سجون وساحات – روكز مزرعاني: المقاومة بالصلاة والنضال والكلمة

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1475

الجزء الأول

بدايته مع المقاومة تعود الى السبعينات يوم كان طفلًا يراقب الشباب المقاومين وهم يدافعون عن المنطقة التي ولد فيها ناحية بلدة بعبدات – السفيلة مقابل خطوط التماس مع صاليما. وعندما بلغ الحادية عشرة، وككثير من الشباب المسيحي بدأ يتردد على حاجز لـ”القوات اللبنانية” قرب بيته يسمع ويتعرف الى “القوات” التي نشأت في غياب الدولة ولتتولى مهمة الدفاع عن الكيان المسيحي الذي ينتمي إليه، مع غياب القرار السياسي لمواجهة الفصائل الفلسطينية واحتجاز الجيش في الثكن بدلًا من الدفاع عمن كانوا يحاولون سرقة الوطن. ولما سمع أن سمير جعجع ذاك الشاب الشمالي يأتي الى بعبدات بدأت مسيرة التزامه القواتي بخط ذاك القائد الذي آمن بخياراته قبل أن يعرفه ولم يتزعزع إيمانه كأنه حبة الخردل.

عن أحداث كثيرة مرت قبل واثناء أعوام الاضطهاد يروي روكز مزرعاني فصولًا من حياته مع سمير جعجع.. وفريد جعجع.

لم يحمل سلاحاً لصغر سنه لكنه قرّر ان يقاوم من حيث هو في مدرسة الفرير- مون لاسال فتولى رئاسة خلية طلاب “القوات”. ميوله الى “القوات اللبنانية” جسّدت قناعته بخط الرئيس الشهيد بشير الجميل، وترسخت هذه القناعة أكثر مع سماعه عن قائد من الشمال كان اسمه يتردّد أمامه كبطل من جبهة الشمال الى حرب الجبل. وكان هذا البطل يزور الشيخ يوسف الضاهر الذي يصطاف في بعبدات. روكز ورفاقه كانوا ينتظرون هذه الزيارة ليشاهدوا سمير جعجع ينزل كل مرة من سيارة الـ “بي ام” القديمة ويدخل لزيارة الشيخ. من حينه بدأت علاقة روكز بالحكيم لكن من بعيد.

بعدها اقتربت المسافة من خلال مصافحة عادية. ويروي روكز “كان ذلك في العام1987 في ذكرى انتفاضة 15 كانون الثاني على مسرح جامعة الحكمة في الأشرفية حيث صافحته للمرة الأولى. ثم من خلال زيارة خاصة مع داني طوق شقيق ستريدا الى غدراس، يومها أخبرته أننا ورفاقي كنا ننتظر زياراته الى بعبدات. استنكر يومها وقال لي “وليش ما كنتو تحكوني!؟”.

 التحق روكز بدورات الاعداد الفكري في معهد بلونة، كان الأصغر سنًا صحيح لكن الأكبر حماسة ربما لاستيعاب الفكر المقاوم ونقله لاحقًا الى خلية الطلاب في جامعة الحكمة التي تخرّج منها في ادارة الاعمال. وخلال حرب الالغاء بقي روكز في بلدته بعبدات فتعرض للتوقيف والتحقيق مرتين من قبل “جيش عون” هو وشقيقتاه “لأن الأولى متزوجة من شاب “قواتي” من الأشرفية وممنوع عليها أن تتجول بين الأشرفية وبعبدات لزيارة أهلها وفق تدابيره الأمنية. أما الثانية فلأنها ترافقني دائمًا وكنا نأتي معًا الى منطقة كسروان عبر معبري نهر الكلب او القليعات لنتواصل مع الشباب ونأخذ مجلة “المسيرة” معنا “تهريب” تحت ثيابنا ونصور من الأعداد نسخًا نوزعها على المناصرين في المنطقة. سنتين ما كانوا هينين، بس مرقوا”.

ابان حصار غدراس وبعد تفجير كنيسة سيدة النجاة كان روكز يتابع دورة طلائع وكان الشعور بالخوف على الحكيم سائدًا والكل قلق من تهديد سلطة الوصاية بتوقيفه، “على رغم كل التحضيرات لاستيعاب أسوأ السيناريوهات إلا أن لحظة توقيف الحكيم كسرت قلوبنا وكأننا لم نتحضر أبدًا، دخلنا في مرحلة ضياع تام. وجزء كبير من الناس صدّق الكذبة. القوات فجّرت الكنيسة. القوات عملت…. بروباغندا أجهزة سلطة الوصاية على الطريقة “الستالينية” نجحت في التأثير على الرأي العام، حتى بات من حولنا ينظر الينا وكأننا مخلوقات فضائية مجرمة وصلنا حديثًا الى البلد، وكأنهم لم يعرفوا طينتنا وأخلاقنا يومًا!. لذا إتخذت خياري بالمقاومة منذ اعتقال الحكيم وحتى تحرّره، على 3 جبهات: اولًا بالصلاة. ثانيًا بالنضال. وثالثًا بالكلمة والكتابة.

 كابيلا القديس شربل في مدرسة القلبين الأقدسين أصبحت ملاذا يوميًا لي للصلاة على نية الدكتور جعجع، اتخذت ذلك نذرًا علي لحظة اعتقلوه والى أن يطلق سراحه. والمسبحة التي حملتها يومها للصلاة بقيت في عنقي أصليها كل يوم الى أن خرج الحكيم من السجن وعندما التقيته في الأرز أعطيته إياها، فيوم تحرّر من المعتقل ووافيناه الى المطار لم يسمح الظرف والازدحام بان أعطيه إياها”.

 أما النضال فكان الى جانب ستريدا. يتذكر روكز ذاك اليوم “طلعت لعند ستريدا من دون ما كون بعرفها سابقًا، قلتلا “أنا مستعد وجاهز لأي شي فينا نخدم فيه بالأطر القانونية قضية الشباب والظلم علين وعلى الحكيم”.

وبعد عام ونصف العام من النضال إكتشفنا أن الأجهزة الأمنية لم يكن لديها شغلة او عملة إلا ملاحقتنا ومراقبة تحركاتنا. وإذا فاق عددنا الاثنين في أي لقاء فهذا يعني ملاحقة وتوقيفاً في اليوم التالي للتحقيق معنا. وكل الأمور الأمنية الخطيرة التي كانت تحدث في البلد لم تكن تهمهم لأن أجهزة الوصاية السورية هي التي تتولاها بالطبع.

في العام 1994 وبعد توقيف الحكيم علمت أن الرفيق ريمون ناضر مرّ باختبار عجائبي مع القديس شربل وبدأ هو والرفيق بول عنداري بتنظيم لقاء صلاة في دير عنايا كل يوم جمعة. فقررت ان انضم الى جماعة المصلين، والتزمت بها حتى العام 2002. جماعة الصلاة لم ترق للأجهزة الأمنية حينذاك باعتبار أن المسؤولين عنها قواتيان سابقان، فراحوا يضايقوننا حتى كانوا يقطعون التراتيل وصلوات الزياح لتصدح الشتائم والتهديدات أعلى من صلاة الأبانا! كانوا يتعرضون لنا بالضرب حتى أثناء مسيرة الزياح الى المحبسة كي نخاف ولا نعود الى التجمّع. ومع ذلك لم نخف وأنا شخصيًا التزمت بعائلة مار شربل وتوليت مهمة العزف على الأورغ مع جوقة القداس طيلة السنوات بين 94 و2002 عندما تزوجت وضاق وقتي بسبب مسؤولياتي العائلية وعملي”.

أما على مستوى المقاومة بالكلمة فيعتبر روكز أنه حمل القلم سلاحًا في الوقت الذي لم يعد السلاح خيارًا لـ”القوات اللبنانية” بقرار من قائدها الذي دخل في مشروع بناء الدولة وأسقط من حسابات “القوات” خيار الحرب. يشرح هنا  “التقيت في العام 1995 نوفل ضو في بيت الحكيم في  يسوع الملك وسمعته يقول للشباب أنه سيبدأ بمشروع مجلة “حرمون” التي ستتولى الدفاع عن المقاومة الى جانب مجلة “المسيرة” ضد الإعلام الذي كان مجندًا لتشويه صورة “القوات” وقائدها. فقلت له مباشرة أنني أريد أن أكتب معه. سألني ما إذا كنت أجيد الكتابة فأجبته بالنفي فقال “ما عندي وقت علمك بس بما إنو حابب كتير فيني قلك شو بدك تكتب وبتلاقي حدا يصلحلك وأكيد الشغل من دون مقابل”. قبلت فقط لأشعر بأنني أؤدي واجبًا للقضية التي آمنت بها. وبعد عامين صرت كاتبًا جيدًا لكن نادرًا ما كنت أوقع المقالات بإسمي بل بإسم مستعار لأسباب أمنية كي لا أشرب قهوة المخابرات بعد كل مقال.

بعد 5 أعوام في “حرمون” انتقلت الى “نهار الشباب” وتعرفت الى الشهيد جبران تويني، وأكملت الكتابة بإسمي المستعار بيار فرح. في هذه المرحلة توسعت مروحة معارفي من الشباب من كل الطوائف والتيارات الحزبية، وكانت مسألة الظلم اللاحق بالدكتور جعجع و”القوات اللبنانية” أوضح للشباب خصوصًا غير المسيحي، ومن الأخصام حتى، وأن الملفات التي فصّلت وفبركت خصيصًا لسجنه وإسكاته كلها ملفقة. لذا كانوا من المتعاطفين مع قضية الدكتور جعجع ومنهم من كان يعبّر عن ذلك بين الأسطر بكتاباته بينما كنا نحن نكتب بشكل مباشر عن القضية. أذكر مقالاً عنونته “في حضرة الخليفة” فأرسل بطلبي الشهيد جبران وقال لي “هذه المقالة لا يمكن أن تمرّ، رح يخربوا الأرض تيعرفو مين “بيار فرح”، وإنت بهالكلام اللي كاتبو حللت دمك. و”نهار الشباب” حتى ما بتحمل هالكلام الكبير”. المقالة ما زالت عندي ولم تنشر.

عندما صدر الحكم الأول في حق الدكتور جعجع في قضية إغتيال الشهيد داني شمعون وعائلته كنت مع الرفاق في قاعة المحكمة، وعلى رغم استعداداتنا للأسوأ وعلى رغم غياب الدكتور جعجع عن الجلسة لأنها كانت مخصصة للحكم، إلا أن مجرد لفظ حكم الإعدام المخفّف الى المؤبد طيَّر عقلنا وماجت القاعة بامتعاض وصراخ الحاضرين وانسحب هذا الجو الى بوابة المجلس العدلي حيث حصل تشابك بالإيدي بيننا وبين القوى الأمنية، كان الجو ضاغطًا وكان همنا أن تخرج ستريدا بأمان. كانت صدمة لنا، الكل غاضب يبكي، إلا ستريدا التي تمالكت نفسها وبقيت أقوى من الجميع هي والعم فريد اللذان كنا نستمد منهما القوة.

علاقتي بالعم فريد توطدت كثيرًا بعد حادث السيارة الذي اضطره للبقاء في مستشفى بحنس أشهرًا للمعالجة الفيزيائية، كنت كل ليلة أصلّي معه المسبحة على نية الحكيم، صرنا كتير كتير قراب من بعضنا، وكنت دائمًا أصلي لكي يعطيه ربنا القوة ليتقبل أسوأ النعوت التي الصقت بابنه، ومع ذلك كان دائمًا هادئاً ويصلي. ويوم دفنه جلست قرب الحكيم وقلت له: “إنت بتعرف إنو العم فريد ما كان عندو إلا همّ واحد إنو ما يموت قبل ما يشوفك طالع من الحبس! كان يقلي “بس يطلع سمير رح قول “هلأ صار فيي قول أطلق عبدك يا رب”، قلي الحكيم “وأنا كمان كان همّي إنو ما يموت بييّ قبل ما إطلع من الحبس، كنت عم صلي كل يوم على هالنية. لو مات وأنا جوا شو كنت عملت؟!”.

كان العم فريد يردّد قدامنا على طول ” ما بيصح الا الصحيح وهيدي غيمة سودا وبتمرق وبيطلع سمير”، تاري الحكيم آخد هالمقولة من والده!. ولا مرة شفتو غضبان او عم يسبّ، أكتر شي كان يقولو لما يكون زعلان “يا رب بيكفي هالقد!” أكيد نفسو بالسما، اذا السما ما بدا تليق بشخص متل فريد جعجع بمين بدها تليق”؟. 

يتبع: استدعاء المخابرات السورية وتدخل البطريرك صفير ورسالة باليد الى البابا يوحنا بولس الثاني.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل