خاص “المسيرة” – واشنطن: “حزب الله” في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة

كل الدلائل هنا في واشنطن تشير إلى أن مفاعيل الاتفاق على برنامج إيران النووي مع مجموعة الدول خمسة زائداً واحداً والذي عملت إدارة الرئيس باراك أوباما على إنجازه قبل انتهاء ولايته توقفت عند الهدف الرئيس من هذا الاتفاق ألا وهو وقف طموحات إيران النووية مقابل إغرائها برفع مشروط للعقوبات والإفراج عن مبالغ معينة كانت مجمدة بفعل العقوبات. وبالتالي بقي إستهداف إيران على دورها الإقليمي السلبي قائمًا، مع ما يعني ذلك من دعمها لمنظمة “حزب الله” التي تنفذ أوامر الولي الفقيه في تقوية وجود إيران العسكري والسياسي والديني في المنطقة بدءاً من اليمن مروراً بالعراق، ووصولاً إلى سوريا، وأخيراً لبنان وكل ذلك يهدف بالدرجة الأولى إلى تقويض أسس ومفاهيم الدولة والمؤسسات في هذه الدول، وتقديم دور “حزب الله” على ما عداه من منظومات شرعية تحكم عمل الدول. 

 في حين تكشف بعض المصادر في العاصمة الأميركية أن إدارة أوباما مع ما تبقى لها من شهور قليلة في الحكم فضلت وعملت أيضاً على المهادنة مع أدوار إيران الإقليمية، وسلوك طريق التباعد شيئاً فشيئاً عن دول الخليج المصنفة تاريخياً حليفة للولايات المتحدة، لا بل الوصول إلى انتقاد علني لأداء الحلفاء الخليجيين في ملفاتهم الداخلية والخارجية وتركهم يتخبطون لوحدهم بالأزمات المختلفة، إلا أن هذه المصادر تعتبر أن المؤشرات على أرض الواقع لا ولن تسمح لهذه الإدارة بتجاوز سلسلة من الخطوط الحمر التي لطالما انتهجتها الولايات المتحدة في ما يتعلق بسياستها ومصالحها الذاتية كدولة عظمى أولاً، وحول مصالحها الخارجية التي لن تستطيع أن تنقلب عليها وعلى حلفائها كما على ثوابتها في الوقت ذاته ثانيًا.

خطر “حزب الله” العالمي

بناء على هذا الأمر، تأتي الخطوات الأميركية المتصاعدة ضدّ “حزب الله” في سياق التركيز على خطره الإقليمي والدولي والمحلي على حدّ سواء، وهذا الخطر يتأتى وفق مصادر متابعة في واشنطن ليس فقط عبر دور هذه المنظمة الإرهابي مع ما يتصل ذلك من عمليات عسكرية وأمنية يقوم بها حالياً في سوريا والعراق واليمن، يضاف إلى ما قام به على هذا المستوى في لبنان، وإنما ينبع هذا الخطر الذي تعمل الولايات المتحدة على لجمه ووقفه بشتى الطرق التي تجيزها القوانين المحلية والدولية من أماكن أخرى، بعد انكشاف كل أدوار وعمليات الحزب على مستوى تهريب الأموال أو تبييضها، وتهريب المخدرات، وغيرها من العمليات غير المشروعة التي يقوم بها على المستوى العالمي وباتت تصنف في خانة الجريمة المنظمة على مستوياتها كافة.

فبعد وضع قانون تشديد العقوبات على “حزب الله” موضع التنفيذ كرّرت الإدارة الأميركية التأكيد أن هذا القانون لا يستهدف مطلقاً لبنان عبر مؤسساته المالية العامة والخاصة، وهو يسعى عملياً إلى وضع حدّ لأنشطة “حزب الله” على هذه الصعد.

وشهدت الجلسة الأخيرة للجنة الخدمات المالية التي عقدتها تحت عنوان “العدو في الفناء الخلفي لحديقتنا- دراسة تمويل تيارات الارهاب من أميركا الجنوبية”، مفاجأة من العيار الثقيل ، حيث كشف الرئيس السابق للعمليات في وكالة إدارة مكافحة المخدرات مايكل برون Michael Braun أن “حزب الله” يحرّك الأطنان من الكوكايين من أميركا الجنوبية نحو أوروبا في سياق ما وصفه أمام أعضاء اللجنة بأنها واحدة من المخططات الأكثر تطوراً لغسل الأموال التي لم نشاهدها من قبل، مشيراً إلى أن “حزب الله” سعى ويسعى إلى توسيع شبكة اتصالاته الدولية تماماً كما يفعل تنظيم “داعش وتنظيم “القاعدة” وغيرهما من التنظيمات الإرهابية ذات الصلة.

دوره في دول أميركا الجنوبية

وكانت وكالة إدارة مكافحة المخدرات أعلنت في شهر شباط الماضي، اعتقال عدد من عناصر “حزب الله” بتهمة العمل مع كارتل المخدرات في كولومبيا، وهي الطريق الرئيسية لتهريب المخدرات إلى أوروبا وغسل الأموال عن طريق لبنان. هذه الاعتقالات جاءت على خلفية تزايد المخاوف في واشنطن من وجود صلات بين الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط وتلك الجماعات المنتشرة في عدد من الدول الغربية.

ولعل ما يبرر تزايد الضغط على “حزب الله” هو القلق الحقيقي من تسلل عناصر تابعة مباشرة له أو تدين له بالولاء إلى حدود الولايات المتحدة وحتى إلى الداخل الأميركي، وفي هذا السياق أبدى مسؤولون أميركيون تخوفهم في شأن التهديدات الأمنية التي تأتي من عناصر متواجدة في أميركا الوسطى والجنوبية، وبحسب عدد من التقارير الاستخباراتية، فإن مسؤولي الهجرة يتعقبون مثل هذه العناصر التي تمكنت من التسلل مع مهاجرين غير شرعيين قدموا من دول شرق وجنوب آسيا الوسطى مباشرة إلى عدد من الدول القريبة من حدود الولايات المتحدة، وتكوّن شكوك حول مساعدة عنصر أفغاني تقول السلطات الأميركية إنه كان جزءا من مؤامرة لتنفيذ هجوم في أميركا الشمالية.

 وبحسب وثائق حكومية اطلعت عليها صحيفة “الواشنطن تايمز” فإن السلطات تشتبه في تهريب إثني عشر شخصاً من الشرق الأوسط إلى عدد من الدول الغربية عن طريق شبكة مقرها البرازيل، وربطتهم بشبكة أخرى في المكسيك قد تكون نقلت بعضهم إلى مناطق قريبة من الحدود الأميركية.

ومما زاد المخاوف من أنشطة “حزب الله” في أميركا اللاتينية إعلان وكالة مكافحة المخدرات في فبراير شباط ان كبار النشطاء في المجموعة التي تعرف تحت إسم مجمع الشؤون التجارية أو BAC “، قد أنشأت علاقات تجارية مع أبرز عصابات تهريب المخدرات في أميركا الجنوبية مثل مجموعة   Oficina de Envigado ومقرها كولومبيا، وهي عصابة جريمة مسؤولة عن توريد كميات كبيرة من الكوكايين إلى أسواق المخدرات في أوروبا والولايات المتحدة.

وقالت وكالة مكافحة المخدرات إن العديد من نشطاء المجموعة التجارية جرى القبض عليهم في أوروبا بتهم تهريب المخدرات وغسل الأموال من أميركا الجنوبية لشراء الأسلحة وتمويل الأنشطة العسكرية لـ”حزب الله” في سوريا. ووصفت الوكالة هذه الشبكة بأنها من الشبكات الناشطة والمعقدة من شبكات التعامل بالمال، وهي تتولى جمع ونقل ملايين اليورو من عائدات المخدرات من أوروبا إلى الشرق الأوسط. وتشير التقارير الاستخباراتية إلى أن العمولات والنقود دفعت في كولومبيا لتجار المخدرات، وأن المعلومات كشفت أن القسم الأكبر من عائدات المخدرات جرى تحويله مباشرة إلى لبنان وأن نسبة كبيرة من هذه العائدات تستفيد منها المنظمات الإرهابية، ولا سيما “حزب الله”. وقالت وكالة مكافحة المخدرات إن سبع دول من بينها فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا، تتولى التحقيق في عمليات أخرى.

وخلال جلسة لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأميركي أيضاً طالب ايمانويل أوتوليناي  Emanuele Ottolenghi، وهو كبير الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والمتخصص بشؤون التمويل غير المشروع التي تقوم به إيران، طالب الكونغرس والإدارة الأميركية باستخدام القانون من أجل “التركيز بقوة” على وجود “حزب الله” في أميركا اللاتينية.

