
يرى المحلل الاستراتيجي الأميركي والخبير في شؤون التحليلات الجيوسياسية والاستخباراتية جورج فريدمان، في تحليل له نشرته مؤسسة “جيوبوليتيكال فيوتشرز” الأميركية، إن حكومة الولايات المتحدة قد أخفقت منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 في ايجاد حل لخطر الارهاب.
فبعد الهجوم مباشرة قطع الرئيس جورج دبليو بوش التزامًا بتقديم من خططوا للهجوم إلى العدالة، وزاد بوش القضية إرباكاً على إرباك بالحديث عن محور الشر (العراق وإيران وكوريا الشمالية)، قائلاً إن هذا المحور مسؤول نوعاً ما عن هجمات 11 سبتمبر.
ازداد خلط المفاهيم تعقيداً على تعقيده على يد الرئيس باراك أوباما، حيث يرى أن الولايات المتحدة ليست معادية لكل المسلمين، لكنه حاول أيضاً أن يتخذ الموقف القائل ان ما يعلنه الإرهابيون من إيمان بالإسلام شيء وأفعالهم شيء آخر، مضيفاً أن الأسلحة النارية في الولايات المتحدة تحصد من الأرواح أكثر مما يحصده الإرهاب.
وبما أن هدف أي حرب هو جعل العدو غير قادر على شن حرب، فذلك الهدف يمكن إحباطه بالعمليات السرية، بحسب فريدمان، موضحًا أن هذه الاستراتيجية تضع المدافِع في وضع يجعله ينتظر وقوع الهجوم التالي، مع اضطراره إلى الدفاع عن مجموعة كبيرة إلى حد الاستحالة من الأهداف، أو يتعرف على عناصر العدو الذين اختلطوا بعامة السكان، أو ينتمون أصلاً إلى هؤلاء السكان. وأفضل طريقة لفعل هذا، برأي فريدمان، هي تتبع العناصر الجهادية المعروفة، والتعرف على من يتصلون بهم.
غير ان المجموعات الارهابية تطور اساليب عملها، بحيث يتفادى تنظيم “داعش” الاتصال بالعناصر المحتملة، بل يشجع بالأحرى من لا يجمعهم به إلا اتصال ضئيل أو لا يجمعهم به أي اتصال على تدبير وتنفيذ هجمات إرهابية. وأوضح فريدمان أن ما تعلمته “القاعدة”، بل وفاقه فيه تنظيم “داعش”، هو أنه لا بد لهذه التنظيمات من قبول درجة من الفوضى ثمناً لتنفيذ عمليات تكون غالباً غير موجهة من قبل المركز. غير أن الذئاب المنفردة ليست منفردة إلا من حيث افتقارها إلى اتصال شخصي بالمنظمة، وفيما عدا ذلك يربطها بها اتصال عميق على مستوى الأيديولوجية، وذلك في إشارة على ما يبدو للشاب المسلح عمر متين الذي نفذ مذبحة أورلاندو.
يعيدنا هذا إلى تحدي تحديد من الذي يخوض الغرب حرباً ضده، ويقول فريدمان: الإجابة البديهية هي أن الغرب في حرب ضد العنصر الجهادي من الإسلام. والمشكلة هي أن هذا العنصر ليس مستتراً فحسب، بل هو أيضاً دفين بين ثنايا المجتمع الإسلامي ككل.
يقول جورج فريدمان: شيء جميل أن يكون القانون في صفك، لكن هذا لا يحل مشكلة كيف نشن هذه الحرب. فالعدو لا يمكن تمييزه عن الصديق. ولا تستطيع التعرف على الجهاديين إلا بالتغلغل بعمق في المجتمع وأعمق من ذلك. يمكنك اعتراض المكالمات الهاتفية، لكن قلما سيعطيك أي منها خيوطًا مفيدة، ونظراً لحجمها الكبير فلا يمكن اعتراضها كلها. يمكنك أيضًا زرع عناصر في المساجد. هناك إجراءات كثيرة يمكن القيام بها، لكن كلها ممقوتة من وجهة نظر القيم الأمريكية.
ثمن الحرب..التخلي عن الحريات:
وأكد فريدمان أنه ينبغي أن نتذكر أن أبراهام لنكولن علّق العمل بحق المثول أمام القضاء أثناء الحرب الأهلية. وفرض روزفلت رقابة مكثفة على الإعلام وتجسس على الكونغرس أثناء الحرب العالمية الثانية. لكن كان الجميع يعلمون أن هذه الحروب ستنتهي في مرحلةٍ ما. وأما خوض الحرب الجهادية فسيستغرق على الأرجح زمنًا أطول، وتعليق الحريات زمنًا طويلاً سيغير طابع الجمهورية الأميركية. وقد يولد هذا أيضاً عداوة تجاه الحكومة، وهو هدف الجهاديين.
هذا مجرد واحد من التحديات التي لا بد من مناقشتها، بحسب فريدمان، لكن لا سبيل إلى مناقشتها حتى نواجه بعض الحقائق. هذه حرب والجهاديون هم العدو. ليس كل المسلمين جهاديين، لكن كل الجهاديين مسلمون. توجد جماعات إرهابية أخرى وأسباب أخرى للموت، لكن لا يوجد أحد كالجهاديين لديه خطط متقنة لإلحاق الأذى بنا.
ربما يكون التخلي عن الحريات ثمناً باهظاً، والكلام لجورج فريدمان، لكن ينبغي أن نكون صادقين في الاعتراف بأن هذا الثمن سيجدي نفعاً. بالإضافة إلى ذلك فإن بعض التكتيكات قد يبدو مقبولا، لكنه لن يحل المشكلة في النهاية. فمنع المسلمين من المجيء إلى هذا البلد -على سبيل المثال- قد يبدو معقولاً للبعض، لكن أي طفل يمكنه الالتفاف على هذا الحاجز. لا بد من أن نكون صادقين، ونعترف بأن الحرب التي استعرت لمدة 15 سنة ستستمر لزمن طويل آت. يمكننا الإتيان بقواتنا إلى الديار، لكن الجهاديين قد يتبعونهم. كل هذه الأشياء يجب أن ننظر فيها بصدق. لكننا نهوى الكذب على أنفسنا، وهذا هو العدو الحقيقي، برأي جورج فريدمان.