#adsense

ازدحام في العيادات النفسية بدمشق… وإقبال على المهدئات

حجم الخط

 

لم يعد الداخل إلى عيادة الطب النفسي في سوريا مثارا للغمز واللمز والسخرية٬ كما جرت العادة الاجتماعية في التعامل مع المرضى النفسيين٬ فالعيادات النفسية القليلة في دمشق والتي كانت حتى وقت قريب خاوية على عروشها إلا من بعض الحالات المرضية الخطيرة٬ باتت اليوم مزدحمة بعد أن أصبحت الأمراض النفسية هي الأكثر شيوعا بين السوريين٬ بدءا من اضطراب القلق والكآبة إلى الهلع والخوف الشديد واضطراب المزاج والنوم وحتى الانفصام٬ وغيرها كثير من الأمراض التي تنتشر في مجتمعات الحروب وتؤدي إلى أمراض جسمانية.

سيدة في الخمسين من عمرها وهي من عائلة ميسورة كانت تنتظر في عيادة نفسية في منطقة الطلياني٬ تحدثت عن أنها لم تعرف النوم منذ اعتقل ابنها قبل عامين ولا تريد أن تصدق ما سمعت عنه بأنه قتل تحت التعذيب٬ فهي لا تزال تحاول البحث عنه بكل الطرق، وقالت إن «مجرد التفكير أو التخيل٬ أنه عذب وأنه ربما قضى تحت التعذيب ­ لا سمح الله ­ يصيبني بالجنون٬ فلا أعرف نوما ولا راحة».

وتابعت بصوتها الأسيان: «منذ سنتين وأنا على هذه الحالة ولم أعد أحتمل المزيد. جربت جميع أنواع المهدئات التي وصفها لي أصدقاء قالوا إنهم جربوها٬ وأيضا وصفات نصحني بها صيادلة معارف لكنها لم تفلح. لم أكن أجرؤ على دخول عيادة نفسية إلى أن ساءت حالتي وبدأت أؤثر سلبا على المحيطين بي». وقبل أن تتابع حديثها تغرق بنوبة بكاء وهي تحدث نفسها: «لم يفعل ابني شيئا لماذا عذبوه؟ ابني مدلل تعبت على تربيته فبأي حق يقتل».

ولعل حالة هذه السيدة واحدة من ملايين الحالات في سوريا اليوم التي تعيش تحت وطأة حرب شنها النظام على معارضيه وما زال ملايين من السوريين الذين لا يملكون إجابات على كثير من الأسئلة التي تؤرقهم حول مصير المفقودين والمعتقلين٬ وعما إذا كانت هناك نهاية لنفق الألم الذي يعبرونه. السؤال الذي يدفع غالبية ما بقي للبحث عن وسائل للهروب والتحايل على هذا الواقع٬ سواء بتعاطي الحبوب المهدئة أو بالمخدرات أو السهر والإسراف بتناول الكحول٬ التي باتت ظواهر شائعة في ظل انعدام الرعاية النفسية٬ فازدادت معدلات حوادث الانتحار الناجمة عن الأزمات النفسية٬ كما زاد معدلات الأمراض الجسمانية الناشئة عن أسباب نفسية لدى النساء والأطفال٬ لا سيما بين النازحين من المناطق الساخنة التي كانت تشهد قصفا ومعارك شرسة٬ ناهيك بالانهيارات العصبية الحادة وحالات الفصام التي أصيب بها من تعرض للاعتداءات والتعذيب داخل المعتقلات.

وبحسب ما قاله مدير الصحة النفسية في وزارة الصحة رمضان محفوري٬ أمس الخميس٬ لصحيفة «الوطن» السورية المقربة من النظام٬ أن عدد الأطباء النفسيين على مستوى سوريا بلغ 40 طبيبا فقط٬ في حين تحتاج البلاد إلى أكثر من 500 طبيب نفسي٬ معتبرا أن النقص يعود إلى عدم الإقبال على التخصص في الطب النفسي. وأضاف محفوري أن «هناك الكثير من العقبات التي تواجهنا٬ ومنها الافتقار إلى مقومات الطب النفسي لقلة عدد الأطباء المختصين في هذا المجال لدرجة أن بعض المحافظات٬ مثل السويداء وطرطوس٬ لا يوجد فيها أي طبيب نفسي مختص تابع للوزارة»٬ مشيًرا إلى وضع وزارة الصحة برنامجا لسد هذا الفراغ من خلال تدريب 350 طبيبا من اختصاصات أخرى. وخلال عمليات الإعداد خسر البرنامج 100 طبيب بسبب السفر والتقاعد٬ مشيرا إلى أنه لا يوجد سوى 250 طبيًبا قائًما على رأس عمله في البرنامج.

وبينما يتمكن أبناء العائلات الميسورة من ارتياد العيادات النفسية٬ يلاحظ أن غالبية الفقراء ممن طحنتهم الحرب لا يحصلون على أي نوع من أنواع الدعم أو الرعاية النفسية٬ وتترك حالاتهم للتفاقم وبعضها يبلغ حد الجنون.

وتحكي سيدة نازحة من جنوب دمشق٬ وهي أرملة منذ عشر سنوات وتعمل في تنظيف المنازل٬ بأنها تستعين بالله وقراءة القرآن لتهدئة نفسها ونفوس أبنائها الشبان الثلاثة٬ فالأكبر بينهم فقد زوجته وطفليه بالقصف وطوال الوقت صامت٬ والأوسط (17 عاما) يعود إلى البيت يوميا وهو في وضع غريب يصرخ ويكسر ويضرب إخوته ويبكي٬ ولا تعرف كيف تتعامل معه٬ فحسب قولها إن رفاق السوء يغرونه بتعاطي المخدرات ومشروبات مشبوهة فيفقد عقله. وتتابع: «أمس اضطررت لأن أضربه بقسوة كي يصحو٬ وعندما صحى انهار بالبكاء وانهرت أنا معه».

ولا تفكر هذه السيدة بالذهاب إلى عيادة نفسية وتقول: «بالكاد أحصل قوت يومنا»٬ ثم تستدرك: «لم أجن بعد.. أنا مؤمنة بالله وهو يعنيني.. الفقير له الله».

ويقدر أطباء نفسيون نسبة السوريين المصابين باضطرابات نفسية بأكثر من 50 في المائة من مجمل الشعب٬ بينما لا توجد دراسة أو إحصائية لأعداد المرضى النفسيين في سوريا٬ والذين تزداد أعدادهم يوما بعد آخر نتيجة الظروف القاسية والمعاناة الإنسانية الرهيبة التي يعيشونها.

المصدر:
الشرق الاوسط

خبر عاجل