“المسيرة” في ضيافة البطريرك صفير: أنا بخير طمنوني عنكم

بالنسبة إلى عمره يتمتع البطريرك مار نصرالله بطرس صفير بصحة جيدة وذاكرة ثابتة وحضور دائم. ستة وتسعون عامًا يحملها من حمل هم لبنان على كتفيه وفي قلبه في أصعب الأوقات. كأنه توأم البطريركية المارونية في بكركي. منذ دخل ذاك الصرح في العام 1956 أميناً لسر البطريركية لم يكن يدرك أنه لن يخرج منه، وأنه بات كأحد حجارته الصلبة كاهناً ومطراناً وبطريركاً وكاردينالاً وأنه سيتحول سرًا من أسرار الكنيسة.

عاصر بطاركة القرن العشرين الموارنة. من البطريرك أنطون عريضة إلى البطريرك بطرس بولس المعوشي والبطريرك أنطونيوس بطرس خريش. لم يكن رفيق البطاركة فقط بل مرافقاً لمراحل التغيير في السدة البطريركية ولذلك ربما أراد أن يكتب على طريقته وبإرادته نهاية ولايته.

عرف نصرالله صفير كيف كانت بكركي في آخر أيام البطريرك عريضة وكيف شكل الفاتيكان لجنة أسقفية لإدارتها حتى وفاته. وعاش في ظل البطريرك المعوشي الذي كان أحد أعضاء اللجنة وتم تعيينه بطريركاً بقرار من الفاتيكان أيضًا. عاش الخوري صفير في كنف البطريرك الجديد وعندما صار مطراناً في العام 1960 بقي في بكركي نائبًا بطريركيًا وكان مشاركاً في انتخاب المطران خريش خلفاً له بعد وفاته في العام 1975. نهاية عهد خريش لم تكن أفضل من نهاية عهد عريضة. في العام 1983 عيّن الفاتيكان المطران ابراهيم الحلو مدبرًا بطريركيًا وانتقل البطريرك خريش إلى جناحه الخاص في الرواق الموازي لصالون البطريرك الذي لم يبق فيه أكثر من ثمانية أعوام. في هذا الجناح يعيش اليوم البطريرك صفير.

صحيح أنه لم يكن كما الأساقفة الموارنة موافقين على القرارات الفاتيكانية المتعلقة بالبطريركية الماروينة ولكن انتخابه بطريركاً في نيسان 1986 كان بداية الطريق لنهج جديد أراد إرساءه في بكركي وفي علاقتها مع الفاتيكان فاستطاع أن يفرض احترامه ودوره وأن يجعل منها صرحًا حقيقيًا بانيًا في الوقت نفسه علاقة راسخة مع الكرسي الرسولي ومع البابا يوحنا بولس الثاني.

لم يرد البطريرك صفير أن تكون نهاية ولايته مشوبة بأي شائبة. لا بدواعي الصحة والمرض التي غيّبت البطريركية في آخر أيام البطريرك عريضة ولا بمقتضيات الضرورة التي استدعت تعيين المطران ابراهيم الحلو مدبرًا بطريركيًا. رسم إشارة الصليب وأخذ قراره واستقال.

أمتار قليلة تفصل بين صالون البطريركية الكبير الذي شغله على مدى 25 عامًا وبين صالونه الجديد الذي استقر فيه منذ العام 2011. تدخل من البوابة الكبيرة إلى المقر الداخلي تتجه إلى اليسار لتصل إلى حضرة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أو تتجه يميناً ليتسقبلك أبونا نصرالله بطرس صفير.

لا تختلف هدأة المكان عن هدأة البطريرك. يتفاجأ بالعدد الكبير من الزوار على رغم أنه كان يتوقع الزيارة. في العادة يستقبل عددًا أقل. بكامل هندامه البطريركي يقف ليسلم على الداخلين فردًا فردًا محاولاً أن يتذكر الوجوه والأسماء وهم في حضرته أكثر دهشة ورهبة.

منذ صدور العدد الخاص به كان الموعد معه من أجل الزيارة وتقديم العدد إليه وهو الذي لم يغب عن أعداد “المسيرة” وغلافاتها. نتمنى له الصحة الدائمة والعمر المديد وهو واقف يستمع ويرد على التحيات والتمنيات. نقدم إليه العدد. يأخذه بيده وينظر إلى الغلاف متفحصًا الصورة. نظارتاه على وجهه. يعلق: منيح منيح. هيدا كلو عني؟

“بتستاهل سيدنا أكثر”. نرد. “هذا أقل من الواجب الذي علينا أن نعمله”. يجلس ونجلس حوله كأنه لا يزال في صالونه الكبير. الكراسي إلى جانبي الرواق الذي يفصل بين الغرف المخصصة له في جناحه ونقل إليها أغراضه وأشياءه الخاصة. مكتبته. مكتبه. بعض الصور التي علقت على الجدران. كنيسته الخاصة. طاولة الطعام. الكومبيوتر.

