.jpg)
سيُقال الكثير في نيافة البطريرك. قد نخدش، كثرا، حياءه، وقد نزعج كثيرا تواضعه غير الملتبس. قد نقول فيه ما يكتنز القلب من مشاعر صادقة، لا مجاملة فيها ولا إطراء في غير محلّه. فالرجل رحل عن “السلطة” زاهدا، حمل تاريخه ومشى يُكمل بخطوات ثابتة عمرا من الثبات الصلب. ولأنه زاهدٌ، مترفّعٌ، مترهّب، بصفاءٍ نادرٍ لا يملكه إلاّ من أدّى قسطه إلى العلى، أودّ أن أتوقّف عند صفتين لصيقتين بالرجل الهامة وبالبطريرك الجليل.
أوّلهما، صفةٌ أستعيرها من الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا ميتران: القوة الهادئة! وفيها أن الهدوء في المحيّا وفي الحديث وفي الرصانة وفي الحركة وفي المسار عموما، إنما يخفي (أو هو يختزن) قوّةً هائلة. تُجالس بطريرك الأزمات، فتراه جامدا في مقاربته لأصعبها. تُقارع فكره علّه ينتفض، فتسبق جوابه ابتسامة المؤمن وفي عيونه قلق العارف. يسألك عن تفاصيل الأمور دون انفعال، ويجيبك بتفاصيل الواجب دون تسرّع. هو لا يتقن المزايدة في الحق، لأنه في عمق الحق مُتَولٍّ. قوّته، مزيجٌ من الصفاء في الرؤيا والتعمّق في الإيمان والتألّق بالكلمة الملكة وزهدٌ عن شؤون الدنيا وترفّعٌ عن أي مصلحةٍ ذاتية. قوّته، إلمامٌ بالسياسة منذ حملته الصدفة (أو العناية الإلهية، إن شئتم) إلى مواقع تعرّي هالات و ترفع سنابل ملأى تنحني. قوّته قدرة نادرة في تخطّي الإساءة، ولو من الأقربين. قوّته، هدوءٌ في العاصفة وسكونٌ إلى الدور الذي مجد لبنان أعطي له. أنظروا إلى المحيّا واقرأوا بعضا من تاريخه وكثيرا من عظاته واستذكروا صلابة عناده في الحق، ترون قوة الهدوء والتروّي وسكون القوة والتصدّي.
أما ثاني الصفات اللافتة في بطريك إنطاكية وسائر المشرق السادس والسبعين، فلصيقة بالأولى ومكمّلة لها: صمته المدوّي. ليس لأن السكوت من ذهب، وهو ليس بساكت. وإنما لأنه يحسن اختيار التكلّم والكلمات، تماما كما يُحسن اختيار الصمت وصداه. ولأنه كذلك، تراه يُشغل البال بصمتٍ بليغ، فيحجّ السائلون عن رأي إليه، وتراه ينطق بالحق عندما الساكت عنه “شيطان أخرس”. كأنه يضع الكلام والصمت في “ميزان الجوهرجي”: هنا الصمت من ذهب وكذلك الكلام إذا تألّق به. صمته المدوّي كلامٌ بذاته ينطق بمفردات صلبة، عتيّة على الآني من الدردشات. صمته المدوّي رسائل كتبها للتاريخ، كما كلماته التي دخلت التاريخ في أروقة البحث عن وطن…
صاحب الغبطة والنيافة، القويّ الهادئ والصامت ببلاغة، تليق بك الكلمات ويبقى سكون الصلاة أكثر تعبيرا…