إيران تروّج لنظام برلماني في سوريا يخرج المفاوضات من مأزق مستقبل الأسد

لم يطرح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف خلال لقاءاته أول من أمس في العاصمة الفرنسية وتحديدا مع الرئيس فرنسوا هولاند والوزير جان مارك أيرولت، مقترحات “ثورية” بالنسبة للملف السوري. لكن “الشرق الأوسط” علمت من مصادر واسعة الاطلاع في باريس أن ظريف كرر موقف بلاده التقليدي والمعروف، ولكنه أبدى استعداد طهران للعمل في “صيغة أخرى” غير صيغة “مجموعة الدعم لسوريا” التي تضم 17 بلداً بينها إيران والتي كانت الجهة الضامنة لوقف إطلاق النار بناء على تفاهمات أميركية ­روسية تمت في فيينا ثم تبناها مجلس الأمن الدولي.

والواقع أن فكرة “اختصار” مجموعة الدعم إلى صيغة تشبه مجموعة خمسة زائد واحد التي تولت الملف النووي الإيراني ليس حكراً على إيران، بل إن بلدانا رئيسة “لا ترى فائدة” من وجود هذا العدد الكبير في إطار لجنة منوط بها الدفع باتجاه حل سياسي في سوريا.

ومن الصيغ المطروحة، قيام مجموعة تضم الطرفين الدوليين الولايات المتحدة وروسيا والدول الإقليمية الرئيسة الفاعلة مثل المملكة السعودية وتركيا وإيران وعدد قليل من البلدان الأوروبية مثل فرنسا وبريطانيا. وبحسب المصادر التي تحدثت إليها “الشرق الأوسط”، فإن ظريف بدا “منفتحاً” على أن تعمل إيران مع بلدان أوروبية بالنسبة للملف السوري.

أما التوجه الثاني الذي برز من خلال مواقف الوزير الإيراني، فهو إشارته إلى أن الحل السياسي في سوريا يمكن أن يقوم من خلال تقوية النظام البرلماني على حساب النظام الرئاسي الحالي الذي يعطي الرئيس السلطات الرئيسة في سوريا. والحال، تعتبر مصادر فرنسية رسمية، أن المقترح الإيراني الثاني يمكن فهمه على أنه “محاولة للحفاظ على الرئيس السوري في أي صيغة مستقبلية”، وأنه “مهما تحول النظام من كثيرا” في واقع الأمر ولا يساهم في تقدم الحل السياسي طالما أن المطلوب هو المحافظة على رأس صيغته الحالية إلى صيغة أكثر برلمانية فإنه سيبقى لعبة في يد الأسد”، وبالتالي فإن هذا المقترح “لا يغير السلطات تحت حجج مثل تلافي الفراغ وسد الطريق بوجه “داعش” والنصرة.

فضلا عن ذلك، ترى المصادر المشار إليها، أن الوزير ظريف “ليس الجهة الوحيدة المؤثرة في الملف السوري لا بل إنه قطب من مجموعة أقطاب وليس القطب الأقوى”، وأن المطلوب منه حتى الآن كان “التسويق لسياسات يقرّها الحرس الثوري”. ولا تبدو باريس مقتنعة بما تروّج له بعض الصحافة الغربية التي رأت في إزاحة عبد اللهيان “استعادة” ظريف للملف السوري من الحرس الثوري وبالتالي “توسيع” خيارات طهران في سوريا وليس الاستمرار في حرب مكلفة وغير مضمونة النتائج.

وبحسب هذا التفسير، فإن إيران قد تكون قادمة على “تناول مختلف” في الأسابيع والأشهر المقبلة للملف السوري وتحديداً بالنسبة لمصير الرئيس الأسد الذي شكل العقبة الكأداء حتى الآن، والتي حالت دون إحراز الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا أي تقدّم ملموس في محادثات جنيف على الرغم من ثلاث جولات.

في حديثه للصحافة أول من أمس إلى جانب نظيره الفرنسي، شدد ظريف على الحاجة إلى “حل سياسي شامل يأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع الأطراف في سوريا ولا يفضي إلى إلغاء أحد”. وبالطبع هذه العبارة يمكن أن تفتح الباب لكثير من التأويلات والمعاني وربما تشير إلى “انفتاح” إيراني جديد.

كذلك شدد ظريف على الحاجة لوقف النار وإيصال المساعدات الإنسانية إلى الجميع والعودة إلى المفاوضات وهو ما يطالب به الغربيون والروس والجميع. لكن المشكلة في كيفية ترجمة الأقوال والنوايا إلى أفعال وهو ما فشل دي ميستورا في تحقيقه. تقول مصادر دبلوماسية فرنسية إنه، بغض النظر عن التصريحات، لم يصدر عن إيران حتى الآن أي مؤشر ميداني يمكن الاستدلال منه على وجود تغير ما في دعمها المطلق للأسد.

ترجع باريس السبب لكون المصالح الإيرانية مرتبطة مباشرة بالنظام القائم في دمشق الذي “استثمرت” فيه الكثير وبالتالي فإن رحيله أو سقوطه سيكونان بالغي الكلفة بالنسبة لطهران، لأنه سيحرمها من موطئ قدم في سوريا وسيقطعها عن ما يسمى “حزب الله” في لبنان الذي يشكل رأس حربة النفوذ الإيراني في المنطقة وفي شرق المتوسط. من هذه الزاوية، فإن موقف طهران أكثر هشاشة من موقف روسيا التي تربطها علاقات بالدولة السورية وليس فقط بالنظام، وبالتالي فإنّ روسيا قادرة على المحافظة على مصالحها الاستراتيجية حتى مع حصول تغير في الحكم في سوريا.

وحسبما نقلت وكالة “إيرنا” الرسمية عن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أثناء زيارته الأخيرة قبل يومين لباريس، طالب ظريف بعدم التركيز على مستقبل بشار الأسد في المفاوضات، معتبراً تأكيد الأطراف الدولية على مستقبل الأسد “تهديداً للحل السياسي”. ودعا ظريف في المقابل إلى وضع “هيكل وأطر قانونية لمستقبل سوريا”، مضيفاً أن الحل الفيدرالي “لن يشكل مخرجاً” من الأوضاع الراهنة في سوريا.

يشار إلى أن طهران تعتبر الحديث عن رحيل الأسد والإطاحة به في أي مفاوضات سياسية تنهي الأزمة السورية، من الخطوط الحمراء، وهو ما أكده أكثر من مسؤول إيراني رفيع وعلى رأسهم مستشار خامنئي في الشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي.

من جانبه نفى عضو البرلمان الإيراني عزت الله يوسفيان ملا، أمس، أي تحرك مغاير من ظريف مع سياسات النظام العامة فيما يتعلق بالملف السوري. وقال إنّ إيران ستواصل “دعم نظام بشار الأسد في كل الظروف حتى نهاية فترته الرئاسية”.

واعتبر يوسفيان ما يتردد حول تباين في سياسات النظام الإيراني وخلافات بين الخارجية والحرس الثوري “تكهنات غربية”، وأوضح أنّ “الغربيين يريدون القول إنّ “السياسات الإيرانية تفتقر للانسجام” تجاه الأزمة السورية. وقال البرلماني الإيراني، أيضاً، إنّ “الأجهزة الإيرانية في كل المراحل لديها مسار واحد تجاه سوريا”. وعلى الصعيد نفسه، نقلت وكالة “إيسنا” عن يوسفيان تأكيده أنّ “المواقف الإيرانية بشأن سوريا لم ولن تتغير”.

وتعليقاً على ما قاله ظريف في زيارته إلى باريس، قال إنّ “بعض الصحافيين الأجانب يعتقدون أن وجود ظريف خارج البلاد سيؤدي إلى أجوبة يمكن استثمارها سياسياً”. ويأتي رد يوسفيان ملا في سياق الرد غير المباشر على تقرير نشر في صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، أمس، تحدث عن “ظهور علامات بأن إيران التي حافظ دعمها للرئيس بشار الأسد طوال سنوات الحرب على بقاء نظامه ­تبدو جادة في إيجاد حل سياسي للصراع”.

وكانت وسائل إعلام قد ذكرت على مدى الأسبوع الماضي أنّ ظريف أخبر نظيره الأميركي جون كيري بأنه حصل على صلاحيات أوسع فيما يتعلق بالملف السوري. وفي إشارة إلى مواقف ظريف خلال زياراته الأوروبية، وصف يوسفيان تعامل ظريف بـ”الناضج”، نافياً أن يكون وزير الخارجية الإيراني قد قدّم تراجعاً أو أبدى مرونة في الموقف الإيراني.

هذا وربطت وسائل إعلام إقالة مساعد وزير الخارجية الإيراني في الشؤون العربية والأفريقية أمير عبد اللهيان، كمؤشر على تغيير اتجاه السياسة الخارجية الإيرانية في الملف السوري، كما اعتبرت إقالته دليلاً على تباين وجهات النظر بين طهران وموسكو.

في غضون ذلك ذكر تحليل موقع “تدبير” المقرب من مكتب روحاني، أن تغيير عبد اللهيان مؤشر إيجابي على صلاحيات واسعة للخارجية، للتفاوض حول الملف السوري، وقارن الموقع تلك الصلاحيات بتكليف الخارجية بالملف النووي قبل نحو عامين. من جانب آخر ربط الموقع تغيير عبد اللهيان بتعيين الأمين العام في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني في منصب المنسق الأعلى للشؤون الأمنية والسياسية والعسكرية بين إيران وروسيا وسوريا، معتبراً ذلك مؤشراً إيجابياً آخر على دخول ظريف بصلاحيات أوسع من السابق على خط الأزمة السورية.

وخلال الأيام الماضية زادت التكهنات حول خلافات عميقة في طهران بين إدارة روحاني والحرس الثوري بشأن الأزمة السورية. في هذا الصدد اعتبر كثير من المراقبين انتقادات المساعد السياسي ومستشار روحاني الثقافي حسام الدين آشنا لتصريحات قائد فيلق قدس قاسم سليماني، مؤشراً على خلافات عميقة بين الخارجية والحرس الثوري بشأن الملفات الإقليمية.

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل