
لقد دعا الرّئيس نبيه برّي إلى دوحة جديدة لحلّ المعضلة اللبنانيّة، وكلّ الملفّات العالقة، لا سيّما رئاسة الجمهوريّة وقانون الإنتخاب. وهذا ما نجح فيه “حزب الله” أيضًا بتغييره برنامج طاولة الحوار من استراتيجيّة دفاعيّة إلى مواضيع مختلفة من النّفايات حتّى تعيين موظّفين في الدّولة بعيداً من السّبب الأساس الذي عُقدت من أجله طاولة الحوار، وصولاً إلى الحديث اليوم عن التّلزيمات النّفطيّة التي إن حدثت اليوم لن توضع موضع التّنفيذ قبل سبعة أشهر بأقلّ تعديل، وذلك لأسباب تقنيّة قانونيّة روتينيّة وإجرائيّة. وما لم يقله “حزب الله” علانيّة تبرع بقوله الرّئيس برّي.
وما نراه في ثنايا هذه الدّعوة مؤامرة خطيرة جدًّا على جوهر النّظام والكيان معاً. فرئيس الجمهوريّة يُنتخب من قبل مجلس النوّاب بالإقتراع السرّيّ بأكثريّة الثلثين في الدّورة الأولى وبعدها بالنّصف زائدًا واحدًا. ولا يزايدنّ أحدٌ على لبنانيّة هذا الطّرح لأنّه موجود في الدّستور، وما هو خلاف ذلك فذلكة لا توجد إلا في الأحلام.
يريدون العودة بنا إلى دوحة 1، إذا لماذا طيّروا هذا الإتّفاق وأطاحوا به بتطيير حكومة الحريري؟
دعوتهم واضحة، لو لم يقولوها في العلن. هو المؤتمر التأسيسي الذي يعملون على الوصول إليه بشتّى الطّرق. فبذهابهم إلى تسويات وتقسيمات ومحاصصة يؤكّدون بموت الطّائف بعد عدم تطبيقه. فحتّى الرّئيس برّي جاهر بالعودة إلى طريقة الإئتلافات العشائريّة بعيدًا من النّصوص القانونيّة، وبكلّ صراحة هي الأسس الجديدة لنظام الحكم الذي يرونه.
وقد يشكّل هذا الطّرح المخرج المشرّف لـ”حزب الله” من سوريا، لا سيّما بعد تزايد وتيرة الإعتراضات من داخل بيئته الحاضنة نتيجة تزايد عدد قتلاه في معارك سوريا. لو أنّه لن يصرّح بذلك بل سيشدّد على متابعة المعركة حتّى الرّمق الأخير. ومتى حصل ذلك يكون “حزب الله” قد فقد بإرادته إرادة شارعه واقتناعه بطروحاته التي تجاوزت حدود مزارع شبعا وتلال العرقوب وكفرشوبا إلى حلب وريفها.
إنّ الرّئيس برّي جدّيٌّ جدًّا في طرحه، على عكس ما يقوله البعض من الضفّة الأخرى. فهو لا يلعب في الوقت الضائع لانتهاء الحرب السوريّة لتحقيق تسويته المشرّفة. لقد استغلّ انشغالات “حزب الله” التي وصلت في الآونة الأخيرة إلى عصبه النّقدي من خلال الأزمة التي يواجهها مع المصارف، على خلفيّة القانون الأميركيّ الرّامي إلى فرض عقوبات وإقفال حسابات تعود له في هذا القطاع اللبناني الوحيد الصّامد بوجه كلّ التحديّات.
ناهيك عن القطيعة التي فرضها دخوله في الحرب السوريّة ضدّ كلّ العالم العربي مع كلّ دول هذا العالم. كذلك تابعت هذه الدّول تضييقها على كلّ الملحقات الإيرانيّة التي شكّلت خلايا نائمة على غرار سرايا المقاومة في لبنان، وليس آخرها الخطوة البحرينيّة في نزع الجنسيّة عن شيخ شيعيّ التي ستنعكس ارتداداتها حتّى على الشارع اللبناني.
ولن تستطيع كلّ القوى في لبنان المزيد من الصّمود في وجه ما تفرضه الدّول العربيّة من عقوبات مباشرة وغير مباشرة كتوقيف هبة المليارات الأربعة من قبل المملكة العربيّة السّعوديّة للجيش اللبناني.
من هنا، للهروب إلى الأمام، قد يلجأ “حزب الله” في الأيّام القليلة القادمة إلى سيناريوهات قديمة في الجوهر جديدة في التطبيق. والمزيد من الإنزلاقات الإقليميّة في البركان قد يشدّ عصب شارعه المتهاوي لأنّ الإنتصارات الإلهيّة لم تعد تقنع جمهوره، بل جلّ ما يريده ناسه أن يعرفوا مصير أبنائهم. لكن ماذا لو نتيجة اتّفاق أكبر كتلتين مسيحيّتين، وضغط عربيٍّ على من يرفض إعطاء المسيحيّين حقّهم الدّستوريّ، نزل كلّ هؤلاء النوّاب إلى البرلمان وانتخبوا رئيسًا قد يكون جامعًا لكلّ هذه الاطراف؟ هل سيبقى “حزب الله” على تعنّته المستور والمعلن؟