#adsense

منتقِدو النقد… “اسمحولنا فيها”!

حجم الخط
إستطاع ناقدان في سنواتٍ مضَت أن «يفَرملا» مسيرة أحد الكتّاب المسرحيّين اللبنانيين، على رغم امتلاكه مخزوناً من المعرفة والأفكار والكتابات التي لم تُفرَغ على ورق. لسنوات طويلة كان لقلمِ الناقد في لبنان قوّةُ السلاح، فيمكِنه أن يغتال برصاصه مستقبلَ رسّام، أو يصيبَ عينَ مصوّر بجرحٍ لا يندمل، أو يخرق ورقة كاتب فيحرقَ أفكاره، أو يترك ندوباً على وجه منحوتةٍ… قيمة «الناقد» اليوم، لم تتغيّر، والذي تبدَّلَ وتغيَّر هو نظرة الناس والجمهور إلى الناقد.
أنْ يكون الإنسان ناقداً، يعني أن يكون صحافياً لم يكتفِ بـ»الكلمتين» اللتين تعلّمهما في الجامعة، بل زاد على اختصاصه اختصاصات من خلال المتابعة والقراءة، فضلاً عن تراكمات المشاهدات والتغطيات. أو أن يكون الناقد شخصاً متخصّصاً بالنوع الذي يكتب عنه نقداً، بغَضّ النظر إنْ كان صحافياً أم لا. أو الاثنين معاً.
أصل الإنسان خروف
تكشف قراءة التعليقات التي تُكتَب على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي عن المقالات النقدية، مدى ازدياد كمّية «انتقاد» النقد.
وضمنَ هذه الكمّية أنواع، البعض (القليل) يحترم ما يقرأه إنْ خالفَه الرأي أو وافقَه، فطالما لمسَ مصداقيةَ الكاتب مَن تابَعه باستمرار لمعرفة رأيه. البعض الآخر «ينقّ» مهما كان الموضوع ومهما كان مضمونه.
أمّا الفظاعة فعند (البعض الكثير)، خصوصاً جيوش أو فانزات «المشاهير»، أو غيرها من التسميات. أكتب نقداً لاذعاً أو خفيفاً عن أحد الفنانين أو الممثلين، فتلقى سيلاً من الشتائم والاتّهامات.
عند قراءة تلك التعليقات لا يمكن استنتاج إلّا أمرَين: إمّا أنّ مَن «يعلّق» جاهلٌ ولم يقرأ المقال أو لم يفهمه، وإمّا أنّ أصلَ الإنسان خروف، لا قرد ولا على صورة «الله». فالفنّان يمشي والخواريف تتبَع.
مفهوم الفن هو تجميل الأشياء وتقديمها بمستوى أعلى وأرفع وأرقى ممّا هي عليه، كلاماً، ولحناً، وصوتاً، ورسماً، وتمثيلاً… وأن يصبح الفنّ علاقة تقديس من قبَل أتباع لـ»شخصٍ»، مهما قدّم، وعدم تقبّل أيّ نقدٍ له، لهو أكبرُ دليلٍ على نجاح سياسة التجهيل أو بالحد الأدنى عدم التثقيف، التي اعتمِدت عمداً أو من دون قصد في القطاعين التعليمي، والإعلامي وغيرهما.
«شو فهَّمك؟!»
كتبَ أحد الزملاء مقالاً نقدياً ينوِّه فيه بميزات عدة لأحد الفنّانين، إنّما يلفت انتباهه فيه إلى أخطاءٍ حصَلت في إحدى أعماله. ومن ضمن سيلِ التعليقات-الشتائم على هذا المقال، تعليق لأحدهم ينتقد فيه الناقد على لغته، قائلاً له أن يتعلّم أن يكتب لغة عربية قبل أن يكتب. وهنا تسأل، ألم يقرأ؟ كيف فهم أنّ هذا المقال ذمٌّ وتجريحٌ؟ زِد أنّ جملته غير صحيحة لغوياً!
ناهيك عن التعليقات الأخرى مثل «مينَك إنتَ تتِحكي»، «شو فهَّمك»، «معروف مين دافِعلك»… وما شاكَلها من أعراض الجهل.
التعليقات على مقالات إحدى الزميلات المعروفة بتشريح نقديّ تامّ لأيّ عمل تتناوله، لا تقلّ جهالة: «أنت معقّدة»، «ما بيعجبك شي»، «فشّي خِلقك بشي غير»، «كيف بتسمحي لحالك تكتبي هيك»، «روحي تفلسفي عغَيرنا»… (مع الإشارة إلى أنّنا اخترنا أكثر التعليقات لياقةً واحتراماً!).
أمّا التعليقات على مقالات أحد النقّاد المخضرمين، فتشبه المذكورة أعلاه أيضاً، ناهيك عن تعليقات مثل: «تفكيرك قديم بالي»، «بأيّ قرن بَعدك عايش»، «تطوّر وارجَع احكي»… مَن يكتب هكذا كلام لا يمكن أن يكون قد فهمَ جملةً واحدة من مقالات الناقد المصاغة بلغةٍ فصحى «عالية الجودة» والثقل.
للناس آراؤهم، وأن يوافقوا النقدَ أو يرفضوه، هذا حقّهم، إنّما أن يجَرِّموا الناقد ويحلّلوا حِبرَ قلمِه أو يعتبروا أنفسَهم مثلَه أو حتى أفهمَ منه، «فاسمحولنا فيها»، خصوصاً الفنّانون في مختلف مجالاتهم، فتقبُّلهم النقدَ ينقل عدوى «الوعي» إلى محبّيهم، كما يحصل حاليّاً العكس.
«دافعينلو»!
لطالما كان النقد يثير زوبعاتٍ من التعليقات والأخذ والرد، إنّما كلّ ذلك كان يقف عند حدود احترام الناقد والاعتراف بأنّه «صاحب المصلحة»، ويبقى لرأيه ميزةٌ عن كلّ الآراء. المسرحيّ الراحل ريمون جبارة كان يردّد: «لا أفهم مسرحيتي إلّا بعد أن أقرأ مقال نزيه خاطر». («نزيه خاطر جمهورية الأعداء» لنادين أبو زكي، ص.153)… هذا ريمون جبارة!
أحد ممثّلي هذا الزمن، جعلَ مِن نفسه، ممثّلاً وشاعراً ومغنّياً وفقيهاً لغوياً وسياسياً! وكلّ نقدٍ يطاله، يضع كاتبَه تلقائياً في خانة «عندما تريد أن تكتب عن أحد يجب أن تكون أفهمَ منه». إنّه كذلك، ولو أقنعتَ نفسَك بـ»العكس». راجِع نفسَك وفكّر لثانيتين فقط، إن خلعتَ عنك شبوبيتَك وجمالك الذي «بسوسِح» النساء، أين ستكون وماذا كنتَ بفاعلٍ؟!
«هل أعجب العمل نزيه خاطر؟». كان هذا السؤال يتردّد دائماً في ذهن نورا جنبلاط. («نزيه خاطر جمهورية الأعداء»، ص. 139).
وفي الكتاب ذاته، تروي المخرجة المسرحية نضال الأشقر عن انزعاجها وعدداً مِن الفنّانين العاملين معها مِن نقدِ نزيه خاطر في بدايات مسيرتهم، لدرجةِ رميِه خارجَ المسرح في إحدى المرّات. إلّا أنّ عدم تقبّلِ وفهمِ هذا النقد اللاذع لم يطُل، وتحوّلَ إلى احترام.
فنّانو اليوم، كلُّ مَن ينتقدهم «مدفوع له» أو «مدفوع به». طبيعي، لربّما يقومون هم بهذا الفعل، فيظنّون أنّ هناك من سبَقهم عليه. يا مدام الفنّانة الحلوة، هل «بتتفلسفي عحكيم التجميل أو القلب!
أو بتبلعي الدوا متل الشاطرة؟»، هل تدّعين معرفة تصليح السيارة وتعتبرين أنّك تعلمين أفضلَ من «الميكانيسيين؟!»، وهل تفهمين أيّ شيء ممّا يقوله لك المحامي عن الدعاوى التي يتوكّل فيها عنكِ من طلاق، أو دعاوى مدنية مع المنتجين، أو القدح والذم وغيرها! مادام، النقدُ اختصاصاً أيضاً. فـ»اترِكي «الخِبز للخبّاز لو أكل نِصّو».
نرتفع للدرجة الأولى من سلّم الانفتاح والتطوّر الثقافي الفكري، عندما تَرفع الفنّانة سمّاعة الهاتف وتتّصل بناقدٍ كتبَ عنها نقداً لاذعاً، لا لتشتمَه، لا لتهدّدَه، أو لترغبَه بشتّى المغريات، بل لتقفَ عند رأيه وتناقشَه في ملاحظاته، وتبحثَ عن فهمٍ أكبر لآرائه. عندما يسارع محبّو الفنّان لانتقاد أيّ عملٍ رخيص يقدّمه قبل أيّ ناقد (كما تفعل الجماهير الأوروبية بلاعب فوتبول!).
حينما يكفّ الجميع عن التكلم بالسياسة وانتقاد النقد، والاستماع إلى أهل الاختصاص. عندما يرمي الجاهل سلاحَ ادّعاء المعرفة، ويشتري عجينة الوعي «طازة» من المخبز مباشرةً. (للبحث تتمة).
المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل