.jpg)
باسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد آمين.
المجد لله…
يا صاحب الغبطة. يا أبانا في هذا الشرق الملتهب… لا تسل كم كنت فرحا في “القوات اللبنانية” عندما كُلِّفتُ بالعلاقة بين الكنيسة وبكركي وبين “القوات” بالإضافة الى المهام التي أوكِلت إليّ نظرا الى اعجابي بنيافتكم والمحبة التي أكنّها لغبطتكم.
يا كرسيّ اعترافنا، ويا من يجيدُ الإصغاء لهواجسنا في الأيام الصعبة الخوالي التي عبق منها عطر الشهداء – فخر الظافرين، ناهيك عن أنينِ المعوقين وآلامهم.
يا من لم نجد سواك ملاذا وملجأ حصينا في الليالي الحالكة خلال أسر قائد “القوات اللبنانية”، وحل الحزب.
سيدي، كنا، رفاقي وأنا كمن ألمّ به برصٌ. ما من أحد يزورنا، ولا مَن يتصل أو يسأل، والمضحك المبكي، حين نلتقي في القداس الإلهي، كيف يتحاشانا الناس خوفا من الملاحقة والإضطهاد، وكنت أنت البارقليط في ذلك الزمن، زمن الإضطهاد الذي طال أمدّهُ.
يا صاحب النيافة، كم كنتُ أرتاح عندما أنقل لنيافتكم نبضَ الشارع، وشكاوى الرفاق مع السلطة والنظام، والملاحقات المتكررة التي استمرت سنوات طوالا ناهيك عن ملفات عدّة لي في المجلس العدلي، والكثير منها في المحكمة العسكرية، ومنها استدعاء متكرر واتصالات تحذيرية.
أذكر كيف كنت تمنحني اطمئنانا عندما تقول لي: “هذا الاضطهاد ليس بجديد علينا التحمُّل والصبر، ولا بدّ من طلوع الضوء، ثابر على الصلاة كما عهِدتُكَ، وتأكد أن الأمور لن تستمرّ على هذا المنوال… يا إيلي، الباطل لن يغلب الحق، ما تخافوا ما بيصح إلا الصحيح”.
آه يا صاحب الغبطة، أذكر عندما التقيتُك إثر خروجي من الزنزانة بعد توقيفي في آذار 1994، كيف حضنتني وضممتني إلى صدرِك قائلا: “الحمد لله على سلامتك، ضربوك؟ هانوك؟ أخبرني ماذا حدث لك هناك؟ شو أخبار الشباب هونيك؟ شفت فؤاد مالك؟ أخبرتك أنهم يشاؤون ان نكون السُلّم للوصول الى الدكتور جعجع، وكان الهدف الأساسي توقيفه.
يا صاحب الغبطة. واحدة من الإتهامات التي طالتني أنني كنتُ أُحرّضُكَ على النظام، وأنني أشارك في صياغة عظة الأحد، وذلك من أجل قطع صلة “القوات” بالكنيسة وببكركي، وقد طُلبَ مني آنذاك عدمُ الصعود إلى بكركي، وعدم التواصل مع أي مطران أو رئيس عام، أو أي مرجع كنسي تحت طائلة إعادتي الى الزنزانة، وأردفَ الطلب بعدم اللقاء مع أي مجموعة من “القوات اللبنانية”، وبخاصة السيدة ستريدا جعجع، ولا حتى حضور أي عرس أو دفن له علاقة بـ”القوات”.
يا رئيس الرؤساء، لا تسل كم كنت تمدّني بالفرح عندما تطلب مني البقاء الى مائدتك كما كان يفعل المثلّث الرحمان البطريرك انطونيوس خريش.
سيدي، لا زلتُ أحتفظ بذكرى حضورك الى بكركي مع الدكتور سمير جعجع والسيدة عقيلته أسبوع الآلام، وكم كان اللقاء حارا إذ إنه فتح آفاقا واسعة وأسّس علاقة راسخة وثابتة بين بكركي و”القوات”.
سيدي، كيف لي أن أنسى كم كانت دهشتك كبيرة عندما سألتك عن زيارتكَ سوريا كما أوردتْ بعض الصحف والإذاعات، وكان جوابك صاعقا: “مش قبل الإنسحاب السوري والإعتذار. مش قبل ما يحرروا كل الأسرى ويردّوا كل الجثامين، ومش قبل ما يدفعوا التعويضات لكل المتضررين، ووثيقة رسمية من سوريا بعدم التدخل بشؤون لبنان، وبعدين يا إيلي ما بدّي أذكر على سجلّي إنو بطريرك إنطاكية والمشرق زار سوريا”.

يا خليفة يوحنا مارون، يا عاشق لبنان والعيش المشترك، يا متعدد اللغات، يا من لم يخالف أبدا قواعد اللغة العربية. لا يمكن أن ننسى كيف شملتنا باهتمام كُلّي، وكيف كان حدبُك على الاسرى المحررين من السجون السورية، ومن كل الطوائف، وكنت الأبَ المخلص لهم. تجلّى ذلك عند زيارتنا نيافتكم مع الاسرى.
يا صاحب الغبطة، يا سيدي، كيف لي أن أنسى خلال معايدة نيافتكم في بكركي كيف كنتُ تحتفظ لي ككلّ عام ببعض المرصبان المقدّم لغبطتكم من الراهبات، وتضعُهُ في علبة زرقاء مستديرة وتقول لي “حسبت حسابك طيبين”.
سيدي. أشكرك على كلّ شيء أدّيته لـ”القوات اللبنانية” وللمقاومة المسيحية في هذا الشرق حيث بتنا فريسة أقدارنا، ندافع بأجسادنا وأرواحنا عن قِيمِنا ودينِنا وأنسانِنا وأرضِنا.
كيف لي أن لا أشكرك على ما قاله لي آنذاك أحد القضاة همسا في المحكمة: أشكر البطريرك لأنه اهتمّ كثيرا بموضوعِك مع السفير البابوي، وفخامة الرئيس شارل حلو.
يا قائد الإستقلال الثاني: لنيافتكم كلَّ التقدير والصلاة والمحبة والإحترام مع دعاء صادق لغبطتكم بالصحّة والعمر المديد من رفاقي ومني.
في 1/5/2016