
كتب بيار أبي صعب في “الأخبار” تحت عنوان: “من الشعب وإلى الشعب”
ثلاثون عاماً؟ لا نكاد نصدّق أن كل هذا الوقت مرّ على رحيل عاصي. يقال إن الكبار لا يرحلون، بل يحومون حولنا، يتلصّصون على حياتنا، ويستوطنون وجداننا، يرافقون لحظات الفرح والأسى والغضب والنشوة والأحلام غير المكتملة، يتركون بصماتهم الخفيّة على أيّامنا، ويعشّشون في لحظات معيّنة من عمرنا الهارب.
هذا الكلام ينطبق على الفنّانين الذين صاغوا الوجدان الشعبي والثقافة الوطنيّة… وبالتحديد على عاصي الرحباني (1923 ــ 1986). عملاق عاش في جلد رجل بسيط، يشبهنا ويختزن حكاياتنا. رجل حسّاس وخصب ونزق، يحوّل كل ما يلمسه إلى أغنيات ومسرحيات. اخترع لنا لغة، ووطناً من أوهام، وقصص حبّ لا تنتهي، وقرية أبديّة يتصارع فيها الخير والشر، ووطناً نموذجيّاً من الكرتون نفسه الذي تصنع به ديكورات المسرح. وجمّد الزمن عند الطفولة المنسيّة «على سطح الجيران»… ورحل أوّل الصيف، في التاريخ الذي كان وزير فرنسي قد طوّبه، قبل أربع سنوات، عيداً للموسيقى. منذ ذلك الحين نحيي ذكرى عاصي ونحتفل بـ«عيد الموسيقى» ونستقبل الصيف في اليوم نفسه. لكن أين كنّا كل هذه المدّة؟ ولماذا لم ننتبه إلى الوقت ينسل من بين أصابعنا؟ كل شيء تغيّر، والأمور على حالها. تغيّرت أسماء السماسرة والقتلة والطغاة، تعاقب المخاتير ورؤساء البلديّة، وسُرقت «جرار» كثيرة، وما زال «الغريب» ينشر الذعر في لاوعينا الجماعي، وما زالت السيارة «مش عم تمشي» رغم كثرة «الدفشات». وكم مدلج مات أمام البوابة! ولبنان هذه الكذبة التي صارت زلمة ـــ مثل راجح في «بياع الخواتم» ـــ يحاول جاهداً أن يبقى وطن الأوبريت الرحبانيّة.
نستعيد اليوم عبقري المؤسسة الرحبانيّة، في زمن الطوفان، كأنّنا نتمسّك بالثوابت التي يرمز إليها ويمثّلها، كأننا نحجّ إلى الزمن السعيد على رغم ثغراته الجوهريّة، وهشاشته، وكل الأخطاء والأكاذيب والتنازلات التي أوصلتنا إلى هنا. حين نبحث عن إحياء الذاكرة المضيئة، عن صحوة وطنيّة، عن الشعر والجمال، عن القدس والشام ومكّة وبغداد والأندلس، عن رندلى ويارا وجلنار، عن راحة البال والطمأنينة والبساطة، وحتّى عن السذاجة الأولى صنو الحبّ الأوّل، نرى أمامنا الرحابنة. نقول عاصي، ونفكّر بالمؤسسة الرحبانيّة بأقانيمها الثلاثة، عاصي، والراحل الكبير منصور، والفنّانة الخالدة فيروز التي ما زلنا نطالبها بالكثير. نقول عاصي، ونفكّر بزياد الابن الرهيب المعتكف في الصمت، وقد زعزع أسس وطن الأوبريت، وتوّج التركة العظيمة بوعيه النقدي والسياسي… وتحيّته «إلى عاصي». عاصي كل هؤلاء، وغيرهم أيضاً. في الضوء، وخلف الستارة المخمليّة حيث تحدث الأمور فعلاً. العائلة الرحبانيّة الكبيرة والصغيرة. ريما المؤتمنة على الألبوم العائلي، والتي تطالعنا اليوم بفيلم جديد، يحفر في الوجدان الجماعي… عاصي هو ذلك الجذع الصلب الذي تدين له الموسيقى العربية بالكثير. ما زال حاضراً بيننا، على الأثير، وفي الأسطوانات القديمة 33 لفّة التي تعود اليوم إلى الواجهة، وفي أكداس الأقراص المدمّجة، وعلى اليوتيوب وفي لوائح الـmp3 التي لا تنتهي. في أرشيفات سريّة نعرفها ولا نعرفها. وعلى لسان الناس، هؤلاء الذين استقى منهم الرحبانيان ما أبدعاه من قصائد وألحان.
نستعيد عاصي في الذكرى الثلاثين، مردّدين مع فيروز التي غنّت له يوم تعب دماغه، من كلمات منصور وألحان زياد ابن السابعة عشرة: «سألوني الناس عنّك يا حبيبي». إنه هنا أكثر من أي وقت مضى، عاصي. وسط هذا الخراب العظيم الذي يلف المنطقة، وسحب الدخان الكثيفة في سماء لبنان. نستعيد صورة «الأب» بعدما تساقطت التماثيل وانهارت الأساطير، وسط غياب مخجل، فظيع، للدولة اللبنانيّة. أي دولة؟ دولة قاطعي الطرق، وملوك الطوائف؟ الدولة البائسة التي يحكمها سماسرة وقوادون ولصوص، كما تختصرها أغنية «بهالبلد كل شي بيصير»، من الطبيعي ألا تعرفك… وإن عرفتك فلن تحبّك! لكن ما همّ؟ من بيروت ودمشق وتونس والجزائر… حتّى جبل الشيخ ودير الزور وحيفا المحتلّة، نتوارث أغنياتك. تمثالك الحقيقي في وجدان الشعب. كأي فنّان عظيم على امتداد التاريخ.
أما بشير صفير فكتب مقالاً في الأخبار تحت عنوان: هكذا أبدع زياد أعجوبة «إلى عاصي»
التحية شيء والتكريم شيء آخر. بعد رحيله، قُدّمت لعاصي الرحباني تحيات عدّة، منها ملفنا هذا وهو بالمناسبة لا يرقى إلى منزلة أدنى تكريم ممكن. ريما الرحباني قدّمت لوالدها، في مجالها (الإخراج) أكثر من تحية، كانت كلّها لائقة، فيها الكثير من الحب والتقدير.
لكن عاصي الرحباني لم يُكرَّم إلاّ مرّة واحدة بعد غيابه: أسطوانة «إلى عاصي». فهي ليست عملاً غنائياً موسيقياً. إنها أعجوبة. الصوت، صوتها، أعجوبة. الألحان أعجوبة. التوزيع الموسيقي — ومن غيرك يا زياد؟ — أعاجيب.
رحل عاصي الرحباني في 21 حزيران (يونيو) 1986. بدأ زياد الرحباني عام 1988 العمل على إعادة توزيع 17 أغنية ومقطوعة موسيقية واحدة («جسر القمر» التي تفتتح الأسطوانة وتختتمها، بتوزيعَين مختلفَين… طبعاً!) من ألحان الأخوين رحباني لإنجاز «إلى عاصي». والأدق أنّ العمل على هذا التكريم بدأ في حزيران 1986، قبيل رحيل عاصي ببضعة أيام، عندما وزَّع زياد في بريطانيا، خلال التحضير لحفلات فيروز في لندن، أغنية «شتّي يا دنية». إدراج هذه الأغنية في البرنامج في اللحظة الأخيرة دفعه إلى كتابة توزيع جديد لها في ليلة واحدة (!)، لتكون أوّل وردة في باقة أغنيات «إلى عاصي». استمر العمل على الألبوم بين اليونان وبيروت حتى عام 1995. نفّذت «الأوركسترا السمفونية للإذاعة الرسمية اليونانية» التسجيل بقيادة زياد الذي أضاف عزفه على عدّة آلات، على رأسها طبعاً البزُق والبيانو. والملفت أنه ساوى في الحضور بين هاتَين الآلتين العزيزتَين أولاً على قلب عاصي وثانياً على قلبه.
صدر «إلى عاصي» عام 1995 على CD وكاسيت. حورِبَ من قبل أعداء الموسيقى. لكن الجبل صمد وبات من التسجيلات الأكثر مبيعاً في تاريخ لبنان. وبضمير مرتاح نقول، إن أردتم أن تهدوا أجنبياً أو مبتدئاً ألبومَين لفيروز، فليكن أحدهما «إلى عاصي» وإن أردتم واحداً فقط، فليكن «إلى عاصي». فهو بدون شك وبدون منازع أهم مادة صوتية صدح بها هذا الشرق في تاريخه لغاية تاريخه.
منذ سنوات قليلة، انبعثت الحياة بأسطوانات الفينيل (Vinyl) بعد غيبوبة دامت أكثر من ربع قرن لأسباب عدّة لا مجال للدخول في تفاصيلها الآن. هكذا، وعندما تأكد منتج «إلى عاصي» (صوت الشرق) من عودة الاهتمام بالأسطوانات القديمة، أعاد طبع الألبوم التاريخي. نعم، بات «إلى عاصي» متوافراً في السوق على فينيل 180 غْرام (أسطوانتان في علبة واحدة — علّتها أنها محشورة في جيب واحد بدلاً من اثنين وأهمِلت كل المعلومات القيّمة الموجودة في الكتيِّب الأصلي، توفيراً لبضعة سنتات!). إنه أجمل حدث ممكن يحصل لمن يعشق هذا العمل ويعرف القيمة الصوتية للأسطوانات الفينيل. إنها أحلى هدية في عيد الموسيقى، في ذكرى غياب عاصي عن الوجود، وفي غياب فيروز وزياد عن السمع!
وكتبت عناية جابر في الصحيفة عينها مقالاً تناولت فيه الفنان عاصي بعنوان: التركة الرحبانية: شو بيبقى من الرواية؟
مع مرض عاصي، ثم موته في 21 حزيران (يونيو) 1986 في «مستشفى الجامعة الأميركية» في بيروت، اهتّزت روح اللحن، وروح الكلمة، فيما بقي صوت السيدة مُدوّراً متكاملاً وشاعرياً، حتى في غنائها لزياد ذلك الكمّ الجديد من يوميات عشق لبناني، رقته ونفاد صبره وتحدّيه وحنوّه الى «عنتريات غرامية» لمحبين لبنانيين تحديداً.
بعد موت عاصي، دُقّ ناقوس الخطر، ولاح بيّناً حال انسداد أفق. افضى فعلاً الى انهيار كبير بدل أن نقول انزياحاً، لنرى ونسمع بملء العين والسمع أفول مملكة ذات مغزى لبناني، لمّا أن ذلك الأفول قطع مع ذاكرة لبنانية اقتحمت عالم المستقبل. ذاكرة لبنانية فولكلورية، عربية تراثية.
عرف عاصي تماماً، ما يريدهُ من الموسيقى العربية. رأى شيئاً محدداً ومشى إليه، وأبصر ذلك الأفق العربي المنفتح بمعية صوت فيروز فذهب إليه باحثاً، مُهتدياً بالسليقة الشعورية العصبية. والنتيجة أنه اهتدى في نهاية الأمر الى عروبية واسعة انطلاقاً من لبنانية بالغة الخصوصية.
أخّوة عاصي ومنصور ليست بالضرورة أخوّة الصورة الواحدة ولا تطابقها. طبعاً من دون تلك الأخّوة ما كان للفن اللبناني شأنه الذي نعرف، سوى أن الفرق بين الإثنين موجود، فثمة تأثر منصور بالكلاسيك الشرقي والكلاسيك الديني المسيحي (لا تهجرني/ لا تنساني). كما عند منصور الظل الخفّي الى حد، للطابع المصري والطرب المصري (غالي الدهب غالي).
عند عاصي تلك النسائج والوتائر التي محضها كل «عبقريته»، وعجنها بمخزونه وتأثراته وفيها احاسيس الناس ومخيلاتهم ورغباتهم («علموّني هنّي علموّني»، «نسّم علينا الهوى»، «بحبك ما بعرف هنّ قالولي»، «نسّم علينا الهوا») الى سواها من أغنيات طالعة من التربة الخاصة بنكهة عاصي وهذيان عاصي وحنان ورقة عاصي.
يصعب بعد موت عاصي (لا نريد هنا الدخول في متاهات الخلافات بين الأبناء والورثة) على المتتبعين والمهتمين بحال الغناء والموسيقى والكلمة، العربي واللبناني على وجه الخصوص، الوقوع راهناً على سوية ما، في عملية تراكم حضاري فنّي مُرتجى. ذلك أن الانقطاع بائن وجلّي ومُدوٍّ وصارخ، ومُفارق حتى اللحظة نال من كل الحيوية اللبنانية التي تهاوت كما لو فُرّغ داخلها، ومن عدم استفادتها مما تركهُ ذلك الرجل.
بل الأصحّ كما لو أنها انقلبت على انجازاته في حركة قصدية تهدف الى تسطيح الفن اللبناني والعربي تالياً، بحجة جعل السائد المشوّش متماشياً مع العصر، ومفارقاً لتلك اللمعات الجمالية التي لن تتكرر بعد رحيل عاصي. ما نسمعه اليوم يبعث على الشعور بالغرابة بعبارة رقيقة لكي لا نُغالي، وبالقلق الذي يصل الى حد التجديف بأغلب المغنيين والمغنيات: الصوت، اللحن، الكلمة، الإحساس، المخيلة… ثم الانتماء، فلا تعرف الى ماذا ينتمي هذا الذي نسمعه، وهنا ميزة عاصي وتفرّده، معه تحس بدفء الوطن والحبيب والأشياء… والله.
بعد رحيل عاصي، ثمة ذلك التكرار عند الرحابنة، كمن يسرق الحانه نفسه ويكررها ويتعامل معها كأنها الحان غريبة عنه، يُعيد إنتاجها بوصفها الحاناً جديدة. بقي عاصي حتى اللحظة «المازورة» الفعلية التي قاست بها فيروز اختياراتها وإن أضاف زياد ذلك الكمّ من يومياتنا بصوت فيروز المغناج هذه المرّة، الشبابي والخارج عن الـ «ستيل» المعروف عنها مع الحفاظ على الروح الظليلة لمعاني القطع الأصلية وأزمنتها وإيقاعاتها الداخلية ومراميها الفنية والثقافية التي عمل زياد على تسجيلها (ما يقارب من عشرين أغنية مختارة من أرشيف عاصي وفيروز) تحت عنوان «الى عاصي».
بعد رحيل عاصي، فقدنا ذلك العنفوان، ولغة الجذور، والحب الذي يُذيب الأفئدة، ونسائم في القرى والسهول وبيوت القرميد وتلك الغصة القاتلة للشوق. وبقي لدينا ذلك الخلف غير الصالح من المغنين والمغنيات، والموسيقيين والموسيقيات، والشعراء والشاعرات الساعين الى قتل الإبداع بكل ما أوتيت حناجرهم من وعيد. وبكل تلك المكابرة على انعدام الصدق والموهبة.
