
هل مِنْ هُنيهة لأمين معلوف في جداول أعمال قوى “14 آذار”؟ لا. لا مُتَّسَع لأمين معلوف. لو كان لمسألته تأثير على قانون الانتخاب، لفاضت المواقف. لو كان اسمه يرّن في معارك اتحاد البلديات لتتابعت وقفات التضامن. لو أدلى بموقف من انفجار مصرف لبنان والمهجر، لكان رُفِعَ على الأكتاف. يبدو أن حساب أمين معلوف أصبح في المهجر ولم يعد له شيء في لبنان. وهذا التجاهل اللافت لمسألة أمين معلوف، يكشف عن ثغرة في وجدان قوى الحرية والسيادة والاستقلال. يبدو أنها حرية وسيادة واستقلال باتجاه واحد ومحدد. طبعاً وجود إسرائيل في المشهد، زاد العمد في التجاهل. محزن جداً أن أدبيات “14آذار” مقتصرة على العنتريات و”مدلج على البوابة” وأناشيد الطبول. أيهما أكثر منفعة للقضية، نشيد حماسي إضافي أم معركة لحرية الفكر؟ التغني الزجلي أم الجرأة الأدبية؟ قوى 14 آذار تحتاج الى ترميم في نواح عديدة. الترميم الفكري يجب أن لا نعتبره ترفاً فكرياً. أصلاً لا شيء يدعو الى الأمل، فهكذا “قضية” تُخلق بالولادة، وبرهنت السنون أن “14 آذار” كناية عن قوى اجتمعت واتفقت على جدول أعمال، لا على “قضية”!
حتى الجريدة اللبنانية حيث بدأ أمين معلوف حياته المهنية، يبدو أن قلة لا تزال تتذكره.
وللقلة التي تصارع الرجاء في هذا الوطن، لا بد من هذه الكلمات، التي أمين معلوف المعني الأخير بها!
بالعنوة والعنف والظلم، أوجدت دولة إسرائيل نفسها في منطقتنا.
دولة مفعول رجعي لإتفاقية سايكس – بيكو.
هذا المفعول، كان بدأ على صيغة وعد بريطاني، سبق ترسيم الخرائط السايكس – بيكوية، وتأخر ولكن ليس الى حد أن دول سايكس- بيكو، كان قد اشتدت أعواد استقلالاتها وكياناتها السياسية.
بالعنوة والعنف والظلم، ومُضافاً إليهم الغباوة، انبرى معظم العرب لمحاربة هذه المصيبة بين ظهرانيهم. وستبقى الكفة راجحة لمصلحة إسرائيل، ما دامت الغباوة في صف العرب ولم تنتقل الى إسرائيل!
إسرائيل بقدر ما تبطش بغير الإسرائيليين، بقدر ما تحفظ ديمقراطية لافتة لأبنائها.
في المقابل، ساوت الأنظمة العربية بين شعوبها وبين إسرائيل، في العنف والظلم. وبقي مصير إسرائيل أضمن لأنها استفادت من الغباوة المضافة الى أسلحة الصراع.
والغباوة، أنواع. بعض أشكال مقاطعة إسرائيل، نوع من أنواعها.
يظهر أمين معلوف على شاشة إسرائيلية، (عبر الأقمار الاصطناعية من باريس) ويتكلم بالفرنسية، على شؤون الكلمات، وعلى أسلافه في الأكاديمية الفرنسية، فتعلو الضجة في بيروت. ثمة من لا يزال ساهراً على قضية العرب الأولى ونحن نيام أو متهاونون.
تطبيع؟ أن يعرف الإسرائيلي العادي أن ثمة لبناني- فرنسي، أو لبناني قبل أن يصبح فرنسياً، عالماً بشؤون الأدب العالمي، ومرتاحًا مع نفسه، من دون غضب ساطع ويومي على إسرائيل، فهذا بعُرف أنصار التطبيع، انتقاص وزلة، والاعتذار أقل المطلوب.
لا يمكن لهكذا نوع من البشر أن يقتنعوا أن أمين معلوف كما هو أراد نفسه، مكسب لهم على إسرائيل. أمين معلوف قيمة أدبية لم تعد ملكاً حصراً للبنان. لكن يحق للبنان أن ينسب لنفسه إسهامًا في نشوء هذه القيمة. هذا الحق، بفضل أنصار المقاطعة، لم يعد متاحاً! لم يعد في أمين معلوف روح لبنانية ولا عربية، لقد سقط في فخ التطبيع وتقديم انتصار مجاني لإسرائيل.
العابر في الهويات والتجارب الإنسانية، إن لم يقف خلف مثقفي المقاطعة، ساقط أخلاقياً!
المنسجم مع نفسه، والوديع في رسالته الأدبية، والحنون في إنسانيته، أفرغ المقاطعون شيئاً من دفائنهم ورموه عليه. لقد رموه بالمزايدة. تلك المزايدة التي يأنفها أمين معلوف في نواحي الحياة والأفكار.
لقد كانت إطلالة أمين معلوف على شاشة إسرائيلية، نقطة لمصلحتنا. سريعاً خسرنا النقطة بفضل مرصاد مثقفي المقاطعة.