وأشار أوتوليناي إلى شبكة واسعة من الدعم تحظى بها منظمة الحزب ولا سيما في البرازيل، التي يعيش فيها نحو سبعة ملايين من أصل لبناني، بما في ذلك ما يقدر بنحو مليون شخص من المسلمين الشيعة، وقال إن “حزب الله” يولد الولاء بين المجتمعات الشيعية المحلية في هذه الدولة من خلال إدارة الهياكل الدينية والتعليمية، ومن ثم يعزز الولاء لالتماس الحصول على الأموال واستخدام الصلات التجارية لمصلحته الخاصة، بما في ذلك، بشكل حاسم، تسهيل التفاعل مع الجريمة المنظمة”.

وكشف تقرير أوردته صحيفة “أو غلوبو” البرازيلية عن خطوط العلاقة بين “حزب الله” والمجموعة التي تعرف بإسم PrimeiroComando da Capital بريميرو كوماندو دا كابيتال، وهي عصابة من السجناء مقرها ساو باولو، وتعتبر على نطاق واسع أنها من بين أكبر الجماعات المصدرة للكوكايين.

الحزب إستهدف أميركيين

وفي سياق متصل أدلى مساعد وزير الخزانة الاميركية لمكافحة تمويل الإرهاب دانيال غلايزر بشهادة مطولة أمام اجتماع مشترك في مجلس النواب ضمّ: اللجنة الفرعية لشؤون مكافحة الإرهاب ومنع الانتشار النووي والتجارة التابعة للجنة الشؤون الخارجية، واللجنة الفرعية المعنية بالتهديدات والقدرات الناشئة التابعة للجنة الخدمات المسلحة، وهذه الشهادة تناولت بالتفصيل الحديث عن معظم التنظيمات الإرهابية، ولا سيما “حزب الله” حيث أعلن غلايزر صراحة أنه قبل هجمات الحادي عشر من أيلول التي نفذها تنظيم “القاعدة” ضدّ الولايات المتحدة، فإن حزب الله قتل واستهدف أميركيين أكثر من أي مجموعة إرهابية أخرى في التاريخ، وهو لا يزال في إطار التخطيط لهجمات إرهابية في جميع أنحاء العالم، منها التفجير عام 2013 في بلغاريا، والمؤامرات التي نفذها في قبرص في عام 2012 وعام 2015، وفي البيرو وتايلاند في عام 2014. وأكدّ غلايزر أن “حزب الله” يتلقى مئات الملايين من الدولارات، من إيران، فضلا عن ملايين الدولارات من شبكة عالمية من المؤيدين والشركات، ويستخدم حزب الله شبكة نائية من الشركات والسماسرة لشراء الأسلحة والمعدات وغسل الأموال.

وقال إن الإجراء الأميركي ركز على “تقييد تمويل الحزب داخل لبنان عبر تعاون واسع مع السلطات اللبنانية والمصارف، واستهدف على الصعيد العالمي، الوكلاء والممولين في أوروبا وأميركا اللاتينية وشرق آسيا والشرق الأوسط، عبر تحديد ومعاقبة الجهات الإيرانية الراعية للحزب وتمكين المكلفين بإنفاذ القوانين والشركاء الخارجيين من اتخاذ الإجراءات”.

ولفت غلايزر الى ان الولايات المتحدة ومن أجل أن تتأكدّ من عدم استغلال القطاع المالي من “حزب الله”، فرضت تدابير مالية صارمة، وعقوبات على أكثر من 100 شخص ينتمون للحزب والكيانات التي تشكل البنية التحتية التنظيمية والشبكات المالية والتجارية، بمن فيهم رجل الاعمال المقيم في بيروت علي يوسف شرارة (في كانون الثاني 2016)، والبنك اللبناني الكندي عام 2011، ومؤسسات قاسم ورميتي وحلاوي عام 2013 لنشاطها في غسل الاموال لمصلحة الحزب بموجب المادة 311 من قانون “باتريوت”،  وأدت النتائج التي توصلت إليها الولايات المتحدة بالحكومة اللبنانية إلى إتخاذ إجراءات ضد هذه المؤسسات ومنها إغلاق البنك اللبناني الكندي”.

وعرض غلايزر لسلسلة من الإجراءات التي أتخذتها الولايات لتعطيل عمل الأشخاص الذين يقومون بعمليات التوريد المالية وشبكات المشتريات التي تعمل من خارج لبنان، موضحا أنه تمّ إدراج أنصار الحزب في أكثر من 20 بلدا، بما فيها أميركا اللاتينية وغرب أفريقيا وكافة أنحاء الشرق الأوسط. “وعلى سبيل المثال، شمل الإدراج في تشرين الثاني 2015 وتموز 2014 “ستارز غروب القابضة” والشركات التابعة لها لقيامها بشراء معدات عسكرية نيابة عن الحزب في عدد من الدول من بينها الصين، إضافة الى الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس وقائده قاسم سليماني وبنك صادرات إيران (وهو مؤسسة إيرانية تستخدم لتوفير عشرات الملايين من الدولارات للحزب) وأكثر من 50 من الأفراد والكيانات الإيرانية ذات الصلة”. وأكد أن أميركا وسّعت ادوات منع تمويل “حزب الله” في 2015 مع قانون العقوبات HIFPA “الذي يشكل استمرارا لسياسة الولايات المتحدة في القضاء على مالية الحزب وإضعافها”. وأشار الى تعاون وثيق في هذا الصدد مع مصرف لبنان والمؤسسات المالية اللبنانية.

وقال غلايزر إن الولايات المتحدة حضّت شركاءها في كل أنحاء العالم لزيادة الضغط على “حزب الله”، إذ أدرج على لوائح الإرهاب الأوروبية الجناح العسكري للحزب، وصنفته دول مجلس التعاون الخليجي “إرهابيا”، وأدرجت السعودية أكثر من 20 من أعضائه والشركات التابعة على لائحة الإرهاب، إضافة الى فرض تطبيق قانون العقوبات ضد الحزب في أفريقيا وأوروبا وجنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية والوسطى.

مطالبة أوروبا بزيادة الضغط على الحزب

ولم تتوقف المساعي الأميركية عند هذا الحد إذ قدّم السناتوران جين شاهين وماركو روبيو مشروعي قانونين يدعوان فيهما الاتحاد الأوروبي إلى ضرورة تصنيف جميع أجنحة حزب الله بالإرهابية وزيادة الضغط عليه من خلال سلسلة من الخطوات التي تتطلب تعزيز التعاون بين حدود دول الاتحاد الأوروبي لمواجهة “حزب الله”، وإصدار مذكرات اعتقال بحق أعضائه والداعمين الناشطين له وتجميد أصوله المالية بما فيها تلك التي يتم التنكر بها على أساس أنها أموال خيرية، ومنع جميع النشاطات المتعلقة بجمع التبرعات لهذا الحزب.

وقالت السناتور شاهين في تقديمها للمشروع إن يدي “حزب الله” ملطختان بالدم وهو يبقى تهديدا مستمرا لأمن الولايات المتحدة وحلفائها وأضافت “لقد أثبت “حزب الله” من خلال ما يقوم به من العنف العشوائي أنه منظمة إرهابية، وينبغي الاعتراف على نطاق واسع على هذا النحو من قبل المجتمع الدولي. وقالت إن المشروع يحث أصدقاءنا في الاتحاد الأوروبي للانضمام إلينا في تطبيق  ضغط إضافي وكامل على شبكة حزب الله”.

أما السناتور روبيو فأعلن أن “حزب الله” هو منظمة إرهابية، وأداة بيد إيران وهو يهدد أمن أميركا وحلفائها في الشرق الأوسط، وأضاف نحن بحاجة إلى أن يتحدث المجتمع الدولي بأسره بصوت واحد والاعتراف بحقيقة ما يقوم به حزب الله ، وحث روبيو الاتحاد الأوروبي على جعل موقفه الواضح من أن حزب الله هو منظمة إرهابية لن يتم التسامح معه مؤكداً ضرورة أن تعمل أوروبا مع الولايات المتحدة بنشاط  من أجل خنق تمويله”.

في أي حال يجمع المسؤولون الأميركيون كما أبلغوا بذلك جميع المسؤولين اللبنانيين الذين اجتمعوا بهم إن في بيروت أو واشنطن، على أن الولايات المتحدة ماضية بقوة في تطبيق قانون العقوبات على “حزب الله” ولكن بطريقة تتسق مع الحفاظ على قوة وسلامة النظام المالي اللبناني، وأنها تعتزم فقط استهداف حزب الله وأعضائه ومنظماته.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل