
ممّا لا شكّ فيه، أنّ الإستقرار الأمني قد تعرّض لهزّة كبيرة جدًّا، بغضّ النّظر عن كون الأمن مستتبّ والإمتحانات الرّسميّة سارية والحياة مستمرّة، لكن ليست على طبيعتها بعد تنفيذ قانون العقوبات الماليّة الأميركيّة على “حزب الله”، وكان المصرف المستهدف أوّل من تشدّد بطبيق هذه العقوبات.
أمّا توقيت التّفجير فمدروس جدًّا لعدم إيقاعه إلا إصابات بشريّة طفيفة. فالواضح أنّ الهدف إرهاب المصارف، وقد يتعدّاه إلى زعزعة للوضع الأمني. فـ”مصرف لبنان والمهجر” هو جزء من المجموعة المصرفيّة العامّة للبنان التي يقودها حاكم مصرف لبنان الذي رفض الإنصياع لضغط “حزب الله”، بل ذهب إلى أبعد حدود باعتباره القطاع المصرفي خطّ أحمر، من حيث المواجهة مع قطاع المصارف العالمي. فهذا التّعاون من قبل المصارف لم يأتِ برضاها كلها، فلا خيار عند هذا القطاع إلا بالتّعاون. ومن هذا المنطلق ابتدأ هذا القطاع بالإلتزام بالقانون الدّولي والنّظام العالمي. فما عجزت الصين وإيران نفسها عن تنفيذه لا يمكن أن نطلبه من دولة لبنان.
ننتظر التّحقيق لتتوضّح وجهة الإتّهام. لكن لا نستطيع ألا نضع المتضرّر الوحيد من هذه العقوبات في خانة الإتّهام، على الأقلّ حتّى يثبت العكس، لا سيّما وأنّ “حزب الله” يملك كلّ القدرات على القيام بهكذا أعمال. وقد تكون جهات إرهابيّة أخرى وراء هذا العمل بغرض ضرب الإستقرار النّقدي، لكن يبقى الحزب المستفيد الأوّل من هذه الرّسالة. مع علمنا المسبق بأنّ نتائج التّحقيق في هكذا واقعة ستنضمّ إلى غيرها من الوقائع الإرهابيّة التي لم تصل إلى نتائج نهائيّة. وهذا ما لا نأمله طبعًا.
ولا حوار ممكن حول العقوبات، بل الحوار الوحيد المفروض أن يتم، هو حوار عودة “حزب الله” إلى الدّولة بغرض إضافة فائض القوّة العسكريّة والسياسيّة التي يملكها الحزب إلى هيكليّة الدّولة المعترف بها في الشرعيّة العالميّة والمحليّة والتي بات الحزب بذهابه خارج الحدود اللبنانيّة فاقدًا لها.
لكن ثقتنا بهذا القطاع كبيرة جدًّا، والسبب الوحيد من وراء هذه الثقة هو أنّه من بين كلّ الإنقسامات العموديّة والأفقيّة الموجودة في الحياة اللبنانيّة العامة، ما زال هذا وحده الأقوى لأنّه يمثّل كلّ اللبنانيّين. وما لم يلتزم هذا القطاع بالقانون المفروض سيسقط المدماك الأخير من وجوديّة الدّولة المركزيّة. من هنا، يجب على كلّ اللبنانيّين الوقوف مع القطاع المصرفي بوجه كلّ ما يواجهه من تحديات. فهذا القطاع لا يستطيع أن يجاري “حزب الله” في سياساته، حتّى لو اضطرّ إلى المواجهة الشاملة مع الحزب. وهنا قد تتجاوز أبعاد هذا التفجير المصارف اللبنانيّة وحسب لتتعدّاها إلى السياسة الاميركيّة بحدّ ذاتها بغية إعادة النّظر في قراراتها الماليّة. ولكن من تداعيات الإتّفاق النّووي الأميركو- إيراني نزع ورقة الضّغط الإيرانيّة؛ لا سيّما بعد البدء بدخول الشركات والإستثمارات الأميركيّة إلى صلب الحياة الإيرانيّة.
فعلى الدّولة الذهاب إلى أبعد الحدود في ملف التّحقيقات مهما كانت النتائج، وعليها أيضًا عدم الرّضوخ لـ 7 أيّار مالي قد يرتكبه الحزب ليحمي ترسانته الماليّة. وعلى الحزب بدوره التّعامل، وليس الرّضوخ، مع هذا الواقع المالي الجديد، من خلال تبديل سياساته، وعدم البحث عن شمس الظّهيرة في المساء، فتخوين المصارف يضرب ما تبقى من سمعة لبنان ولا يخدم حتّى “حزب الله” نفسه.
كلّ ذلك يحصل والتّعمية عن الإشكاليّة الوجوديّة الأساسيّة لإستمرار كينونة وكيانيّة الدّولة اللبنانيّة ما زالت تتعرّض كلّ مرّة لعمليّة تغييب. فتارة بملف النّفايات والإتّصالات، وطورًا في ملف سدّ جنّة ومكبّات النّفايات على ساحل المتن والكوستابرافا والناعمة وغيرها… وصولا إلى الإنتخابات البلديّة والإختياريّة التي بغضّ النّظر عن ضرورتها. كلّ ذلك والبلد الوحيد في العالم الذي إن ولجت أي محرّك بحث عالمي كالغوغل أو الويكيبيديا تقرأ:
” بعد انتهاء ولاية الرّئيس ميشال سليمان الذي انتخب رئيسًا توافقيًّا نتيجة اتّفاق الدّوحة ما زال لبنان حتّى تاريخه بلا رأس الدّولة أي ” رئيس الجمهوريّة” لتعذّر انتخاب رئيس وذلك لعدم قدرة الأطراف على الإتّفاق على رئيس توافقيّ… وتقوم الحكومة مجتمعةً بتسيير أمور الدّولة حسب ما ينصّ عليه الدّستور .”
وهذا مرفوض جملة وتفصيلا لأنّه لا وجود لمادّة في الدّستور اللبناني تفرض ان يكون الرّئيس توافقيًّا حسبما ورد في اتّفاق الدّوحة الذي لن نسمح بأن يتحوّل إلى دستور. فالرّئيس ينتخب بطريقة ديمقراطيّة بالإقتراع السرّي في البرلمان اللبناني، ومن يعطّل هذا الإنتخاب هو من يمنع أو من لا يذهب إلى البرلمان.