نقدم إليه صورته مع الدكتور سمير جعجع يقدم إليه وردة حمراء في احتفال ذكرى شهداء “القوات اللبنانية” في الملعب البلدي في جونيه في أيلول 2011 بعد ستة أشهر على تركه سدة البطريركية. كان حريصًا على معرفة ما كتبه له الدكتور جعجع فقرأناه على مسمعه وهو يردد: هيك قايل الدكتور جعجع؟

نقدم له صورًا تمثل مسيرته الحياتية طفلاً وكاهناً ومطراناً وبطريركاً، بالإضافة إلى صور أخرى مع الرئيس كميل شمعون الذي طالما عبّر عن إعجابه به ومع الرئيس الأميركي رونالد ريغن في أول زيارة له إلى البيت الأبيض وهو يقدم له أرزة لبنانية. سأل عنه: “هيدا مين؟” قلنا له “إنه الرئيس ريغن وأنت تقدم له الأرزة”. تذكر الأمر والمناسبة. ثم ركز على صورته مع البابا يوحنا بولس الثاني ومع الدكتور سمير جعجع والنائب ستريدا جعجع في المقر الصيفي للبطريركية في الديمان. وتأمل صورته صغيرًا لحظات ليقول: “هيدا الأستاذ سلامة كان يعلمنا” مثيرًا دهشة الحاضرين: “مش معقول كيف تذكرو وعرفو؟”

“هذه الصور جمعناها لأنها تمثل كل مراحل حياتك” قلنا له.

رد سريعًا وبضحكة وهو يمسك الصورة بين يديه: “وكنتو عارفين أنا بدي هيك؟”

“كنا حاسين إنو أنت بدك هيك سيدنا” قلنا له. أجاب: “منيح منيح بتشكركم ألله يقويكم”.

الصورة الثالثة كانت الكاريكاتور الخاص به في العدد الخاص. “هيدا أنا؟” قال ممازحًا؟ وكان هذا التعليق كافيًا لينقل الضحكة إلى الحاضرين الذين تفاجأوا باحتفاظه بسرعة البديهة وبروح النكتة الحاضرة.

يجلس البطريرك ونجلس من حوله. رهبة اللقاء تمنع الكلام الكثير. نسأله ما إذا كان يقرأ ويتابع الأخبار؟ “ليس كثيرًا” يقول. يتمنى أن تصطلح الأمور ويتم انتخاب رئيس للجمهورية. هل يغادر بكركي وإلى أي أمكنة يذهب؟ يرد” لوين بدي روح؟” هل يستقبل الكثير من الزوار؟ “بيجوا بس مش كتار”. نتمنى له الصحة الدائمة وأن يكون الله معه. يرفع يده مباركاً وشاكرًا وقائلاً: “والله يكون معكم وتضلوا بصحتكم”. هل سيذهب إلى الديمان في الصيف؟ يرد: “مش عارفين. يمكن نطلع يمكن ما نطلع.”

يدور الشماس جورج صليبا الذي رافقنا منذ بداية اللقاء على الحضور ويقوم بواجب الضيافة. ثم ننتقل مع البطريرك إلى الشرفة الكبيرة المطلة على البحر من أجل التقاط الصور التذكارية. لا يمل البطريرك من الرد على التحيات ولا يتعب من الوقوف الطويل ولا يرفض التقاط أي صورة معه. صور تشمل الجميع ثم صور مع كل واحد من الزملاء الذين حضروا من المسيرة أو من موقع “القوات” الإلكتروني أو من الذين ساهموا في الكتابة في العدد الخاص. أكثر من عشرين دقيقة بقينا معه على تلك الشرفة. فالمناسبة قد لا تتكرر ولذلك لا يجب أن نفوتها.

كانت الشمس تسطع في سماء ذاك الخميس 16 حزيران 2016. منذ العام 1956 رافق البطريرك صفير إشراقاتها مع كل صباح وغيباتها في كل مساء. وهي ستستمر في رحلاتها اليومية شاهدة على إشراقة شمس بطريرك لن تغيب.

في لحظة الوداع لا ينسى البطريرك أن يرفع يده راسمًا إشارة الصليب مباركاً ومتمنيا “الله يبارككم ويرافقكم”.

“الله يكون معك سيدنا وتضل بصحتك وانشالله نجي نعيدك لما يصير عمرك مية سنة.”

“بعد بدي عيش للمية؟” يضحك البطريرك ونضحك معه وفيما نغادر حاملين بركته كان هناك من ينتظر عند الباب ليدخل ويلقي التحية عليه.

ألف تحية لك سيدنا.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل