يُعرف التنمّر أيضاً بالبلطجة، السلبطة، التسلّط، الترهيب، الإستئساد، الإستقواء، والإستضعاف. نتطرق للأطفال عند تناول موضوع التنمر، لأنّ هذه المشكلة تبدأ منذ الطفولة وتتفاقم مخاطرها وتتزايد مع التقدّم بالعمر ومع مراحل الحياة. هو اعتداء لفظي، جسدي، نفسي، إجتماعي، متكرّر، هدفه إيذاء الغير عمداً.
اكتساب للسلطة على حساب الآخرين. هو سوء استخدام للقوّة من قبل شخص أو مجموعة، تجاه شخص آخر أو مجموعة من الأشخاص، وذلك بطرق كلامية، مكتوبة، أو بحركات جسدية، أو معنوية عبر منع الآخر من المشاركة بالنشاطات أو المناسبات الإجتماعية، أو إكراهه للقيام بأمور لا يريد القيام بها. هو سلوك مكتسب، أي أنه بالإمكان السيطرة على العدوانية والميل للصراعات لدى الشخص المستأسد.
قد يكون التنمّر مباشراً بالإعتداء الجسدي بالضرب والركل والبصق، أو غير مباشر عبر تهديد الآخر وعزله إجتماعياً من خلال تلفيق الشائعات، اللوم، تجنّب الضحية وعدم التعامل معها، الإنتقاد والتجريح الدائم بالتعرّض لشكل الضحية الخارجي، الدين، العِرق، الإعاقة، وكذلك من خلال الشتم والتوبيخ في المجتمع. يرى المتنمّر الآخر الضعيف كفريسة له. لا يمكن ذكر التنمّر إلّا في حضور عنصرين، قوي وآخر أضعف غير قادر على الدفاع عن نفسه.
ولا بدّ من عدم توازنٍ في القوى، جسدياً، نفسياً، وإجتماعياً. يأتي البلطجيون من جميع الخلفيات، ولا علاقة لذلك بالديانات والعروق والمستوى المعيشي أو طلاق الأهل أو أيّ عامل إجتماعي أو إقتصادي آخر. ويسود التنمّر بين الفتيان والفتيات، لكنّه لفظي بين الفتيات وجسدي بنسبة مرتفعة بين الفتيان.
العنصر الضعيف
يخاف العنصر الضعيف الذهاب إلى المدرسة خوفاً من تعرّضه للإعتداء، ما يؤثّر سلباً في تقدّمه الدراسي، ويؤدي إلى إضعاف شخصيته، وتراجعه النفسي وإلى إكتئاب قد يصل به إلى الإنتحار.
البلطجي
هو ضحية للسلبطة والبلطجة التي تعرّض لها سابقاً، ما أدّى إلى اعتماده هذه الأساليب. وقد يكون مريضاً نفسياً يحتاج إلى عناية خاصة، وربّما يتصرّف بهذا الشكل بهدف الحصول على اهتمام ومحبة الآخرين، أو بسبب الغيرة.
أشكال التنمّر
يسود التنمّر في أماكن الدراسة، المدرسة والجامعة؛ وفي أماكن العمل بين الزملاء، والرئيس والمرؤوس. وهناك التنمّر الإلكتروني، وهو تهديد عبر وسائل التواصل الإجتماعي، خطيّ أو صوتي. والتنمّر السياسي، عندما تفرض دولة إرادتها بالقوة على دولة أخرى. والتنمّر العسكري، وهو استعمال السلطة والأفراد لأغراض تضرّ بالآخر.
أسباب السلبطة والإستقواء
يولد المتنمّر عدوانياً، مستقوياً، مستضعِفاً غيره، على الرغم من وجود بعض السمات الجينية. أمّا أسباب التنمّر فهي كالآتي:
أولاً: أسباب بسيكو- سوسيولوجية
نفسياً، قد يلجأ الأطفال إلى التنمّر بسبب مرض واضطرابات نفسية سلوكية. إنّ شخصيات بعض الأطفال بطبيعتها أكثر عدوانية، وتسلطاً وإنفعالية، تحتاج إلى متابعة وعلاج من قبل المعالجين والأطباء النفسيين. الأطفال المصابون بقصور الإنتباه وفرط الحركة معرّضون أكثر لأن يكونوا بلطجيين، إلّا أنّ ذلك لا يُعمَّم على كلّ المصابين بهذه الحالة. يتمتّع المتنمّر بشخصية قوية، وغالباً بشخصية بسيكوباتية، معادية للمجتمع. قد يتحوّل صاحب هذه الشخصية إلى مجرم. يتميّز بهذه الصفات مَن يؤسّس العصابات ويدير مجموعات من المجرمين.
إجتماعياً، يتسبّب عيش الأطفال في ظروف معيشية متدنّية، وشروط إنسانية صعبة يسودها الحرمان في غالب الأحيان والفروق الإجتماعية الشاسعة، في ميلهم إلى اعتماد واستباحة كلّ الوسائل للحصول على حاجاتهم. ويشعر هؤلاء بالنقمة على مَن يعيشون ترفاً مادياً واجتماعياً.
ثانياً: أسباب عائلية
العائلة هي المجتمع الأول الذي ينتمي إليه الطفل، وينطلق منه، حاملاً ما طُبع فيه من ممارسات وعلاقات متبادلة، بآثارها السلبية والإيجابية.
• العنف الأسري: يشكّل الطفل الذي شاهد العنف بين والديه، ومَن تعرّض بدوره لعنف أسري، أرضاً خصبة لممارسة ذلك العنف على رفاقه. فيميل إلى تعنيف مَن هو أضعف منه.
• التسيب والتدليل والتساهل: يبالغ بعض الأهالي في تأمين الأمور المادية للطفل، كالمأكل والملبس والتعليم، ويهملون رعايته تربوياً، إجتماعياً وأخلاقياً. يقوم الأهل بذلك بسبب الإنشغال بتأمين المال، والإعتماد على المربّين والمدرّسين. عندما ترتفع نسبة التساهل من قبل الأهل من دون وضع الحدود للطفل، يقوم بما يحلو له، من دون نظام أو مبادئ إجتماعية، ما يتيح له التسلّي بإيذاء الغير من دون مانع فعلي أو معنوي.
• الحماية الزائدة من قبل الأهل: تضعف ثقة الطفل بنفسه، وتدفعه إلى الإعتماد على الغير في كلّ تفاصيل حياته. غالباً ما يكون هذا الطفل فريسة سهلة للإستقواء والسلبطة.
• منح الأهل الولد سلطة مطلقة على إخوته الأصغر منه سنّاً، أو تعرّضه لضغوطات وتصرّفات عدوانية من الأهل أسباب تحوّله الى بلطجي.
ثالثاً: أسباب مدرسية
يتزايد انتشار العنف في المدارس، فنلاحظ اعتداءات من قبل المعلمين على الطلاب، واعتداءات معاكسة من قبل الطلاب وأهلهم على الأساتذة والمراقبين، واعتداءات متبادلة بين التلامذة. كما يؤدّي التسلّط، الذي لا يزال العديد من الأساتذة يعتمده بهدف ضبط التلامذة في الصف، إلى التنمّر من قبل بعض التلامذة، تجاه الأضعف منهم، تمثّلاً بالمعلم.
رابعاً: البرامج التلفزيونية، الألعاب، ووسائل التواصل الإجتماعي
لو تمعّنّا بالألعاب التي يتسلّى بها الأطفال، للاحظنا أنها بمعظمها تعتمد على العنف، وقتل الآخر بهدف جمع النقاط والربح. كما نلاحظ تعلّق الأطفال بهذه الألعاب وإدمانهم عليها، فينقلون هذه التجربة الممتعة إلى حياتهم اليومية في البيت والمدرسة والمجتمع ككلّ.
يؤدّي هذا الإدمان إلى تقوقع الطفل، وانعزاله شيئاً فشيئاً. لذلك على الأهل التنبّه لهذا الأمر، فالثمن الذي يدفعونه مقابل لهو أطفالهم وعدم الإهتمام بهم باهظٌ جداً، وقد تُرافق ارتداداته المستقبل البعيد لهذا الطفل. كما أنّ مشاهدة الأطفال للبرامج التلفزيونية، حيث يفيض العنف بجميع أشكاله، بالإضافة إلى السماح لهم بمشاهدة الأخبار الأمنية، من جرائم قتل، وانفجارات، وعرض لجثث وتشوّهات، يُفقد الطفل الإحترام للذات الإنسانية.
العلاج
الخطوة الأولى في علاج التنمّر هي الإعتراف بوجود هذه المشكلة، ومدى انتشارها في مجتمعنا، ودراسة أسبابها وإيجاد الحلول المناسبة لها.
تنطلق المشكلة كما ذكرنا من البيئة التي يعيش فيها الطفل، من الأسرة إلى المدرسة ومن ثمّ المجتمع ككلّ. إذاً لا بدّ من التعاون بين الأهل والمدرسة والمعالجين النفسيّين، لتأمين البيئة السليمة للطفل، مثل معالجة المشكلات الأُسرية، العمل على رفع المستوى المعيشي، وعرض الطفل الذي يعاني من مشكلات واضطرابات نفسيّة على المختصين من معالجين وأطباء نفسيّين.
كما أنه لا بدّ من التوعية حول رعاية الطفل، وأهمية التوازن بين تأمين تواجد الأهل بوقت نوعي معه وتأمين حاجاته المادية. كذلك مراقبة هذا الطفل وعدم المبالغة في حمايته، كي يتمتّع بالقدرة على الإستقلالية، والثقة بالنفس. وتجدر مراقبة البرامج التي يشاهدها الأطفال على التلفزيون، والحدّ من الألعاب التي تشجّع وتنمّي العنف والعدوانية، والحثّ على التعاطف والمشاعر الإنسانية.
ويجدر تجنّب الأطفال مشاهدة البرامج التي تُسمّى ترفيهية، والتي تتسلى بمشاعر الآخرين وتخويفهم. ويلعب الأهل دوراً أساساً في نظرة الطفل إلى الآخر، عندما يتعاملون مع الناس على أساس العرق والدين، والمراكز والمستوى المالي.
إنّ مراعاة الأهل والتربوييّين لما سبق ذكره من مؤثّرات سلبية، يساهم في إنشاء أجيال صالحة، مسالمة محبّة، بدلاً من مشاريع المجرمين والخارجين على القانون. إنّ المتنمّر، المعتدي والمعتدى عليه ضحايا البيئة النفسية، العائلية والإجتماعية للطفل. فالتنمّر موضوع خطير، لا بدّ من التعريف عنه عبر وسائل الإعلام، وحثّ الطفل على بناء العلاقات الإنسانية الإيجابية من خلال النشاطات التي يقوم بها.