
يعكس الكباش السياسي الكلامي الحاد بين روسيا والولايات المتحدة الاميركية على خلفية الازمة السورية عمق المأزق الذي بلغه مسار التسوية المترنّح منذ اكثر من شهرين، على رغم ضيق المساحة الزمنية الفاصلة عن الاول من آب الموعد المبدئي لانطلاق المرحلة الانتقالية.
فالصبر الاميركي الذي يكاد ينفد على حد تعبير المسؤولين الاميركيين قابله رد روسي من رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الجنرال فاليري غيراسيموف، الذي اكد أن موسكو تلتزم باتفاقات دعم الهدنة والمصالحة في سوريا و”نحن نفد صبرنا حيال الوضع في سوريا وليس الأميركيون، الذين يواجهون صعوبات مع المعارضة التي تقع تحت سيطرتهم”. وتقول اوساط دبلوماسية غربية لـ”المركزية” ان واشنطن التي تراهن على ان موسكو ستدعم في نهاية المطاف المرحلة الانتقالية لا تُسقط من حساباتها الوقوع في فخ ” الخديعة الروسية” . ذلك ان اللقاءات الدورية مع المسؤولين الروس تظهر التباسا واضحا بين الاقوال والافعال او ما يخشى الاميركيون ان يكون توزيع ادوار بين اركان الادارة الروسية، بحيث تُظهر وزارة الخارجية بقيادة سيرغي لافروف مرونة ملحوظة يقابلها تشدد يلامس التصلب من وزارة الدفاع وكبارالمسؤولين العسكريين في قاعدة حميميم والمخابرات الروسية في شكل عام الناشطة في اكثر من مجال في الازمة السورية، حتى ان الجانب الاميركي يتحدث في مجالسه الضيقة عن ان احد المسؤولين في المخابرات الروسية يتولى عمليا الاتصالات حول الازمة مع اجهزة عربية معنية، بما يولّد نقزة لدى واشنطن.
هذا في الميدان، اما في السياسة فتوضح المصادر ان مجمل الافكار المطروحة للمرحلة الانتقالية لا تحظى بتوافق من روسيا والولايات المتحدة، حتى ان النقاش في لائحة الارهاب ما زال يدور في حلقة مفرغة يصعب الخروج منها في ضوء سعي موسكو لضم فصائل اضافية اليها ورفض اميركا مجرد البحث في الامر. اما تركيبة وفد المعارضة فتخضع بدورها للعبة شدّ الحبال خصوصا من زاوية مشاركة حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي ومعارضة القاهرة وموسكو والمستقلين. وزاد الطين بلة، بحسب الاوساط، اعلان الحزب الفدرالية في مناطق سيطرته في كوباني وعفرين والجزيرة شمال سوريا، بما عزز التشدد التركي ومنح واشنطن هامشا اوسع من المناورة لجهة عدم ممارسة الضغط الكافي على انقرة.
وفي الملفات الشديدة الالتباس ايضا، تشير الاوساط الى الموقف الايراني الضبابي في ما لو تم التوصل الى اتفاق تسوية بين واشنطن وموسكو في غياب اي ضمانات تتصل بالقدرة على ردع ايران عن ممارسة اي نشاط عسكري في سوريا، موضحة ان ارسال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الايراني اللواء قاسم سليماني الى ريف حلب، بعدما اشرف على عملية تحرير الفلوجة في العراق، يحمل من الدلالات ما يؤشر الى طموح ايراني واسع للتمدد الحدودي مع تركيا من الشرق حيث الحدود الجغرافية الطبيعية الى الجنوب عبر حلب بحدود عسكرية مصطنعة تضع طهران ثقلها فيها لتحويلها مكسبا فيما تواجه تركيا المخطط لعدم افساح المجال امام ايران لوضع يدها على جانبين من حدودها ، ما ينذر من وجهة نظر الاوساط الدبلوماسية بمعركة وجودية طاحنة بين الدولتين عنوانها المعلن النصرة لريف حلب والمضمر ايرانيا السيطرة على حدود جديدة مع تركيا.
وازاء هذا المشهد تبدي الاوساط خشية من ان ينقطع حبل الصبر الغربي فتعمد واشنطن تحت وطأة الضغط اما الى تسديد ضربة تقلب موازين القوى او الانسحاب من العملية السلمية مع الابقاء على دعمها للمعارضة وترك الساحة للقيصر الروسي لتدبر شؤونه، مذكرة بتهديد رئيس الدبلوماسية الاميركية جون كيري في اوسلو بالانسحاب من العملية اذا لم يتحقق اي تقدم وتلويح المبعوث الاممي ستيفان دي ميستورا بالاستقالة في ما لو لم تحرز الاتصالات جديدا قبل الاول من آب.