
يعتقدُ كثيرونَ أنَّ غرقَ الولايات المتحدة في انتخاباتِها الرئاسية وتردُّد إدارتِها الى حدِّ العجز، ولعبَ روسيا بوتين بالوقت الضائع أميركياً من أجل تسجيل أهداف ثابتة في المَلف السوري، وانهماكَ السعودية بتطوير نظامها وبمواجهة ما يجري في حديقتها الخلفية اليَمَنيَّة وبترتيب البيت العربي، وضياعَ مصر بين مواجهة سدّ النهضة الأثيوبيّ وبين ضبط التحول السياسي في ليبيا على إيقاع مصالحها القومية وبين إنقاذ اقتصادها المتهالك، وبحثَ تركيا عن دور لها في قيادة العالم السني فيما ينهَـشُ إرهابُ الأكرادِ إقتصادَها وأمنَها وهيبتَها، ومحاولةَ إيران فرض المشيئة الشيعية بالقوة في سوريا والعراق وبغير القوة في باقي الدول العربية، مؤشراتٌ الى أن المنطقة لن تهدأ حالُها ولن ترسو على حلًّ في المدى المنظور وأن لا وضوح في الرؤيا والأهداف تجاه “داعش” ومستقبل سوريا والعراق. الا أن الواقع مغاير لما يبدو عليه إذ أن ما قد رسم أميركياً للمنطقة، على مدى عقود، من تغيير جيو-سياسي لن يُبدِّلَ فيه الروسُ والأوروبيّون والعربُ والأتراكُ والإيرانيون شيئاً، في ما عدا انتزاع بعض المكاسب الإضافية البسيطة على حصتهم من إعادة إعمار سوريا والعراق، أو من بعض النفوذ السياسي المتروك لهم.
فالحدود السورية والعراقية، وربما حدود غيرها من دول المنطقة، التي أنتجتها إتفاقية سايكس-بيكو، لن تعود كما كانت، لأنها كانت تترجم توازنات القوى الدولية الفاعلة حينذاك؛ ومفهوم الدولة-الأمة لم يعد صالحاً في دول تعددية لم تعرف خلال مئة عام كيف تجد لنفسها نظاماً سياسياً يترجمُ تنوعَّها دساتيراً وقوانيناً تحترم حقوق الطوائف والأفراد وتؤمن مشاركة الجميع في السلطة، ولا تسمح بإنتاج وتصدير الإرهاب.
الحل القادم في سوريا والعراق سينطلق من حق كل من السنة والشيعة والأكراد والعلويين، وربما الدروز والمسيحيين، في تقرير مصيرهم وفي إدارة شؤونهم. ولن تعودَ طائفةٌ الى الاستبداد بالسلطةِ في سوريا أو في العراق، ولن يُقبل استبدالُ استبدادِ طائفةٍ باستبدادِ أخرى.
وعملاً بالحكمة القائلة: ”عند تغيير الدول إحفظ رأسك”، ما على لبنان الا أن يتعظ قبل فوات الأوان، إذ أن الادعاء بالديموقراطية والمحافظة على حقوق الطوائف والأفراد وبأن كل شيء يسير على خير ما يرام رغم أزماتنا الداخلية وخلو سدة الرئاسة وتفلت السلاح والتورط المتمادي لـ”حزب الله” في الحرب السورية، لا يُقنعُ شيطانَ التغيير الجيو-سياسي الآتي على المنطقة حاملاً معه المصائبَ والويلات.