
في صرح بكركي، في غرفة صغيرة، يُصارع “لبنان الكبير” البقاء. إثنان يجلسان الى مكتب متواضع، ويوضِّبان الذكريات، قبل أن يَستلقِيا على سرير واحد!
لبنان والبطريرك صفير، خُلقا بالجسد الفاني العام 1920. والإثنان، وقد أقفلا دائرةَ حقبةٍ، ينتظران فتحَ دائرةِ الروح التي لا تموت.
ليست مُصادفة أن يتقاعد البطريرك في المرحلة التي تأكد فيها أن “لبنان الكبير”، لبنان 1920، ساقط وراحل. عنيدان هذان اللبنان والبطريرك. يتسابقان إلى مَنْ سيُلاقي، قَبلُ، روحَ الآخر!
ولأن مجد لبنان، أقوى من هُزال جسد البطريرك، يعتري ابن السادسة والتسعين، حزن دفين. قد لا يشهد قيامة الروح الجديدة للبنان الجديد، فمَنْ سلَّمَ إليهم أمانة الحرية والسيادة والاستقلال، عودهم أطرى من عود سلفه البطريرك الحويك الذي التقط اللحظة، في لحظة تشبه هذه الأيام، حيث يدور الهمس عن الأنظمة الجديدة للمنطقة.
ربما كان يريد البطريرك للبنان 1920 أن يُعَمِّرَ أكثر، لأن مَنْ بأيديهم مُقدَّرات الوطن، لا يُبَشِّرون بالقدرة على شيء عظيم. لكن العِظامَ مَسكونون دوماً بالحزن والقلق. وحبُّ رَعِيتِهم لهم، لا يُعَوِّضُ عليهم خيبتَهم بأبنائهم!
بعبارات قليلة صنع البطريرك صفير تاريخاً. عبارات عن الحرية والعنفوان والمحبة والتضحية. بالصمت، بالعناد، فعل ما لا يفعله، هذه الأيام، كثيرو الكلام والمساومون.
كان، إذا تزحزح من مكانه، أو من صمته، يدوّي. وها هو اليوم قابعٌ وناظرٌ ومعتصمٌ ورائعٌ!
لبنان سيقف مُجَدَّداً، مُمَجَّداً، بعد سنة أو سنتين أو عشرات السنين. ولكن الخوف سيبقى يحوط صورة البطريرك الصفير في التاريخ. سيأتي مَنْ يُعَظِّمُهُ تعظيماً يُشبِهُ الإساءة، ومَنْ يُسيءُ الى عَظَمَتِهِ.
كُلّيُّ الطوبى الآن، سيكون عُرضةً للمُطالبين، بعد عُمرٍ، بتطويبه قديساً. وستكون مَلهاةً. الملهاةُ ليست في التطويب بذاته، بل بشروط التطويب، والسعي المُتصانع لاستيلاد معجزة شفاء!
مَنْ أنقذَ روح لبنان، سيأتي من يفتشُ عن شفاءِ مريضٍ، ليقول أصبح لنا قديس جديد. الى متى ستبقى الأجساد الفانية، مَداخلَ حتمية الى القداسة؟ بالروح القدس اشتغل البطريرك صفير، وصان روح الوطن، وغداً، نحن البائسين، سنبحث عن تقرير طبي لنُعلن انتصار الرجل الطاعن في التواضع والعناد والتقوى.
ليست المسافة ببعيدة، بين ريفون، حيث وُلِدَ، وبكركي، حيث سيبقى. ووادي قاديشا على مرمى حجر من الديمان. المسافات الصغيرة. المناسك. الصوامع. الاعتزال. الكُتب قرب المقاعد الخشب. المشاوير القصيرة. القبو المجاور للقبو، والدير المُطل على القبوين، هناك تكمن منابع المسيحية اللبنانية التي تتدفق أنهاراً لتصل البحار بالبحار، وتجوب العالم بحُرية وبفخر وبريادة.
الذي جاءنا من ريفون، كمُعلّمه المولود في بيت لحم، لم يقطع مسافات بعيدة، لكنه ذهب بنا بعيداً.