
أصبحَت التفجيرات والأعمال الإرهابية والأمنية بونبونة المحطّات اللبنانية التي تتمادى في مصِّها ولعقِها حتى تشرشِر على كاميراتها ونصِّها وتعليقات مندوبيها، الذين ارتكبَ بعضُهم مجازر مهنية مباشرة على الهواء وقعَت ضحيتها الدقّة في نقل الخبَر ومعها أعصاب المشاهدين.
قرابة الساعة الثامنة والنصف من مساء أمس، وتحديداً في توقيت الإفطار لدى الطائفة الشيعية، حسب ما أوضَح أحد المراسلين، وكأنّ هذا التفصيل يضيف دبساً إلى طحينة تعليقه المباشر من ساحة التفجير… المهمّ، وقعَ إنفجار مهول هزّ قلب العاصمة اللبنانية بيروت، بحسب ما أشاعت كلّ المحطات اللبنانية… يعني الخبر بحدّ ذاته وبهذه التركيبة وصَفِّ الكلام قادر أن يوقعَ ضحايا أكثر من العبوة التي تمَّ وضعُها خلف بنك لبنان والمهجر في منطقة فردان.
شَعر المشاهد لوهلة، ومِن كبَر حرفِ الخبر العاجل على الشاشة أنّه شي 450 شخصاً ذهبوا ضحية التفجير، وبدأ يشعر بحماسة المحطات المتوجّهة إلى تصوير الأشلاء والدماء في الشوارع… لكنْ لحسنِ حظّ الشعب اللبناني بكلّ طوائفه ومذاهبه، لم يكن هناك ضحايا باستثناء جريح واحد.
صحيح أنّ تفجير الأمس لم يسرق حياة أيّ شخص، لكن عبوة الأمس وعلى رغم حجمها الصغير، سرقت أرواح 4 ملايين لبناني يتمسّكون بآخِر قطعة خشَب في بحر الإقليم الهائج، يتمسّكون بالقطاع المصرفي الذي ينحني فوقَ الكيان اللبناني ويمارس عليه التنفّس الصناعي حتى يبقيَه على قيد الحياة إلى حين انتهاء عواصف الأزمات التي تشَلّع محيطنا.
كثير من اللبنانيين صَمدوا في الحرب الأهلية، كثيرون صَمدوا في سنين الأزمات والتفجيرات والاغتيالات، كثيرون صمدوا بعد اغتيال الحريري وبعد اندلاع الحرب السورية، لكن لا يبدو أنّ كثيرين سيتمكّنون من الصمود إذا أصيبَ القطاع المصرفي في لبنان… ولا أية طائفة ستتمكّن من اجتياز مرحلة انهيار المصارف دون تكبّد خسائر مهولة تتفوّق حجمَ كلّ ما خسرته منذ عام 1943 وحتى اليوم.
ومع كلّ حدث بهذا الحجم، يبقى الأداء الإعلامي أخطرَ سلاح موجّه إلى صدور المشاهدين، وكلّ هفوة على الهواء قادرة أن تسقِط ضحايا… ولكن في الأمس، ابتعدَ الإعلاميون بشكل كامل عن توجيه الاتهامات واختاروا البقاءَ في حضن الموضوعية، وكأنّهم أحسّوا بهول الحادثة… لكن هناك البعض الذين تفركشوا بهفواتهم، مثل تلك المراسِلة، ومن هول السوشي الذي التهمته قبل 5 دقائق، وصفت صوت التفجير بأنه كان مرتفعاً للغاية… إنّو بتحبّي دوموازيل نِبقى نخفّفلِك صوت العبوات تاني مرّة كرمال رواق الساشيمي.
ومِش بَس هيك، تمادت لتقول للكاميرا المسلّطة على صنديحتِها إنّ أحداً لم يكن يتوقّع حدوثَ الانفجار في هذا التوقيت… خَلص وعد، نكست تايم رح يبقو يبلّغوك بتفاصيل أكتر قبل بوَقت كرمال تخَلّصي سوشي وتَعملي سبق صحفي.
وبعد الخبر الصدمة، بدأ دور المحلّلين والمنظّرين على التلفزيونات الذين يستنتجون أسرع من وزير الداخلية، ويحقّقون أسرع من الأجهزة الأمنية، ويكتشفون أسرع من القضاة وأجهزة المخابرات… وهنا امتلأ الهواء بكمّيات من الحقد والاتهامات والتحليلات المموّهة بالمحسوبيات والانتماءات، والقادرة بسهولة بالغة على اللعب على الوتر الطائفي وتجييش المشاهدين والتأثير على مشاعرهم الوطنية والإنسانية.
في كلّ مرّة، نكتشف أنّ أسهل شيء بالنسبة لبعض المحطات اللبنانية هو المتاجرة بخوف الناس المستمرّ من عدم الاستقرار الأمني، وهلعها من كلّ خبر عاجل تذكر فيه سيارة إسعاف، ومن كلّ صوت أعلى من صوت طبشة باب مطبخ في أيّ منطقة من لبنان، ومن كلّ صرخة عالية بعد الثامنة والنصف مساء حتى لو كانت صادرة عن الجارة التي قرصَها زوجها.
اللبناني الشيعي والسنّي والدرزي والمسيحي وحتى الذي اعتنقوا الهندوسية، جميعُهم يعيشون حالاً من التوتّر تشبه كثيراً حالَ كوبِ ماءٍ مملوء للشفة وموضوعٍ على كفّ يد ميليشياوي سابق مصاب بالباركنسون… ومع هذا التعتير كلّه، تجلس بعض المحطات مِتل “القرقة” على بيضات أخبارها في انتظار أن تفقّس وتصبح عاجلة… وعندما تنكسر البيضة تبدأ “القرقة” بالصراخ والعويل قبل أن يتبيّن أنّ الصوص أد الفِصّ وصوتو أوطى من وجَع راسنا اليومي.
نحنا ميتين ميتين، بَس اتركونا نموت وأعصابنا رايقة، أو عالقليلة جيوبنا مش مفخوتة.