#adsense

“البيك عِمِلها عِنّا”

حجم الخط

يُروى أنه على أيام العثمانيين وفي عزّ أيام الإقطاع الذي تحكّم برقاب أبناء المناطق الريفية في شمالي لبنان، ذهب أحد البكاوات في رحلته السنوية المعتادة للإطمئنان على رعيته وعلى حسن سَير حكمه الإقطاعي على الفلّاحين، ولتحصيل الضرائب وتجديد خوّاته على العاملين في أرضه.

وأثناء تنقّله من منزل إلى منزل، دهمه مغص في بطنه لم يكن أبداً في الحسبان، فاضطر البيك، وعلى غير عادته وبما لا يسمح له مقامه الرفيع، لدخول الحمّام أو ما يشبهه في تلك الأيام لقضاء حاجته عند أحد الموالين له، واستأنف من بعدها مهماته اليومية.

ولكن ذلك المواطن المحظوظ اعتبر دخول البيك حمّامه واقعة دسمة، فما إن غادر البيك دارته، تأبّط فخره واعتمر ابتسامة عريضة وقصد الحارة حيث دار على دكاكينها ومنازل ساكنيها يُخبرهم بأعلى صوته عن الحادثة الطازة، قائلاً لهم «البيك شخّ عنّا، البيك شخّ عنّا»، وبقي إلى ما بعد غروب ذلك المساء وفي الأيام العشرة التي تلت الحادثة يروي ما حصل، ويُزرِّك لكلّ من يلتقيه بأن منزله اكتسب أهمية بفِعلة البيك الكبيرة.

مضحكة كثيراً هذه القصّة، لكن المضحك أكثر أن قسماً كبيراً من اللبنانيين (من بينهم أنا… وأنت ربما) ورثوا في جيناتهم السائل المنوي الفكري والإجتماعي والفنّي لهذا الرجل، وتحوّلنا إلى شعب خلّاق في خنوعه لدرجة أنه قادر أن يُحوّل فنانة صاعدة أو ملحّن بارز أو أي شوفير تاكسي إلى صورة إقطاعية «مودرن» يدافع عنها ويقدّم لها الولاء بكلّ ما أوتي من وسائل وقنوات وليكات ومسبّات ورشقات.

ونحن مشكلتنا لم تكن أبداً مشكلة سياسية أو مع السياسيين والمشايخ وحيتان المال… مشكلتنا هي مع النفاق (Hypocrisy) الذي يُضاجع كريات دمنا الحمراء والبيضاء ونورونات جهازنا العصبي مع كلّ طلعة شمس وقمر. نفاق حوّلنا إلى الشعب الوحيد في العالم الذي يلاحق العبودية، فيما تحارب شعوب العالم للتخلّص منها.

وما الفارق بين إقطاعي في القرن الثامن عشر وفنّانة لبنانية تملك بضعة ملايين متابع على انستاغرام، أو ممثلة لعبت دوراً في السينما المصرية، أو متموّل جمع ثروة في الإغتراب، أو رياضي سجّل 5 رميات ثلاثية متتالية، أو إعلامية حاورت بعض الشخصيات المرموقة؟

هناك فارق كبير بين الإثنين باستثناءنا نحن الذين لم نتغيّر كثيراً ونحبّ أن نمنح مشحات ألوهية إلى بعض الوجوه والشخصيات، ونصرّ على البقاء داخل المزرعة الفكرية التي نعيش فيها ونسكّر بابها كلّما فُتِحَ لنا.

البعض منّا يلوم الطائفية، والبعض يلوم التحزّب، والسياسيين، والواسطة والمحسوبية والزعرنات… دخلك، ليس مطلوب منك أن تغيّر أنظمة ولا تُسقط حكّاماً، لكن متى سنتعلّم أنت وأنا أن ننكز أنفسنا بمطرح بيوجّع ونلوم أنفسنا على استمرارنا في إخبار العالم أجمع، وليس فقط أهل القرية، أننا نسمح للإقطاع الحديث أن يعاملنا كربع مواطنين.

متى سنتوقف عن التباهي أمام البشرية أننا ندفع فواتير كهرباء وليس لدينا نور، ندفع فواتير ماء وتمّنا مليّف، ندفع فواتير اتصالات وما في كونيكشن، ندفع الضرائب وما عنّا خدمات وتعليم واستشفاء.

متى سنتوقف عن المساهمة في نجاح قسم كبير من أشباه الفنانين والملحنين والمطربين والشعراء والمخرجين والمصوّرين الذي يسرقون كامل إنتاجاتهم عن أعمال أجنبية ولا يتركون برنامجاً إلّا ويظهرون فيه للدفاع عن حقوقهم الفكرية واستهبالنا.

متى سنخجل أمام الناس من أننا ندفع ميكانيك سياراتنا فيما لا أحد مسؤول يكلّف نفسه دفع أجرة تصليح حفرة أو مطبّ أو خندق أو تزفيت طريق ووضع إشارة مرور؟ متى سنلوم أنفسنا على منع تصوير القبلات في الدراما اللبنانية فيما نسمح بإنتاج الأعمال المسروقة والهابطة؟ متى سنلوم أنفسنا على وضع صوت «توت» مع كلّ لفظة طيز وبزّ على التلفزيون ونسمح بتمرير Fuck؟ أيمتى رح نبطّل منافقين؟

هل تعتقد أن بناء الأوطان يبدأ من فوق؟ إنت غلطان، لأنه يبدأ بورقة كلينكس ملمومة عن الطريق، أو أن تعتبر نفسك مواطن وليس عبداً.

«البيك شخّ عند جدودنا، بس اليوم الكلّ عم بيشخّ علينا… نعيماً.»

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل