
حاضرٌ في فكرنا، حاضر في كلامنا، حاضر في وجداننا.
إنّ الرّجال العظام هم الذين لبّوا نداء التاريخ…
وها هنا آخر عظيم في تاريخنا.
البطريرك صفير: دائم كبير.
البطريرك صفير، قرن زمن عمرُهُ، شذى فيه يُمناً قداسة سيرة كرائحة الورد والعطور والياسمين، ويُسراً مواقف ونضال وإنجازات كعرس قانا وصليب الجلجلة والعنصرة.
إنّه الدائم الكبير، “السادس والسبعون” إبن الستة والتسعين سنة. كاهنٌ احترامه جزيلٌ، وأسقفٌ صاحب سيادة، وبطريرك كاردينال صاحبُ غبطة، استحقّ “مجد لبنان” الذي أعطي له.
وأقرأ التاريخ، رُزم سنين، إنّها لعبة القدر، لا ينتظر المرء منها رحمة أو اعتبارًا. هكذا قاربها هذا البطريرك الصميم، هو هو لم يتغيّر أو يتبدّل، لم يُساوم أو يُهادن، لم يُراوغ ويتلوّن… موقفه واحدٌ في أمسه ويومه وغده.
وعلّمتني الحياة أن أترك للزمن زمناً وللمكان مكاناً، فالزمن لم يكن صديقه أو حليفه، ولا المكان كان أفضل… حرب ودمار حيناً، إحتلال وامر واقع حيناً آخر، ومساومات ومشاريع حلول مدفوعٌ ثمنها بإخراج إقليمي أو دولي، وهو لم يطوِ ولم ينطوِ. أبقى في الشأن العام على الدور الوطني، وترك السياسة لأهلها، لا مساومة على المبدئيات، ولا مفاضلة في التقنيات، فاحتكم إليه كلّ قاصٍ ودانٍ، ولم يتخطّاه من توافق معه على الموقف، كما فرض احترامه على من خالفه الرأي أو عاداه.
وداخل البيت الكنسي، مجمع ماروني جديد منذ عام 1736، وإنجازات على صعيد الليتورجيا، والمحاكم والعمل الإجتماعي ووسائل الإعلاموغيرها.
وعلى دروب الإنتشار ومحطات الإغتراب، زيارات حيث يدعو الواجب والضرورة. مرّ على القارات الخمس أكثر من مرة، لكنّ الأساس بقي حيث يجب أن يبقى: لبنان…
تعلّم البطريرك صفير في مدارس أربعة:
– مدرسة العائلة: فيها نمى في النعمة والقامة، وتعلّم الصلاة والتّأمّل والقيم ولغة القلب.
– مدرسة الضيعة: فيها انصبّ على المعرفة وأتقن اللغة العربية ولغة المنطق الصحيح والعقل.
– مدرسة الكهنوت: فيها عمل على نحت شخصه وانسحاق قلبه وعيش الفضائل الإلهية والإنسانية والتحضير للخدمة الرعوية والبشارة بالإنجيل وتعلّم الأصول.
– مدرسة الحياة: فيها تدرّج على العمل في الظلّ والصمت، وإتقان واجب الساعة الحاضرة، والإقدام دونه الخوف، والكلام البليغ عندما تدعو الحاجة.
وعلّم في أربعة أخر:
– مدرسة الوعظ: في خدمته الكهنوتية والرعوية حين خدم رعايا كسروان الوسطى.
– مدرسة اللغة العربية: مع تلاميذه وفي ترجماته لكتب اللاهوت الدسمة، لتكون بمتناول أهل الإهتمام.
– مدرسة البطريركية: أمين للسرّ أصيل فاستحقّ اللقبُ الصّفةَ ونائب للبطريرك لا تعلم يمينه ما فعلت شماله.
– مدرسة القيادة: من الصف الثاني الى الصفّ الأول، مناضل شرس لا يستكين. سلاحه “الكلمة”، وترسه الموقف الذي لا يتراجع عنه، حليفه حليفٌ وخصمه خصم.
وقرأ البطريرك صفير سِيَرَ أسلافه وظروف حياتهم وخدمتهم ومعاناتهم، ووضع لنفسه منظومة قيم عمِل بوحيها، وخطّة طريق مشى عليها، كي لا يُضلّل من جهة ولا يتعثّر من جهة أخرى. أبعد عنه أصحاب النفوس الصغيرة، كنسيين ومدنيين، وصادق كتاب الصلاة والقدّاس اليومي والتأمّل والكتابة، والأحب إليه دفتر “مجارياته” وفيه كتابة ملخّص كل يوم عمّا كان “يجري معه أو من حوله”.
لم يكن أكولاً ولا شروباً، ولا شغوف موائد كبيرة، بل كان يكتفي بما يقدّم له.
أحبّ الأرض وعشقها وعاش معها مغامرة حبّ،فمشاها بفرح وشغف: قنوبين وجبالها ووديانها. عرفها وعرفته، ضمّها وضمّته، إنتظرته كلّ سنة وهو لم يبخل عليها. ساهم في الحفاظ عليها وبادلته، فأعطته “صحة” ونشاطاً ونضارة وجه وصفاء ذهن وأنجبت له “عين البطريرك صفير” على ارتفاع حوالي ألفي متر في جرود الديمان المطلّة على أعماق الوادي المقدّس.
إنه “الدائم الكبير” … هكذا وصفه خلفه “السابع والسبعون” البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكلي الطوبى.
يرتاح بعد كل هذه السنين المحمّلة بالخيور والغلال…
سنبلةٌ تنحني ولا تنكسر.
نسرٌ عاد إلى حجره…
حاضرٌ في فكرنا، حاضر في كلامنا، حاضر في وجداننا.
إنّ الرّجال العظام هم الذين لبّوا نداء التاريخ…
وها هنا آخر عظيم في تاريخنا.
البطريرك صفير: دائم كبير.