البطريرك صفير ـ سر النداء

فرعي:

من البطاركة القلوبهم من ذهب وصلبانهم من خشب… عالم كماروني

حتى عندما عُيّن كردينال الكنيسة الكاثوليكية جمعاء حافظ على “طابيته” السوداء المارونية ولم يضع قبعة الكاردينال الحمراء المثلثة الأضلاع ليعلن دومًا أنه إبن وسيد وراعي الكنيسة المارونية الرهبانية النسكية الزهدية كنيسة القديسين…

الوديع الهادئ

الوديع الهادئ حامل مجد لبنان ومجد أنطاكية، أتى بخفر وذهب بخفر، لكن حضوره في سماء لبنان كان كنجم مذنّب لفّ أرض لبنان وتاريخه ومصيره في أصعب المراحل: وجود سوري كثيف على جسد الوطن الصغير قاومه بعناده ورفضه وموقفه الصلب الذي لا يتزحزح حتى كان نداؤه الشهير ضد الاحتلال. رفع صوته عندما كُمّت وخافت وداهنت أصوات كثيرة. رفض التملق والمجاملة وقال كلمته ماضية كحد السيف واستيقظ وطن الرجال والعنفوان والشهادة، ومشى بصمت الى خلوته ووحدته.

بطريرك النهضة

قام مع العلماء والاختصاصيين بنهضة ليتورجية خصوصًا في القداس والأسرار والجنازات، وبنهضة مجمعية واجتماعية…

رائد التجديد الطقسي والليتورجي خصوصًا في رتب الأسرار الكنيسية والجنازات والقداس…

نهضة اقتصادية مسكونية مجمعية وإنشاء وتأسيس أبرشيات ومجمّعات سكنية لمساعدة العائلات الفقيرة… كان همه الاهتمام بالاغتراب وبالإكليركيين، وبإقامة الحوار المسكوني وحوار الحياة في العيش معًا في لبنان مسيحيين ومسلمين…

بطرك الصمود والهدوء والاقتضاب… فكر لاهوتي كنسي بطريركي مميّز… رسائله المتعددة، كلماته، مذكراته، تأبينه، أحاديثه فكر يغرق في عمق وبساطة الإنجيل…

يقظ الذهن والذاكرة

ذهن متيقظ يبقيك في حيرة الجواب وضبابية الرد على سؤال محرج “فأنت قلت هيك” بلهجة كسروانية فيها حكمة الشيوخ والمشائخ وبريق الاتزان والتوازن، فلا غلط ولا ثرثرة ولا كلمة زائدة ولا كلمة ناقصة والشاطر يفهم.

ثوب رهباني بسيط بعيد من الكبرياء و”الزنطرة” والعنجهية الدينية والطاووسية والغطرسة والتشكيك والمظهرية والابتعاد عن “الجخ”… والبذخ وحب الظهور والتشاوف. إنه المثال، إنه الراعي الذي يعرف رعيته وخرافه تعرف صوته. لم يترك القطيع عندما هاجمته الذئاب السياسية والحزبية والعسكرية. إنه راهب البطريركية بكل ما للمعنى من كلمة…

راعي القطيع ولم يَهَبْ الذئاب

لم يترك القطيع على الرغم من صلبه وجلده وامتهان مقامه واحتقار مركزه ودوره الوطني الكبير في تاريخ لبنان… إنه البطرك الذي دافع عن الوطن الصغير بصوت صارخ في جميع المحافل الدولية، وله ولكرسيه أعطيت الوديعة المقدسة: مجد لبنان…

كل الأسرار: سرّ الكهنوت، سرّ العماد، سرّ الزواج، سرّ التوبة، سرّ مسحة المرضى… جدّدها وجذّرها. وأعطى للطقوس جماليتها وثقافتها اللاهوتية والروحية وطقوسيتها الجمالية الرائعة كلامًا ونظمًا وحركات.

البطرك المؤسس كالدويهي والحويك

إنه البطرك المؤسس والمجدد… البطرك النهضوي كالعديد من البطاركة العظام، وأخص منهم الحويك والدويهي. جدد ورمم الإكليركية البطريركية والكراسي البطريركية وأهمها قنوبين، وأطلق ورشة عمل تهتم بالأوقاف واستثمارها، وأقام المساكن والبيوت في جميع المناطق اللبنانية مع إنشاء الصندوق الماروني وبناء أجمل مبنى ومكاتب للمحاكم الروحية في الزوق بعد أن أعطى خصوصًا للشباب إمكانية اقتناء بيت والزواج وبناء عائلة والتجذر بالأرض على مساحة الوطن بأسره. وكم ناضل لإيقاف الحرب اللبنانية والغريبة بين العامين 1975 و1994. قال لجميع رؤساء الدول الذين التقاهم إن لبنان يجب أن يبقى بلدًا حرًا مستقلاً. وما زال صدى ندائه برحيل السوريين يتردد الى الآن.

بطرك الطقوس والمجامع

في عهده أقيم أهم مجمع بطريركي… استشف ووضع مستقبل الكنيسة المارونية ولبنان على خط التجدد والريادة والتغيير والنهضة، والإصغاء للشباب والاستجابة لتطلعاتهم وانتظاراتهم، متطرقاً لجميع المواضيع المعاصرة والقديمة، واضعا الكنيسة المارونية على باب التجدد الملوكي في قضايا الثقافة والفن والاجتماع… والطقوس والاقتصاد والسياسة والانتشار والاغتراب والعلاقات مع الدول العربية والغربية… وخاصة بعلاقة مميّزة مع الكرسي البابوي والبابا القديس يوحنا بولس الثاني. يبقى بطرك البساطة والجمالية السلوكية والكلامية والمثال للمنتظر قداسة الجمال الإلهي.

راهب البطريركية

البطريرك صفير كاهن الجذور المارونية وراهب الكنيسة النسكية المارونية لم يتغيّر منذ زمن كان إكليريكيًا ولا بعد اعتلائه السدة البطريركية. حتى أنه عندما عيّن كاردينال الكنيسة الكاثوليكية جمعاء حافظ على “طابيته” السوداء المارونية ولم يضع قبعة الكاردينال الحمراء المثلثة الأضلاع وبقي بإسكيمه الرهباني ليعلن دومًا أنه إبن وسيد وراعي الكنيسة المارونية الرهبانية النسكية الزهدية كنيسة القديسين… وهو خادمها الماروني المسكوني الأمين ناهدًا الى القداسة والشهادة في جذور إنجيلية ربائية مريمية صوّانية الأصول والبقاء.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل