.jpg)
يبدو أن ارتدادات زلزال تصويت 52 في المئة من البريطانيين، الخميس الماضي، لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي، لن تتوقف قريباً، بل إنها ستحدث المزيد من التصدعات في بنية المجتمع البريطاني، وداخل الأحزاب السياسية، والتي ظهرت بوادرها باستقالة مفوض الخدمات المالية في الاتحاد، البريطاني جوناثان هيل المؤيد للبقاء. وبدا، أمس السبت، أن البريطانيين والعالم استفاقوا بالفعل من وقع صدمة النتائج، لتنطلق رحلة البحث عن مخارج لـ”الكارثة”، إما عبر التعويل على غرفتَي السلطة التشريعية لإبطال نتيجة الاستفتاء كون مفعوله “استشارياً”، أو من خلال تنظيم حملة لتنظيم استفتاء ثانٍ.
وقال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، في بيان أمس السبت، إن نائبه فالديس دومبروفسكيس، سيتولى منصب مفوض الخدمات المالية بالاتحاد الأوروبي بعد استقالة هيل.
ودومبروفسكيس، وهو رئيس وزراء سابق للاتفيا، إحدى الدول الأعضاء في منطقة اليورو، يتولى في الوقت الراهن المسؤولية عن العملة الموحدة في المفوضية. وسيحق لبريطانيا ترشيح مفوض جديد ليمثلها في المفوضية ما دامت لا تزال ضمن التكتل. وسيحدد يونكر سلطات هذا المرشح بالتشاور مع الحكومة البريطانية.
في غضون ذلك، ظهرت تصريحات المسؤولين الأوروبيين إزاء السلطات البريطانية، على مستوى من التعالي والصرامة من خلال استعجال خروج المملكة وتعيين رئيس حكومة “فوراً” في لندن، وهي مواقف وإجراءات يرى كثيرون أن الهدف الرئيسي منها استباق أي مفعول عدوى لنتيجة الاستفتاء البريطاني خارج حدود المملكة.
وفي ردود الفعل الأولى الرافضة لنتيجة التصويت، يوم الخميس، تظاهر مئات الرافضين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أمام مقر الحكومة وسط لندن، رافضين نتيجة الاستفتاء، ومُستنكرين تسليم مستقبل الأجيال البريطانية لمجموعة من العنصريين الكارهين للأجانب. غير أن الأهم من ذلك، هو تعالي الأصوات التي تنادي بضرورة عدم مصادقة مجلس العموم، نواباً ولوردات، على نتيجة الاستفتاء، باعتبار ما جرى هو غير ملزم، ولا يتعدى “الاستشارة” الشعبية.
الاستنجاد بمجلس العموم
لا يستبعد الكاتب في صحيفة “إيفننغ ستاندرد”، أنطوني هيلتون، إمكان عدم تصديق السلطة التشريعية على نتيجة الاستفتاء، مستشهداً بما قالته حكومة حزب العمال برئاسة هارولد ويلسون عند إجراء الاستفتاء الأول في العام 1975 حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. واعتبرت الحكومة، آنذاك، الاستفتاء “استشارياً”، وللبرلمان الكلمة النهائية لإلغاء قانون الانضمام للسوق الأوروبية الذي أُقرّ عام 1973. ويقول الكاتب إن هذه السابقة لا تزال سارية المفعول حتى اليوم، وأن نتيجة الاستفتاء الثاني، التي أعلنت أول من أمس، الجمعة، ليست مُلزمة.
ويرى الكاتب أنه لا يمكن القفز عن الكلمة الأخيرة للسلطة التشريعية ممثلة في البرلمان ومجلس اللوردات، ذلك أن إشعار الاتحاد الأوروبي برغبة الخروج، بموجب المادة 50، لا يمكن أن يتحقق من دون موافقة البرلمان، ومن دون المصادقة على قانون “الخروج” من قبل السلطة التشريعية.
ويعتبر البعض أن المطالبات بتدخل السلطة التشريعية، وخصوصاً البرلمان، لعدم تمرير قانون “الخروج”، واعتبار نتيجة الاستفتاء مجرد “استشارة شعبية” تستند إلى حجج قوية، أولها أن الفارق بين من أيدوا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومن عارضوه لم يكن كبيراً، إذ لم تتجاوز نسبة مَن صوتوا لصالح الخروج 51.9 في المئة مقابل 48.1 في المئة أيدوا بقاء بريطانيا في الاتحاد، وأن مَن صوتوا للخروج لا يشكلون إلّا حوالي 25 في المئة من الشعب البريطاني.
أما الحجة الأخرى، هي أن 490 نائباً يمثلون الأحزاب الرئيسية في مجلس النواب من أصل 650 عضواً، أعلنوا تأييدهم لبقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي. وهذه الأغلبية التي تمثل 70 في المائة من ممثلي الشعب لها الحق الدستوري بعدم شرعنة نتيجة الاستفتاء، لا سيما أن معظم النواب يعتقدون أن الخروج من الاتحاد يشكل كارثة بالنسبة لبريطانيا، كما يقول النائب السابق عن حزب المحافظين، ماثيو باريس، في صحيفة “التايمز”.
ونشرت صحيفة “ذا صن” اليمينية، المؤيدة لمعسكر الخروج من الاتحاد الأوروبي، أول من أمس الجمعة، تقريراً موسّعاً، قالت فيه إن 490 نائباً من أنصار الاتحاد الأوروبي يعدّون خطة لوقف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، على الرغم من نتيجة استفتاء يوم الخميس الماضي. ولفتت الصحيفة إلى أن 490 نائباً ممن يرفضون الانفصال عن أوروبا يتشاورون في جلسات خاصة، لوقف نتيجة الاستفتاء، “وإذا ما حدث، فسيتسبّب ذلك بحالة من الفوضى”. ونقلت الصحيفة عن ماثيو باريس، عدم استبعاده تحدي السياسيين من الحزب القومي الاسكتلندي وحزبَي العمال والمحافظين المؤيدين للاتحاد الأوروبي إرادة الناخبين الذين صوتوا لصالح الخروج.
استفتاء ثان وبعيداً عن الجدل التشريعي، لا يبدو أن مؤيدي البقاء في الاتحاد الأوروبي قد يقبلون بنتيجة استفتاء يوم الخميس بسهولة، إذ بادروا للتوقيع على عريضة إلكترونية تدعو لإجراء استفتاء ثان للتأكد من حقيقة الإرادة الشعبية. وبادر المواطن البريطاني ويليام أوليفر هيلي إلى تأسيس موقع إلكتروني لعريضة يناشد فيها الحكومة إجراء استفتاء ثان حول الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وعلى الرغم من حدوث مشاكل تقنية بسبب ضغط الراغبين في التوقيع، نجحت العريضة بجمع أكثر من 1.5 مليون توقيع خلال ساعات قليلة. وتناشد العريضة “حكومة صاحبة الجلالة لتطبيق الحكم الذي يفيد بأنه إذا كان التصويت بالبقاء أو الخروج أقل من 60 في المائة، فإنه، وبحسب تعليمات نسبة المشاركة الأقل من 75 في المائة، يتوجب إجراء تصويت ثان”. ونجحت العريضة في جمع أكثر من 100 ألف توقيع، وهو الحد الأدنى المطلوب لمناقشة أي اعتراض شعبي في البرلمان. ومن المُرجح أن تستجيب الحكومة وتعرض الوثيقة الشعبية على مجلس النواب لمناقشتها.
ومن المعروف أن تنظيم أي استفتاء شعبي يحتاج إلى قانون تنظيمي من السلطة التشريعية، أي مجلس النواب واللوردات. يصدر القانون بعد المصادقة عليه من السلطة التشريعية، ويحدد في مواده كل الجوانب الفنية والإجرائية التي تتعلق بالاستفتاء، وينبغي مراعاتها من قبل مفوضية الانتخابات. وغالباً ما تتقدم الحكومات بمشروع الاستفتاء الشعبي.
وهذا ما جرى بالضبط في مسيرة الاستفتاء البريطاني في حزيران الحالي، إذ قدّمت حكومة المحافظين برئاسة ديفيد كاميرون، مشروع قانون إلى مجلس العموم يتضمن آليات الاستفتاء حول بقاء البلاد عضواً في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه. وبعد إقراره في البرلمان يوم 10 حزيران 2015 بأغلبية ساحقة (544 نائباً وبمعارضة 53)، أعلن رئيس الوزراء يوم 23 حزيران 2016 موعداً لتنظيم الاستفتاء، ليكون بذلك الاستفتاء الثاني بعد 41 سنة منذ الاستفتاء الأول حول انضمام بريطانيا إلى المجموعة الأوروبية بعد استفتاء العام 1975.