في أن يكون لبنان بلدا حرا حقا حيث يمكن للناس التعبد بالطريقة التي يختارونها وللناس التعبير عن أفكارهم الحرة حيث أن الأحزاب السياسية يمكن أن تزدهر في دولة تقوم على انتخابات حرة”.

ولفت بوش إلى أن صفير طالبه  بأن تعمل الولايات المتحدة مع الأصدقاء والحلفاء في الإصرار على أن تترك سوريا تماما لبنان وتأخذ جميع قواتها وكذلك مخابراتها منه لكي تكون العملية الانتخابية حرة ونزيهة.

وردّ صفير على كلام بوش بأن أعرب عن امتنانه العميق لاهتمامه الصادق بلبنان، وحرية شعبه، وعمله على السلام في لبنان والعالم.

وأضاف: “من المهم أن نذكر أن لبنان كان أول دولة ديمقراطية في المنطقة. ربما لم تكن ديمقراطية مثالية، ولكن ما زال للبنان الدور ونقطة انطلاق لنشر الديمقراطية في المنطقة. هذا هو السبب الذي جعل قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، يذكر أن لبنان هو المثل الأعلى للحرية والديمقراطية في الشرق والغرب. ونحن نأمل أن اللبنانيين، بدعم من أصدقائهم في جميع أنحاء العالم، سوف يكونون قادرين على بناء مستقبل أفضل في لبنان حر ومستقل، تعددي ومستقل”.

ويذكر أن البطريرك صفير تبلّغ عندما وصل إلى نيويورك ضمن الزيارة ذاتها إلى الولايات المتحدة من موفد الأمين العام للأمم المتحدة تيري رود لارسن بأن القوات السورية ستغادر لبنان قبل موعد تقديم تقريره المتعلق بتقدّم تنفيذ القرار 1559 إلى الأمين العام، مشيراً إلى أنه سيكون جاهزاً في التاسع عشر من نيسان المقبل أي قبل موعد الانتخابات النيابية•

زيارة حزيران ـ تموز 2006 وحرب لبنان!

إختتم البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير زيارته الراعوية إلى الولايات المتحدة في السادس عشر من تموز من العام 2006 حيث عرّج على العاصمة واشنطن من دون عقد اللقاء الذي كان محتملاً مع الرئيس الأميركي جورج بوش، لا سيّما وأن البطريرك أبدى رغبته بعقد مثل هذا اللقاء عندما إقترح عليه عدد من اللبنانيين في أميركا إمكانية العمل مع الإدارة الأميركية على ترتيب إجتماع خاص بينه وبين الرئيس الأميركي، وفي المعلومات المتوافرة أن عدداً من أعضاء الكونغرس من أصل لبناني ومن بينهم عضو الكونغرس راي لحود عملوا على طلب عقد اللقاء من الإدارة في البيت الأبيض.

ووفق المعلومات الرسمية فإن الرئيس الأميركي لم يمانع الاجتماع مع البطريرك، لكن المسؤولين عن المراسم في البيت الأبيض أبلغوا المعنيين بترتيب اللقاء بأن الرئيس سيكون خارج الولايات المتحدة بسبب محادثات رسمية في ألمانيا ومشاركته في أعمال قمة الدول الصناعية الثماني الكبار في سان بيترسبروغ في روسيا، ولذلك عقد اجتماعاً رسمياً مع نائب الرئيس ديك تشيني.

لقاء بارز مع كوندي رايس

وبسبب تزامن زيارته مع الحرب التي وقعت بين “حزب الله” وإسرائيل بعد عملية نفذها الحزب خارج الخط الأزرق في 12 تموز 2006 بذل البطريرك صفير في اليوم الأخير منها جهوداً مكثفة مع الإدارة الأميركية للحصول على وقف إطلاق النار حرصاً على عدم إراقة المزيد من الدماء. وكثف البطريرك صفير لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين التي توجت بعقد لقاء على مدى نصف ساعة مع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، سبقه إجتماعين غير معلنين وبقيا طي الكتمان في الخارجية الأميركية .

واللافت أن البطريرك لم يكتف بهذه الجهود على المستوى السياسي حيث طرح التطورات الأمنية والتدهور الحاصل في لبنان مع رئيس الأساقفة الكاثوليك الجديد في واشنطن المطران دونالد وورل ، وسلفه الكاردينال تيودور ماك ماريك الذي حمّل البطريرك رسالة تضامن من الكنيسة الكاثوليكية في واشنطن إلى الشعب اللبناني كله.

وهذا ما دفع بالكنيسة الكاثوليكية في واشنطن إلى إصدار نداء عاجل من أجل وقف النار، جاء فيه: “إن رئاسة لجنة السياسة الدولية لأعضاء مجلس الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة تعتبر أن أعمال العنف المتعمدة من قبل العناصر المتطرفة من حركة حماس و”حزب الله” وكذلك فإن الرد العسكري الإسرائيلي غير المتكافئ تقضي على جهود التوصل لإنشاء دولتين في النزاع العربي الإسرائيلي وكذلك تهدد بالخطر الديمقراطية الحساسة في لبنان”.

محضر الحوار مع رايس في الإجتماع المفتوح

وفي محضر الحوار الذي جرى تبادله أمام الصحافيين في الخارجية بين وزيرة الخارجية الأميركية والبطريرك الماروني قالت رايس بداية “إننا نريد لبنان حيث يتمكن فيه جميع اللبنانيين من العيش بإزدهار وسلام ونحن نعمل بكل قوة مع لبنان ليستعيد سيادته”. وأضافت: “نحن لسنا نعمل فقط من أجل لبنان بل أيضاً نصلّي من أجله.

وفي ردّ البطريرك صفير على كلام رايس أعلن “أن هناك عدداً من المصاعب ونأمل أن يطبق القرار 1559″، وأشار إلى “أن الحكومة اللبنانية ضعيفة وليس في إمكانها وحدها السعي لتطبيق هذا القرار”. وأكدّ صفير أنه “على جميع المواطنين أن يكونوا سواسية أمام القانون فلا أناس مسلحين وغيرهم لا”.

وعلقت رايس في هذا الإطار على دعوة صفير لتنفيذ القرار 1559 مؤكدة أنه يتوجب على المجتمع الدولي مساعدة لبنان في تطبيق هذا القرار.

 

مواقف البطريرك في الخارجية

ولدى مغادرته مقر الخارجية أعلن البطريرك صفير سلسلة مواقف أمام الصحافيين ورداً على سؤال حول نتائج محادثاته في واشنطن قال “إن النتائج لا تظهر حالاً إنما يقتضي لها بعض الوقت”.

وعن كيفية تقديم الدعم الدولي لتنفيذ القرار 1559 وعما إذا كان هذا الأمر يتمثل في دعم الولايات المتحدة لأي مشروع قرار في الأمم المتحدة بهذا الخصوص قال البطريرك: “هذا هو مطلبنا لأن القرار 1559 لم يطبق تماماً ويجب تطبيقه بطريقة مقبولة لدى الجميع”.

وعما إذا بحث تشكيل وإرسال قوة دولية لمساعدة الحكومة اللبنانية في تطبيق القرار 1559 قال صفير: “يجب طبعاً أن تساعد المجموعة الدولية على ذلك لأنه لا يكفي إتخاذ القرار بل يجب أن تكون هناك وسيلة لتنفيذه. ولبنان وحده لا يمكنه أن ينفذه وإلا تكون وقعت الوقيعة بين اللبنانيين وهذا غير مطلوب ولا مرغوب فيه”.

وعن فحوى الرسالة إلتي سلمها إلى الرئيس بوش عبر نائبه، قال صفير رسالة تتضمن بعض الأفكار وقمنا بجمعها وأوصلناها إلى جميع الذين قابلناهم وأوضح أن مضمونها سيظهر فيما بعد.

وعن النداء الذي يوجهه من واشنطن إلى “حزب الله” وإيران وسوريا قال صفير: “نحن نوجه رسالتنا إلى الجميع وهي أن الحرب لا تحل المشكلة، وقد جربها غيرنا من الناس وقد رأينا أنها زادت المشاكل ونحن بحاجة إلى إستقرار وأمن وحرية في لبنان والمنطقة بكاملها، وقد جرّبنا أيضاً منذ ثلاثين عامًا الحرب ورأينا إلى ما آلت إليه. وأضاف “أن الشعب اللبناني بأكمله على ما أعتقد يتوق إلى السلام وإلى الطمأنينة وأن ينصرف الناس إلى أعمالهم بحيث يعيشون بطمأنينة وسلام”. وعما إذا كان يحمِّل “حزب الله” مسؤولية ما يجري قال صفير: “أنا لست محكمة لكي أحمّل هذا أو ذاك، وإنما ما أقوله أن البلد في وضع لا يطمئن ويجب أن يعود إلى وضع طبيعي”.

وبسبب الأوضاع الأمنية الخطيرة وإقفال مطار بيروت الدولي بسبب الحرب عملت وزارة الخارجية الأميركية على ترتيب عودة البطريرك صفير والوفد المرافق سالمين إلى لبنان، حيث تمّ الإتفاق على ان يعود من واشنطن إلى قبرص ومن هناك يتمّ نقله بطوافة أميركية إلى مقر سفارة الولايات المتحدة في عوكر، وهكذا تأمنت طريق العودة.

 

الاجتماع الثاني مع بوش في 22 أيار 2008

 

التقى البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الرئيس الاميركي جورج بوش في البيت الابيض في الحادي والعشرين من أيار من العام 2008 وهو الاجتماع الثاني الذي يجمعه به. وشارك في اللقاء وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس، ورئيس مكتب الرئاسة جيف بولتون، والمتحدثة الرسمية باسم البيت الابيض دانا بيرينو، ومستشار الامن القومي ستيفن هادلي، ونائب مستشار الامن القومي اليوت ابرامس، ورئيسة مكتب سوريا ولبنان في الامن القومي جين غافيتو، ورئيسة مكتب الامن القومي لنائب الرئيس سامنتا رافيتش.

هذا اللقاء جاء بعد عملية “حزب الله” العسكرية في 7 أيار وخلال مرحلة انعقاد مؤتمر الدوحة الذي تم التوصل فيه الى صيغة للحل توّجت بانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية في 25 أيار.

وعلم أن البطريرك اثار مع الرئيس الاميركي والمسؤولين في ادارته موضوع لبنان، مبدياً ارتياحه الى ما طرأ من تحسن على صعيد التفاهم بين اللبنانيين في مؤتمر الدوحة، مشيرا الى أن الاميركيين مع اي لقاء يجمع اللبنانيين ولا يفرق.

وقدم ايجازاً للنقاط التي تضمنتها المذكرة التي سبق ان قدمها في نيويورك الى الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون ومندوبي الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن، والتي تتلخص بالآتي:

أولاً: ممارسة ضغط على اسرائيل لوقف انتهاكها الاجواء اللبنانية.

ثانياً: بذل جهود دولية لترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، استنادا الى قرارات دولية سابقة، مع الحرص الشديد على اقامة علاقات ديبلوماسية وعلاقات مميزة بين لبنان وسوريا.

ثالثاً: ايجاد حل للقضية الفلسطينية عبر تأمين دولة لهم تكفل عودة اللاجئين الفلسطينيين الى اراضيهم، نظرا الى عدم قدرة لبنان على استيعاب المزيد من اللاجئين، وتنفيذا لرفض الفلسطينيين واللبنانيين أي شكل من اشكال التوطين.

رابعاً: بت موضوع مزارع شبعا لازالة اي فتيل يوتر الوضع في المنطقة، واعلان لبنانيتها رسميا، استنادا الى موقف حكومي.

خامساً: دعم لبنان في المرحلة المقبلة استناداً الى ما حصل في اليومين الاخيرين، وتأمين كل ما يلزم لمساعدته في النهوض من الازمة التي يتخبط فيها.

سادساً: حث الدول المؤثرة على مساعدة لبنان، أكان على صعيد التنمية، ام على الصعيد الديبلوماسي، لتمكينه من استعادة دوره في المحافل الدولية.

واستمر الاجتماع 45 دقيقة ووصفه البطريرك بانه كان ايجابياً. وفهم ان الحديث تطرق أيضاً الى موضوع الحل الذي افضت اليه المبادرة القطرية. وكان ارتياح الى امكان وصولها الى نتيجة ايجابية. كذلك فهم ان الرئيس جورج بوش أكد للبطريرك استمرار دعمه للبنان، داعياً الى ضرورة ان يتولى الجيش اللبناني “وحده” الامن في كل المناطق. ودعا في الوقت نفسه الى ان يتولى اللبنانيون دورهم في هذا المجال.

وأضاف ان الولايات المتحدة ستدعم، مع دول اوروبية أخرى، الجيش ليتمكن من الاضطلاع بكل المهمات التي تسند اليه. وأبدى ارتياحه الى ان المستقبل سيكون افضل. ورد بوش على اشارة البطريرك الى موضوع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فقال انه يؤيد اقامة دولة فلسطينية ويعمل على ذلك، وهذا ما قد يسهل اعطاء الفلسطينيين جوازات سفر تمكنهم من التنقل بحرية.

أول لقاء بين بطريرك ماروني ورئيس أميركي في 29 آب 1962

في بداية حقبة الستينات وتحديداً في آب 1962، سافر البطريرك بولس المعوشي الى الولايات المتحدة، بعد انتخاب جون كينيدي أول رئيس جمهورية من الأقلية الكاثوليكية التي كانت تمثل ١٢ مليون أميركي في ذلك الوقت مقابل ٢٠٠ مليون بروتستانتي.

عندما وصل الى واشنطن، كان البطريرك الماروني قد سعى لدى الكرسي الرسولي في روما، الى تأمين استقبال له في البيت الأبيض، بواسطة كاردينال بوسطن كوشينغ، الذي ينتمي الرئيس جون كينيدي الى أبرشيته في معقله مدينة بوسطن عاصمة ولاية مساشوستس.

وعندما فاتح الكاردينال الرئيس الأميركي في الموضوع أجاب، إنه ليس من عادة الرؤساء الأميركيين استقبال القادة الروحيين من مسلمين أو مسيحيين. لكن الكاردينال كوشينغ راح يلح في طلبه على الرئيس كينيدي، فيما كان البطريرك الماروني يلح بدوره عليه، في أن يجد مخرجا يسمح بلقاء بين بطريرك الموارنة وأول رئيس جمهورية كاثوليكي في الولايات المتحدة.

أخيرا، قرر الرئيس كينيدي لقاء البطريرك المعوشي، لكنه راح يفتش عن الطريقة – المخرج لحل هذه العقدة.

اتصلت دوائر وزارة الخارجية الأميركية، بالقائم بأعمال السفارة اللبنانية في واشنطن، وسألته عن موعد وصول السفير اللبناني الجديد الى العاصمة الأميركية، فرد بأن لا موعد محددا له، وهو في انتظار أن يحدد البيت الأبيض موعدا لتسلم أوراق اعتماده. وعلى الفور جرى إبلاغ القائم بالأعمال اللبناني سهيل شماس بأن الرئيس جون كينيدي سيستقبل السفير اللبناني بعد أسبوع، وسيكون مسرورا أن يستقبله بحضور البطريرك المعوشي الذي يصادف وجوده في واشنطن العاصمة، وطلب موعدا رسميا لمقابلة الرئيس الأميركي.

ويقال إن مترجم الرؤساء الأميركيين في البيت الأبيض كميل نوفل، قد مثل دوراً أساسياً في إيجاد هذا المخرج، لأنه كان على علاقة جيدة، بالمسؤولين الأميركيين وهو من أصل لبناني.

وفي اليوم المحدد، رتّب كميل نوفل المخرج، وقال للدوائر الرئاسية إن البطريرك يود أن يهمس كلمتين في أذن الرئيس الأميركي، وتم الاتفاق على أن يضع ورقة يكتب عليها ما يريد، في أثناء تقديم الشامبانيا من أجل أن يشرب السفير مع الرئيس كينيدي نخب لبنان.

وكتب البطريرك على قصاصة ورق عبارة واحدة: إذا كان لبنان يهم أميركا، فعليها أن تفعل المستحيل لمنع تجديد ولاية الرئيس فؤاد شهاب، لأن مخاطر جمة ستحدق به من جراء ذلك.

وعندما دعا الرئيس كينيدي البطريرك الى حديقة البيت الأبيض، ليشاهدا معا المكان الذي ستزرع فيه الأرزة اللبنانية المهداة إليه، عانقه وعقب: قرأنا ما كتبته، وسنحاول أن نحقق لكم مبتغاكم.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل