
يحسب “حزب الله” جيدًا في كل القضايا الأمنية والعسكرية والسياسية. يحافظ على أرصدته ويعمل على زيادتها ويفتح حسابات للجميع ويحاسبهم على طريقته. ولكنه في المقابل يعتقد ويتصرف على أساس أنه فوق المحاسبة. لا يمكن مساءلته في أية قضية ولا يقبل النقد والمراجعة. ألم يقل أمينه العام السيد حسن نصرالله إنه لا يستشير أحدًا ولم يستشر أحدًا عندما بدأ كل حروبه الكثيرة وأنه لا يحتاج إلى إجماع ولا إلى مشاركة في القرار؟ وأن المتهمين من حزبه باغتيال الرئيس رفيق الحريري قديسون ولا يمكن أن تطالهم المحكمة الدولية لا اليوم ولا بعد 300 عام؟ ولكن هل يمكن أن يبقى الحزب فوق المحاسبة؟ أم أن وقت دفع الأثمان والحسابات قد حان؟ وهل معركته ضد العقوبات الأميركية والمصارف اللبنانية الملزمة بتطبيقها ستكون رابحة؟ وهل صار الحزب رصيدًا من دون حساب وهو عاجز عن فتح حساب في مصرف؟
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 حصلت سلسلة عمليات تفجير ارتدادية في عدد من المناطق اللبنانية معظمها في تلك التي كانت تسمى الشرقية. في برمانا والكسليك والمكلس وجل الديب وجونيه والبوشرية ومونو والجعيتاوي والأشرفية وذوق مصبح وعاليه وفردان. معظم هذه التفجيرات حصل في الليل ولم يؤدِ إلى وقوع ضحايا كثر إلا من صودف وجودهم في المكان وكان عددهم قليلاً. صورة هذه التفجيرات عادت إلى الضوء عندما حصلت عملية التفجير قرب بنك لبنان والمهجر في شارع فردان ليل الأحد 12 حزيران الحالي من دون أن يغيب عن الذاكرة اغتيال النائب وليد عيدو في 13 حزيران 2007 ولا اغتيال الصحافي سمير قصير في 2 حزيران 2005 ولا اغتيال الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي في 21 حزيران من العام نفسه ولا كل الإغتيالات ومحاولات الإغتيال التي طالت في أوقات متفرقة قيادات من قوى 14 آذار من مروان حماده إلى اللواء وسام الحسن والوزير محمد شطح مرورًا بمي شدياق وجبران تويني وأنطوان غانم وبيار الجميل ووسام عيد.
لا شك في أن الطريقة التي نفذت بها عملية تفجير الـ”بلوم بنك” تستدعي إعادة فتح الدفاتر القديمة والعودة إلى مسارح تلك التفجيرات لدراستها ومقارنتها والربط بينها لمعرفة ما إذا كانت واحدة ومترابطة ومتشابهة أو ما إذا كان بالإمكان الإستنتاج أن منفذها واحد لأن الأسلوب واحد وينتمي إلى مدرسة واحدة في علم التفجير والإغتيال والجرائم والتفخيخ حتى ولو كان من الصعب أو المتعذر معرفة هوية الأشخاص الذين تولوا التنفيذ مباشرة على الأرض وكانوا أدوات تلك الإيديولوجيا التي تقوم على الترهيب والعنف وكتابة الرسائل المباشرة بالدم من أجل أن يستوعب المعنيون الخطر الذي يتهددهم ويقرأوا التهديد على حقيقته ويتصرفوا على هذا الأساس.
ليست مشكلة “حزب الله” مع المصارف اللبنانية ولا مع مصرف لبنان ولم تبدأ في الشكل والمضمون مع صدور القانون الأميركي الذي يفرض العقوبات على المصارف التي تتعامل معه. القطاع المصرفي اللبناني هو أيضًا ضحية هذه القرارات وهو ملزم تطبيقها ولا يستطيع الحزب أن يفرض عليها عدم فعل ذلك لأن خطر عدم الإلتزام على لبنان أكبر بكثير وبدل من أن يكون الضرر محصورًا بحسابات “حزب الله” يصبح ضررًا على كل اللبنانيين. فهل يمكن أن يتصرف الحزب على قاعدة علي وعلى أعدائي وأصدقائي يا رب أم ينصاع للتدابير ويحاول أن يتخطاها بأقل قدر من الأضرار أم يتصرف على القاعدة التي سلكها في طريقه إلى حروبه الكثيرة المدمرة للبنان واقتصاده من دون أن يسأل اللبنانيين عن رأيهم في هذه الحروب؟
منذ صدر القرار 1559 في أيلول 2004 بدا وكأن “حزب الله” وضع تحت المراقبة الدولية وتم ربط مصيره بمصير النظام السوري من خلال الربط بين سحب هذا النظام قواته العسكرية ومخابراته من لبنان ونزع سلاح “حزب الله”. وإذا كان النظام السوري انصاع مرغمًا وسحب جيشه فإن “حزب الله” حاول أن يرثه وأن يتعاطى مع القرار وكأنه لا يعنيه بالمرة. لا تكمن أهمية ذاك القرار بما خص حزب الله ونظام الأسد فقط بل بما رسمه للبنان من دور ونظام مستقبلي كدولة تتمتع بالسيادة. “حزب الله” تصرف دائمًا على أساس أن العودة إلى الدولة والسيادة ممنوعة. ضمن هذا السياق أتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي كان سيشكل مع البطريرك صفير ووليد جنبلاط أسس المعارضة لاستمرار الوصاية السورية على لبنان ولذلك خاض حرب تموز في العام 2006 وحاصر السراي الحكومي لإسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بالقوة ولذلك رد على قرارات الحكومة بمنع تمديد شبكة اتصالاته بعملية 7 أيار في العام 2008 وأسقط حكومة الرئيس سعد الحريري في كانون الثاني 2011 وفرض تشكيل حكومة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي ولكنه لم يكن ينتظر أن يبدأ تداعي النظام السوري في 15 آذار 2011 في درعا وأن يضطر إلى التورط في الحرب السورية من دون وجود أي احتمال للنصر فيها ومن دون توفر أية إمكانية له للخروج منها.
في كل حروبه غطى “حزب الله” نفسه بالطائفة الشيعية وعمل على اختصارها وإلغاء شخصيتها وربط مصيرها بمصيره ليصبح انتصاره المستحيل انتصارًا لها وهزيمته هزيمة لها وقد باتت هذه الطائفة تدرك تباعًا خطورة النفق الذي دخلته مع الحزب أو أدخلها فيه من دون وجود أي ضوء فيه ينبئ باقتراب موعد الخروج. كأن المرحلة الحالية هي مرحلة دفع الأثمان فقط.
وفي حربه المالية الجديدة لم يشذ “حزب الله” عن القاعدة. لم تعد المسألة تتعلق بحساباته في المصارف بل وسع الدائرة ليضع فيها أموال الطائفة الشيعية ليقول إن الحملة الأميركية لا تستهدفه بل تستهدف كل الشيعة في لبنان وأن المصارف اللبنانية لا تقفل حساباته لوحده بل ستعمل على إقفال حسابات كل الشيعة. وفي هذه العملية الخطيرة عليه وعلى الشيعة وعلى لبنان يعمم الحزب مبدأ التقسيم الشامل: بعد الخصوصية الأمنية والخصوصية العسكرية وفدرالية الكهرباء والنفايات بات يتحدث عن المال الشيعي وكأن هناك مالاً مسيحيًا ومالاً سنيًا ومالاً درزيًا في لبنان على رغم أن المصارف التي تلتزم مرغمة تطبيق قانون العقوبات الأميركية تنتمي إلى كل الطوائف واستطاعت على مدى أعوام الحرب وما بعد الحرب أن تجتاز كل المراحل الصعبة وتؤسس لاقتصاد ناجح وتجربة رائدة وخير دليل إلى ذلك أنها بقيت متضامنة في مواجهة عقوبات “حزب الله” وفي تطبيق عقوبات واشنطن.
من مصلحة المصارف عادة أن تفتح صناديقها للحسابات الجارية أو المجمدة. وهي تمتلك حرية قبول أي حساب أو رفضه بغض النظر عن أي قرار أميركيًا كان أو غير أميركي. ولذلك ليس من مصلحتها التخلي عن أي حساب وإقفاله إلا إذا كانت مرغمة على ذلك. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى التزامها تطبيق العقوبات الأميركية. ليست هذه مشكلة المصارف أو مصرف لبنان بل مشكلة “حزب الله” الذي يحاول أن يحلها بالضغط على المصارف والتهويل عليها وتهديدها. لقد بنى الحزب رصيده على دعائم كثيرة بدا وكأنها صارت مهددة بالتداعي واحدة بعد الأخرى. ترسانته العسكرية تتآكل في سوريا. منذ خمسة أعوام وهو يتكبد الخسائر الفادحة. آلاف المقاتلين منخرطون في الحرب. مئات القتلى يسقطون. أبرز قياداته العسكرية فقدها هناك. ومع ذلك هو مرغم على تكبد المزيد من الخسائر. خلاياه الأمنية وشبكاته العنكبوتية تتآكل. من اغتيال عماد مغنية إلى مقتل مصطفى بدر الدين لا يبدو أن الحزب في وارد تعويض الخسائر. رصيده الشعبي سقط على مستوى العالم العربي الذي بات يتهمه أيضا بالإرهاب. هذه المرة حان دور أرصدته المالية. بعد الإستنزاف العسكري عليه أن يواجه الإستنزاف المالي. لا تتعلق المسألة بما يجب على حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامه أن يفعله ولا على المصارف أو جمعية المصارف لتجنيب “حزب الله” خطر العقوبات الأميركية بل بما على الحزب أن يفعله ليجنب لبنان هذا الخطر. صحيح أن الحاكم سلامه ووفد جمعية المصارف زاروا واشنطن للمراجعة في آليات تطبيق تلك العقوبات. ولكن الصحيح أيضًا أن مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم ووفدًا نيابيًا برئاسة النائب ياسين جابر ووزير المالية علي حسن خليل زاروا واشنطن أيضًا لهذه الغاية ولم يعودوا بأي تطمينات. وصحيح أيضًا أن مساعد وزير الخزانة الأميركي دانيال غلايزر زار لبنان والتقى الرؤساء تمام سلام وسعد الحريري ونبيه بري واللواء ابراهيم وجمعية المصارف ليتأكد بعد ذلك أن ما كتب في واشنطن لا يمكن أن يمحى في بيروت. ولذلك لا يمكن “حزب الله” أن يلقي تبعة أفعاله على الآخرين. فلماذا لم يسأل الرئيس بري أو وزير المالية مثلاً عن سبب عدم شمولهما مع “حركة أمل” بالقرارات الأميركية؟ ولماذا يحاول أن يربط مصير حساباته بمصير حسابات الطائفة الشيعية وهي غير مربوطة؟
إذا كان الحزب يخوض اليوم حربه في سوريا فلماذا لا ينقل أمواله إلى سوريا وإيران؟ وإذا كان لا يجد حسابات لأرصدته المالية في المصارف اللبنانية فإنه من الممكن أن يجد نفسه بسبب سوء الحسابات من دون رصيد ومن دون حساب.