
كم كان ممتعاً مشاهدة فيلم Risen الذي يتكلم عن قائد المئة الذي شهد موت المسيح على الصليب، وكلفه بيلاطس بالتحقيق في إختفاء الجسد من القبر. كثير من التفاصيل لم نكن نعرفها وقيل أن بعضها مأخوذ من كتب القديسة ماريا فالتورتا التي كتبت تفاصيل حياة المسيح ورسله بوحي منه.
المهم أن القائد الذي كان يحقق مع أتباع المسيح، كان في كل مرّة يندهش من قوة الإيمان التي كان يراها فيهم، وهو يعلم جيداً أنهم كانوا جميعاً متوارين مختبئين خائفين… لا يتجرأون على الخروج من مخابئهم، وهذا كان كفيلاً بزرع الشك في قلبه، وأوصله طبعاً الى خيانة الإمبراطورية الرومانية وترك مركزه الكبير وأحلامه بالمناصب والجاه والمال في روما، والأهم، حلمه بالعيش بسلام… الذي وجده في مشواره مع التلاميذ.
في بعض المشاهد، كان هناك الخائن والواشي والمتعامل وعاشق المال… وفي المقابل، كان هناك المؤمن والمضطَهَد والذي لا يساوم على مبادئه مقابل كل كنوز الدنيا. وكم كانت تُرجعني بعض المشاهد الى الوضع الذي كنا فيه تحت الإحتلال السوري من ملاحقات وإضطهاد وتحقيق وتعذيب، بالتعاون مع الأجهزة اللبنانية التي كانت تشكل مع المخابرات السورية الجهاز الأمني السوري – اللبناني، وكم عانت “القوات اللبنانية” بدءاً من قائدها وصولاً لآخر عنصر فيها، من ظلم وجور وجحود وكفر تلك الأجهزة.
في مقلب آخر من حياتنا اليومية، لدينا ما يسمى بمواقع التواصل الإجتماعي، يأبى بعض الموتورين والجاهلين إلا أن يعودوا بنا لقرون الى الوراء، فيصبوا جام جهلهم وقباحة تفكيرهم وأحقادهم وكرههم على كل ما هو مختلف عنهم، فتمتلئ تلك المواقع بالنفايات والروائح الوسخة، الرقمية طبعاً، وهي خير صورة تعكس حقيقتهم المؤسفة.
فئة من المجتمع لا تعرف إلا النقد والتهجم وأبلسة كل شيء، مع العلم أنهم في ما مضى كانوا هم الأسياد والمشايخ والبيوك… وما الى هنالك من نعوت عثمانية مُخجلة، ولم يظهر منهم سوى اللامبالات والتجاهل والإستخفاف بأهلهم، والخنوع والإذعان لأسيادهم بهدف المساعدة في بقاء الناس تحت نير رحمتهم. وبدل أن يخجلوا من عارهم وماضيهم المُخزي وتاريخهم المملوء بالخيانة والعمالة، يظنون اليوم وبمساعدة أسيادهم القدماء الجدد، أن بإمكانهم إعادة عقارب السنين الى الوراء.
كلا كلا، الى كل من يَحنّ الى العودة بنا الى الزمن البائد وإلى الصراعات المناطقية والعائلية والجُبّية، الى كل من يفتقد قُبلاته “الشحاطة” السورية التي كانت تبقيه في العز والجاه والتسلط، الى كل مَن كان يزرع الحقد والكره بين أبناء البلدات والعائلات وحتى بين أبناء البيت الواحد… تلك الأيام ولّت الى غير رجعة، ومجتمعنا الذي إستشهد وضحى الكثيرون من أجله، لن يعود أبداً الى عصور الظلام والخوف وشريعة الغاب.
كلا كلا، مهما أظهرتم من مساوئكم، نعرف أن هناك المزيد والأسوأ، ولهذا السبب بالذات سنقاوم بكل ما أوتينا من قوة للحفاظ على أمننا وأماننا ولُحمتنا في ضيعنا وأحيائنا. لن تنقسم ضيعنا مجدداً الى حي فوقاني وحي تحتاني، ولن تُرفع السواتر وتبنى المتاريس بين أزقتها، ولن يذهب شبابنا ضحايا صراعات زعماء الأحياء… مهما كان الثمن.
صحيح أن هناك أخطاء في بعض الأحيان، وصحيح أن هناك تقصير في بعض الأمكنة، وصحيح أن الإداء ليس كاملاً من دون شوائب… لكن أين يوجد الكمال أصلاً؟!! وأين تقع الأخطاء؟!! أليس مع الذي يعمل ويعمل لا يكل ولا يمل، وأعماله تشهد عليه، بعكس الباقين؟!!
سنعالج كل ما يمكن معالجته من ثغرات، وسنبقى نعمل لخير ضِيعنا بكل أبنائها بعيداً عن الحقد والضغينة والنكد، هكذا تربينا في بيوتنا وفي مقاومتنا. فنحن أبناء المقاومين الأولين ودحرنا بصلواتهم أعتى المحتلين المجرمين. ولنا اليوم رفيقاً، وللمفارقة أن كل الذين يهاجمونه كانوا أداة بيد السوريين لمحاربته، لنا رفيقاً قاتل وسهر وعانى وضحى أكثر منا جميعاً، يقود “القوات اللبنانية” لتحقق حلم مجتمعها بالعيش بأمان وسلام في هذه البقعة الملتهبة من العالم. وكلنا ثقة أنه عندما يدعو إي داعٍ، لن نجد مَن هو أكفأ وأقدم وأجرأ وأصدق منه ليكون رأس الحربة في المواجهة كما كان دائماً، في زمن الحرب كما في زمن السلم.