كتب أحمد عدنان في جريدة “العرب اللندنية”:
قام العاهل البحريني بإصدار قانون يفصل العمل السياسي عن المنبر الديني، وهو نبأ سبقته أخبار مشابهة، فقد أقدم على نفس الخطوة العاهل المغربي خلال العام المنصرم، وسمعنا راشد الغنوشي مرشد حزب “النهضة” التونسي يزعم أنه هو الآخر قرر الفصل بين الديني والسياسي، أو بين الدعوي والسياسي، وحجته في ذلك أن زوال الاستبداد يسقط الأسباب الموضوعية لوجود الإسلام السياسي، وتلك حجة طريفة.
هذه الأخبار تستدعي أن يقف العرب والمسلمون أمام أزماتهم الوجودية، فالمسلم عاجز عن إقامة صلة سويّة بربه، والعربي عاجز عن إقامة علاقة سليمة بحاكمه، فأفضى ذلك إلى توتر العلاقة بين الذات والذات تماما كتوترها بين الذات والآخر.
والمزعج أن الحاكم المستبد اليوم، الذي هو امتداد موضوعي لخليفة الأمس، “ظل الله في الأرض”، سحب صورة الاستبداد إلى الأصل، أي إلى الله، فإذا كان ظل الله مستبدا، فامتداد المنطق الأعوج هذا أن الله نفسه مستبد والعياذ بالله.
وانسحب هذا المعنى إلى الخطاب الديني الذي حدق في اسم الله “المنتقم”، ونسي أسماء “الرحمن الرحيم الغفور السلام الودود”، وقد وصف الأثر علماء الأرض بأنهم ورثة الأنبياء، لكن الإمام الزهري عرّف ولاة الأمر في خطأ فادح بأنهم “الأمراء والفقهاء”، وهذا راق للمتاجرين بالدين، لذلك لم يستو في هذا التعريف أن يكون الأمير ظلّ إله، ويكون الفقيه ظل نبي، فعرف الفقهاء أنفسهم بأنهم من يوقّعون عن الله، حاشاه سبحانه وتعالى.
وتخرصات الزهري ومن شابهه، جاءت في سياق لحظات فاصلة في التاريخ الإسلامي، أهمها رفع المصحف على أسنة الرماح خلال فتنة علي- عليه السلام- ومعاوية – رضي الله عنه- ثم حيلة المغيرة بن شعبة التي ورّثت حكم معاوية لابنه يزيد وكرست الملك العضوض إلى يومنا هذا، فجثم على رقاب المسلمين حكام لا شرعية لهم ولا قبول، فكانت الحاجة إلى الفقيه ليشرّع هذا الجور ويصبّر الرعية بخرافة المنقذ في آخر الزمان يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما.
العدل لا يبرّر، لذلك لجأ الفقيه والحاكم الظالم إلى حجة “الشريعة” لتبرير الظلم والفساد اللذين سادا دول الأمويين والعباسيين والعثمانيين حتى تحسنت الأحوال بسقوط الخلافة وقيامة الدولة الحديثة ولله الحمد، ولا أجد مبررا لإخفاء حقيقة أن الحياة في الدولة المدنية العلمانية الديمقراطية أفضل من العيش تحت سلطة دولة الخلافة أو دولة تزعم تطبيق الشريعة.
انظر إلى الإسلام فليس فيه نص واحد يشير إلى طريقة “شرعية” لتعيين الحاكم وعزله ومحاسبته، وليست فيه نظرية سياسية من الأساس، وزعم فقهاء الغفلة بأن ذلك من مرونة الدين، وهذا ليس صحيحا، فهناك فرق بين الغياب وبين المرونة، ولا يعقل أن يزعم الفقهاء بأن الدين تحدث بالتفصيل المملّ عن طريقة الاستنجاء وعف الحديث عن الحكم والسياسة -الأهم أثرا وتأثيرا- من باب المرونة، ولا يعقل أن يزعم فقهاء الغفلة بأن الحدود، وهي أحكام تاريخية ومؤقتة، إضافة إلى الزكاة وأحكام المواريث، هيكل الدولة الحديثة وأركانها.
لقد أصبحت المطالبة بفصل السياسة عن الدعوة وعن الدين، في يومنا هذا، من وجهة نظري، خطوة رجعية، فالمطلوب هو الغوص إلى الجذر وفصل الدين عن الشريعة، يجب أن يفهم المسلمون والعرب أن مهمّة الدين هي إشباع الغريزة الروحية وصون الضمير الأخلاقي لا التطفل على حريات الآخرين وانتهاك حقوقهم والتسلّط عليهم، وأنّ مهمة الدولة ليست إدخال الناس إلى الجنة بل إدارة الشأن العام وتنظيم تضارب المصالح الشخصية، وأزمتنا اليوم كعرب وكمسلمين ليست تخلّف فلان أو علان عن الصيام والصلاة، إنما التخلف الحضاري والعجز عن إدارة الشأن العام بكفاءة، وهذه أزمة لا شأن للإسلام بها، بل إننا فاقمناها حين زعمنا أن الإسلام سيداويها وليس بيديه دواء كما علّمتنا تجارب اليوم والأمس.
المهم أن المثقفين العرب كانوا يتحدثون منذ عقود عن خطورة الخلط بين الديني والسياسي، وأن النتيجة هي الإرهاب لا محالة، وحين تحققت نبوءات المثقفين العرب واستعر الصراع الطائفي وانهارت الدولة تنبه الحكام إلى خطورة المصاب، فأصدروا التشريعات والمواثيق، وزايد بعضهم في مسألة تجديد الخطاب الديني الذي طلبته النخبة منذ قرنين، والمطلوب أن نهلّل لهم، بينما الحق أن يهلّلوا هم لنا بعد أن يعتذروا عن تقصيرهم وفجورهم، ويطالبنا بعض الإسلامويين بتمجيد الغنوشي على تصريحاته “العبقرية”، كيف ذلك وخلاصة حديثه كالتوبة من الضلال، وكأنه اكتشف بعد عقود صدق ما نقوله نحن، وأخشى أنه ومن شابهه ومن معهم قد وصلوا متأخرين بعد انهيار الدولة والإسلام معا.