1988 كانت بيروت عاصمة ممزقة بين حكومتين، وكانت النيران تتآكلها بعدما ألحقت في جسدها كثيراً من الدمار، وعندما صعدت اليه مساء 17 تشرين الثاني من ذلك العام، بدت المدينة من شرفة بكركي وكأنها حطام محترق ينهار تحت مأساة الوطن الصغير التي طالت كثيراً، كانت أشبه بأم عليها ان تخرج يومياً لتدفن ابناءها بعدما تكتّل عليها الذبّاحون منذ 13 عاماً .
13 عاماً والسكاكين تطعن في قلب المدينة وأنحاء لبنان، لكن النزف الأعمق وربما الأكثر وجعاً كان يغمر وجدان سيد بكركي البطريك صفير، كان أساه على البلد يسيل نزولاً عبر غابة الصنوبر الى البحر، ذلك المساء قصدته وفي ذهني أن صوته ربما يستطيع ان يوقظ شيئاً، في وجدان بعض من الزعماء العرب، سواء كانوا من الذين غرزوا سكاكين بروتس في ظهر الوطن الصغير، وسواء كانوا يتألمون فعلاً لتمزّقه إرباً على حراب النظام السوري وحلفائه، وهو ذلك النظام المغولي الذي أراد ان يبتلع لبنان تصحيحاً لما سمّاه البعث “مؤامرة سايكس بيكو”.
كان البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير يمثل الرهان والأمل عند المسيحيين خصوصاً، وعند اللبنانيين المجروحين لجروح وطنهم عموماً، وعندما إستقبلني ذلك المساء بوداعته وصوته الخفيض وإرادته التي طالما حملت معها صلابة صخور ريفون، وحكمته التي طالما قدّمت لبنان التعايش على كل الصيغ الملتوية التي سحبت فوقه بالحديد والنار، خلته يقف ممزقاً من ألم ومرارة فوق تلك التلة، التي تراقب منذ 13 عاماً فصول الكارثة التي تطحن بيروت والأرياف، كما خلته مرتفعاً فوق صليبين:
صليب ذلك الصراع القاتل بين أبنائه المسيحيين الذين يسقونه الخل من إسفنج وجودهم المهدد، وصراع الفريسيين من الداخل والخارج يطعنون الوطن بحراب كثيرة تستقر في صميم من أُعطي له مجد لبنان فاذا به يصطبغ بمرارات نزف لبنان .
قلت: يا سيدنا قصدتك برجاء، وهو ان أطلب من نيافتك توجيه نداء من بكركي الى الدول العربية، ليس إعتماداً على نخوة أخوية وأنسانية تستيقظ في هذه الدول حيال بلدنا الذي يُذبح، بمقدار الإعتماد على المدى الذي سيكون لصوتك ولو في تلك البرية .
لم يكن في حاجة لا الى الشكوى ولا الى الغضب مراراته كانت إشد من الغضب غضباً، وقال لي: وهل تعتقد ان النداء يمكن ان يفيد بعد كل ما عرفناه وشاهدناه وقاسيناه ؟
قلت: إن جريدة “الحياة” التي عادت أمس الى الصدر من لندن (18 تشرين الأول 1988) كانت المانشيت فيها حديثاً أجرته مع الرئيس سليم الحص، وأتمنى ان تكون المانشيت فيها في العدد الثاني نداءً من بكركي ونيافتك الى العالم العربي الذي يقرأ “الحياة” بعناية!
بعد صمت وتأمل وحسابات ضمنية قال: هل تعتقد ان ندائي يمكن ان يفيد؟ في أي حال لا مانع عندي. متى تريد ان نكتب النص؟
قلت بكثير من الإعتذار: أتمنى لو تكتبه الآن .
لم يَرد. إصطحبني من الصالة الكبرى الى مكتبه المجاور، تناول قلماً وجلسنا وبدأ الكتابة، ولا أنكر أنني كنت أقرأ وأعيد القراءة، يكتب ويعيد صياغة الجملة، يدخل إضافة، يحدف كلمة، وفي أقلّ من ساعة كان قد زودني النداء الذي نشرته “الحياة” مانشيت عددها الثاني على ثمانية أعمدة:
“البطريرك صفير يناشد العالم العربي إنقاذ لبنان”.
وأنا أنزل الى مكتبي تذكرت صورة لا تزال ماثلة في ذهني الى اليوم: كان سيدنا البطريرك على صليبين وكان لبنان على كف عفريت الحكومتين، حكومة الرئيس سليم الحص في الغربية وحكومة الجنرال ميشال عون في الشرقية، بيروت الشرقية والمتن وكسروان التي ويا لسخرية السياسات والمرارات ستعود اليها قوات الإحتلال السورية من جديد على بساط “حرب التحرير” التي إنتهت بكارثة!
الآن وأنا أغمض عيني وأتذكر أقول ليس في وسع اللغة ان تعطي البطريرك صفير حقه، ليس في وسع الكلام ان ينصفه، ليس في وسع الإحترام والإجلال ان يصل الى سدّته، أكاد أجزم أنه في صميم كل مسيحيي في لبنان وعند معظم اللبنانيين على إختلاف طوائفهم والمذاهب، مكان حميم في الأعماق المجبولة بطقوس التقدير والإجلال والشكر الصادق، لهذا أُعطي له مجد لبنان ملفوفاً بكثير من الألم، وبكثير من التعاسات، وبكثر من الذين إستشهدوا، في حين كان يعمل في بكركي وعلى درب الآلام التي حملته في رحلة طويلة طويلة، من أميركا الى استراليا وكندا والمانيا وبريطانيا والجزائر وهولندا والأردن والكويت وتونس وحتى الى أفريقيا الجنوبية، حيث تذكرني رحلته هذه بأسطورة الطيور التي تحمل الماء في مناقيرها وتلقيها لتشكيل الشلالات التي تجري الى بحيرة فكتوريا .
كان ينقِّب في وجدان اللبنانيين ويبحث في العالم عن قبضة من الأوكسيجين للوطن المختنق الذي يخنقه أختناقه، ودائماً على إيمان جبار وعلى صمت جبار وعلى ثبات في الموقف جبار، ولم يظهر من دوي ألمه العميق والطويل سوى كلمة مرارة واحدة قالها في 24 أيلول 2011 في إحتفال “القوات اللبنانية” في الملعب البلدي في جونية: “هذه الأيام البائسة”، في ما كان الدكتور سمير جعجع يخفي دمعة تأثّر.
نعم طالت الأيام البائسة يا سيدنا، لكننا من جلال إيمانك ومن عظمة وِدّك ومن نقاء مسيحيتك والرجاء السماوي الذي عكسته دائماً، سنبقى مثل طيور شلالات فيكتوريا .
ويا سيدنا البطريرك، الذي أكملت جسراً لتاريخ لبنان يمتد من البطريرك الياس بطرس الحويك الى البطريرك أنطوان عريضة، والذي كان لك ذلك النداء التاريخي من أجل إستنهاض حقيقة لبنان في ايلول من عام 2000، ليقتلع لاحقاً اولئك الذي كانوا يعملون لحذف لبنان من الخريطة وهددوا بأن يجعلوا العشب البري ينبت على إدراج بكركي ما لم تطأ قدماك أرضهم، ولكنك لازمت علياء بكركي صونا لكرامة لبنان ولمجده الذي أعطي لك ولها، وبقيت هناك تسقي غابة الغار التي كللت وستكلل جبين بكركي ولبنان .
ويا سيدنا الذي أعطيتنا درساً للحياة بكل طقوسها وأمكنتها والمشارب عندما قلت يوم صرت بطريركاً: “انتخبتموني بطريركاً فحملتموني صليباً ثقيلاً تنؤ كتفاي بحمله… إنني أعرف أني ضعيف ولكنني إعرف في الوقت عينه ما يقوله الرسول… أنني قوي بقوة من يقويني قوي بالله وبالكنيسة بشعبنا الماروني بالقديسيين من بيننا…” لك المجد أيها المتواضع الوديع .
ويا سيدنا الذي علمتنا المعنى النهائي للحياة يوم قلت في 23 نيسان 2015 وأنت تتسلم الريشة الذهبية من جمعية المرسلين ورابطة قنوبين في بيت عنيا: “من أين لي اليوم هذه الريشة الذهبية وأنا لم أفكر يوماً بالذهب بل أمضيت حياتي واضعاً نصب عيني، وذاكراً في صميم وجداني، عبارة بداية الصوم ومسح جبيني بالرماد، أنني تراب منه جبلت وإليه أعود”…
يا سيدنا الرائع أنت لنا صلاة من ذهب الإيمان العميق وسنظل نتذكر قولك بعد خروج السورييين من لبنان في 27 حزيران 2005 “السوريون لا يزالون هنا ألا تشعرون بذلك”؟
بلى إننا نشعر أنهم لا يزالون هنا بالوكالة، لكننا سنبقى على خطاك.