#adsense

“حزب الله”: زمن الهزائم

حجم الخط

بعد زمن الخوف وزمن انتفاء الحديث عن النصر الموعود هل بات “حزب الله” أمام زمن الهزائم في سوريا؟ لم يكد الحزب يخرج من تفسير وتبرير مقتل قائده العسكري مصطفى بدر الدين قرب مطار دمشق حتى أتته الضربة الثانية من خلال مقتل 31 عنصرًا من عناصره في بلدة الخلصة السورية في ريف حلب. بعد أيام على الصمت الذي التزم به الحزب تم تسريب المعلومات حول هذه النتيجة التي تعتبر أكبر انتكاسة عسكرية يمنى بها بعد معركة القصير التي كانت آخر الإنتصارات التي تحدث عنها. وعلى رغم ذلك فإن بعض القريبين من الحزب يتحدثون عن أنه قادر على السيطرة على لبنان عسكريًا بعد الإتهامات التي وجهت إليه في عملية تفجير بلوم بنك في شارع فردان. كيف للحزب الذي ينهزم في سوريا أن يسيطر على لبنان؟

في 9 حزيران الحالي عقد وزراء دفاع روسيا وسوريا وإيران اجتماعا في طهران لتقييم الوضع العسكري في سوريا ودراسة الخلافات الناشئة بينهم حول تقرير مصير الوضع والنظام في سوريا. بعد الإجتماع كانت هناك تقارير إعلامية جاهزة تتحدث عن الإتفاق الجديد وعن خطة للرد في سوريا ستكون وجهتها الأولى نحو حلب ولكن ماذا كانت النتيجة؟ ترك “حزب الله” وحيدًا في معركة الخلصة وسقوط هذا العدد الكبير من القتلى في صفوفه الأمر الذي يثبت أن لقاء طهران لم يحل القضايا العالقة والخلافات الإستراتيجية الناشئة بين الروس من جهة والنظام السوري وإيران و”حزب الله” من جهة ثانية إلى الحد الذي يمكن معه القول إن مشكلة هذا “المحور الممانع” اليوم هي مع الروس. وقد عبّر مؤيدو “حزب الله” عن هذه المشكلة علناً على مواقع التواصل الإجتماعي.

لم يعد اسم قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني كافيًا لتحقيق النصر. صار وجود الرجل على أرض المعركة تعبيرًا عن أزمة عسكرية لا يمكن الخروج منها وعن مواجهة هزيمة محققة. في السابق كان يكفي أن يقال إنه على هذه الجبهة أو تلك من الفلوجة في العراق إلى حلب في سوريا لكي ترتفع معنويات المقاتلين ولكن الصورة انقلبت اليوم. حتى أن اسمه ارتبط بمقتل مصطفى بدر الدين حيث أنه كان يجتمع معه في مكان قريب من مطار دمشق وبعد مغادرته المكان بواسطة طائرة من المطار قتل بدر الدين.

لن يكون بدر الدين آخر قادة “حزب الله” الذين تكتب نهاياتهم في سوريا. الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله تحدث عن أجيال ثلاثة في الحزب منذ بدأ نشاطه في لبنان في العام 1982. هذه الأجيال الثلاثة تعيش اليوم أزمة قتال “حزب الله” في سوريا. هناك خسر الحزب قائده عماد مغنية في عملية اغتيال اتهم بها إسرائيل وهناك خسر جهاد ابن عماد. وخسر فوزي أيوب وحسن حسين الحاج ومهدي حسن عبيد وغسان فقيه وأخاه جميل وسمير القنطار وأبو عيسى الإقليم وغيرهم الكثير ممن شاركوا في حروب كثيرة في جنوب لبنان ونفذوا مهمات أمنية وكانوا يعتبرون من أسرار الحزب ومن القادة الذين يعملون وراء الكواليس فجاءت الحرب السورية لتكشف أسماءهم ونهاياتهم وينكشف معها الثمن الكبير الذي يتكبده الحزب في تلك الحرب التي لا يجد طريقاً للخروج منها إلا من خلال الإستمرار فيها مع علمه الراسخ بأن أثماناً كثيرة تنتظره وأن هزيمة محققة ستلحق به لا تقل أهمية وخطورة عن هزيمة الإنسحاب والعودة إلى لبنان.

لم تكن هزيمة “حزب الله” في الخلصة الأولى. باتت حلب تشكل مقتلة له وللحرس الثوري في إيران الذي دفع ثمناً مماثلاً قبل نحو شهر واحد في خان طومان في ريف حلب أيضًا. ليس هذا الأمر خسارة من عند الله بل نتيجة الوضع العسكري على الأرض.

قبل أيلول 2015 كانت قوات النظام السوري والحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” تواجه هزيمة مؤكدة على مختلف الجبهات في سوريا. عندما لبت موسكو نداءات التدخل والمساعدة وبدأت عملياتها الحربية الجوية اعتقد “حزب الله” وإيران والنظام السوري أنهم سيحققون انتصارًا وبدأوا الحديث عن استعادة كامل الأراضي السورية. ولكن بقدر ما كانت مفاجأتهم إيجابية بالتدخل الروسي كانت سلبية بعد قرار موسكو وقف الحرب وفرض اتفاق وقف النار بالتنسيق مع واشنطن والذهاب إلى مفاوضات جنيف لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية. لم تكن إيران والنظام و”حزب الله” في أجواء القرار الروسي ولم يكن أمامهم إلا الإذعان له.

لم يكن تسريب وسائل إعلام محسوبة على “حزب الله” مسودة ما سمته الدستور الروسي لسوريا مجرد عملية سبق صحافي. فقد ظهر من خلال هذا التسريب أن هناك خلافاً استراتيجيًا مع موسكو حول مستقبل الوضع في سوريا. بدا واضحًا من خلال هذا الدستور أن موسكو مع واشنطن تنظران إلى مستقبل سوريا على أساس أنها دولة اتحادية تحفظ التعددية فيها وتعطي حقوقاً لكل مكوّناتها من دون الحسم في موضوع بقاء رئيس النظام بشار الأسد من عدمه. وبعد تسريب هذا الدستور ونقل ما سمي ملاحظات النظام السوري عليه نفى هذا النظام وجود هذه المسودة في الأصل ولكن هذا النفي بقي ناقصًا وظهر كأنه يخفي مشكلة بينه وبين “حزب الله” وإيران أيضًا خصوصًا إذا كان لديهما شك بأنه سيقبل به وبأنه من خلال الملاحظات التي وضعها عليه كان يعلم به مسبقاً وأنه مستعد للتفاوض حول مصيره حتى لو كان على حساب إيران و”حزب الله”.

بين إعلان وقف إطلاق النار في سوريا في 22 شباط الماضي ولقاء وزراء دفاع روسيا وسوريا وإيران في 9 حزيران ثلاثة أشهر ونصف كانت كافية لتجميد مسار المفاوضات في جنيف وتزخيم عمل قوات المعارضات السورية على الأرض وتحضير هجوم بدعم أميركي على قوات “داعش” في منبج والرقة بالتزامن مع هجوم النظام العراقي بدعم أميركي أيضًا على الفلوجة. بعد لقاء الوزراء الثلاثة بدأ الترويج لمرحلة عسكرية جديدة تستكمل المرحلة التي سبقت وقف إطلاق النار وتعيد الزخم إلى معركة حلب. ولكن المفاجأة كانت أن الهجوم المدعوم من الأميركيين حقق تقدمًا في العراق وسوريا بينما فشلت قوات المحور السوري ـ الإيراني من إحراز إي تقدم على جبهة منبج وتعرضت لهزائم على جبهات حلب. لتبرير الهزائم بدأ التشكيك بالدور الروسي والقول إنه لم يؤمن التغطية الجوية. ولكن كيف يمكن القيام بعمليات برية من دون هذا الدعم؟ وأين التنسيق العسكري على الأرض كنتيجة للقاء طهران؟

هذا المشهد العسكري والخلاف مع موسكو عززه مشهد الزيارة المفاجئة التي داهم فيها وزير الدفاع الروسي رئيس النظام السوري في قصره الرئاسي من دون موعد مسبق وظهر فيها بشار الأسد وكأنه أسير لعبة الروليت الروسية مع فارق كبير يتمثل في أن الروس هم الذين يضعون الرصاصة في المسدس ويمسكون به ويوجهونه إلى رأس الأسد. فمن دون الغطاء الروسي العسكري لا قدرة للنظام وحليفيه طهران و”حزب الله” البقاء في المناطق التي يسيطرون عليها. هناك حديث اليوم عن جبهات تمتد مئات الكيلومترات وليس عن جبهة واحدة يحاصرون فيها قوات المعارضة في القصير مثلا أو في القلمون. هذا الوضع قد يستدعي حتى ذهاب الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله للقتال كما كان أعلن في أكثر من مناسبة دافع فيها عن حربه في سوريا وتعهد أنه “سنكون حيث يجب أن نكون وسنرسل عشرة آلاف ومئة ألف من المقاتلين وحى لو اقتضى الأمر أن أذهب للقتال هناك سأذهب”.

لا يفصل “حزب الله” بين الخسارات التي يتكبدها في الحرب السورية والعقوبات الأميركية المفروضة عليه وتطبقها المصارف في لبنان والعالم. بعد اتهامه بتفجير بلوم بنك في فردان حاولت جهات مقربة منه نقل التهديد إلى المستوى العسكري والسياسي العام في لبنان من خلال الإيحاء بأن الحزب هو القوة الوحيدة القادرة على قلب الطاولة عبر القول: “إن “حزب الله” هو القوة الوحيدة التي تملك المقدرات الأمنية والعسكرية التي تتيح لها الإمساك بمناطق كبيرة من لبنان، وفي حالات تحالفاته القائمة، فإن نفوذه سيتمدد ليشمل غالبية لبنان، ما عدا بعض المناطق، من بينها الشمال، وهو الذي لن يكون مستقرًا للطرف الآخر، بل سيكون ساحة حروب أهلية مدمرة”. فماذا يعني الحديث عن الإمساك بمناطق كبيرة من لبنان؟ وعن تحالفات الحزب القائمة التي تمكنه من تمديد نفوذه ليشمل غالبية لبنان؟ هل يفكر الحزب في تكرار 7 أيار؟ قبل أن يفكر بذلك قد يكون من الأفضل له أن يشرح لناسه أولاً كيف قتل عناصره في الخلصة وإلى متى سيظلون يَقتلون ويُقتلون في سوريا وهو لا يجرؤ بعد على فك الحصار الذي يفرضه على الضاحية الجنوبية خوفاً من السيارات المفخخة والإنتحاريين.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل