إن ننسَ فلن ننسى: مجزرة القاع، هل مات الشهداء فعلاً؟!

عمر المجزرة 37 عاما. ليس جميلاً أن تبدأ مقالاً بحديث عن مجزرة تفوح منها رائحة الجثث، صحيح، لكن ما هو أبشع أن تبقى الجثث جثثاً وأن يموت الشهيد 37 مرة لأن حتى الساعة لم تذهب قضيته الى حيث يجب أن تكون، الى العدالة، ما زال شهداء مجزرة القاع في أرضهم مكبّلين بالتشنيع والرصاص فمتى يحالون الى النعوش، الى الموت المشرّف الذي يليق بالشهداء؟

نهزأ عندما يتحدثون عن بطش “داعش” هذا الزمن، ليس سخرية من ضحاياه إنما من القدر الذي وضع في درب المقاومة المسيحية بداية، دواعش أشد إجرامًا وقسوة، ولعل دواعش هذا الزمن يتّعظون منها ويستمدون من تاريخها، تجاربهم الحالية وتفننهم بقتل الأبرياء. كان لنا “داعش” أشد إجرامًا نكّل بالمقاومين اللبنانيين الحقيقيين لأن هؤلاء لم يلجأوا لحماية أحد ولم يردوا على دعوات أحد ممن ادعوا حمايتهم، وخصوصًا ما كان يُسمّى بقوات الردع العربية السورية “الشقيقة” دائمًا وأبدًا، بل دافعنا عن أنفسنا وعن وجودنا كأفضل ما يكون وبكل الوسائل ودفعنا أغلى أغلى الأثمان.

إذن هي القاع في ذاك البقاع الشمالي الفسيح، كان الليل، 28 حزيران 1978، قرع الباب “حنا مطر موجود؟” ردّت الزوجة بخوف واستهجان “نعم شو بتريدو؟” وبكل لياقة وأدب أجاب الضابط السوري “ما تقلقي ستنا رايح معنا شوي ع المركز تدابير أمنية روتينية ومنرجعو الصبح وما تواخذونا ع الإزعاج تفضل سيد حنا”.

ستة وعشرون بيتاً دخلوها بالأسلوب “المهذّب” إياه وبثياب مدنية، عناصر من قوات الردع العربية السورية، بحسب تسميات ذاك الوقت، وبرفقتهم شبّان لبنانيون، للأسف لبنانيين ينتمون الى أحزاب يسارية أرشدوهم الى تلك المنازل بحسب اللائحة السوداء التي حملوها، وكانت القرية ومحيطها شهدت حدثاً غريباً قبل يوم واحد، إذ أخلت فجأة القوات السورية الشوارع من الحواجز وأي مظهر عسكري لها، وسط دهشة الأهالي وتساؤلاتهم عن سبب الأمن المستتب فجأة الذي دعا السوريين لإزالة حواجز التفتيش، خصوصًا أن البلدة كانت تحت مجهر تلك القوات لما عُرف عنها بأنها بلدة مقاومة عنيدة وخصوصًا على أثر حوادث 1 تموز 1975 الشهيرة، يوم تعرضت لهجوم من الأحزاب اليسارية المدعومة من جيش حافظ الأسد، وسقط للبلدة آنذاك سبعة شهداء ولم يتمكنوا يومها من تطويع المسيحيين هناك وتهجيرهم كما كانوا يشتهون.

 اقتيد إذن ستة وعشرون شابًا في شاحنات عسكرية الى المجهول، حلّ الصباح ولم يأت الشباب بعد، لم تنم القاع ليلتها ولا رأس بعلبك المجاورة ولا جديدة الفاكهة، القرى التي تنتظر عودة أبنائها.

عند الظهر ذهب كاهن الرعية الأب ميشال بركات الى الجهات الأمنية المختصة لمعرفة مصيرهم، وهناك في وادي الرعيان القريبة من بلدة الوزالية رآهم، في السهل الواسع الذي زُرع بجثثهم بدل أن يُزرع  بمواسمهم.

“إجا الأبونا وقلنا اصرخوا وشقّوا تيابكن” قالت أم شهيدين، كان المشهد أكبر من أن يوصف، أفظع من أن يشاهد، يفوق حدّة الألم وانكسار الإنسانية، كانت غابة مزروعة بوحشية غير موصوفة تتخطى حدود الإنسان وعقله، تفوق حتى خيال مجرم سفاح اعتنق الجريمة، ستة وعشرون جثة مربوطة اليدين والرجلين بحبال سميكة الى الخلف، مصفوفة بشكل مستقيم ومصابة كل منها بأكثر من عشرين رصاصة من الخلف، ومنكّل بها بأسلوب بربري وحشي لا يجيده إلا من كان وحشاً ولو لبس ثياب الإنسان.

15 شهيدًا من القاع من بينهم خمسة مدرسين، ستة من رأس بعلبك وخمسة من جديدة الفاكهة وكلها بلدات مسيحية، صاروا واحدًا في الشهادة، وإمعانا في الإذلال لم تسمح القوات “الشقيقة” للأهالي بدفن شهدائهم كما يليق، وبدل أن يتدثّروا علمهم اللبناني وترقص النعوش البيضاء على الأكتاف لحن الشهداء، وترقص النساء لهن رقصة الألم المدوية تلك، ويوضعن بكرامة الشهيد أمام مذبح الرب، لُفّ الشهداء بالشراشف البيض ودفنوا على عجل في مكان واحد بعد صلاة مختصرة، وكأن الموتى متسولين متشردين أو لقطاء مجهولي الهوية لا أهل لهم ولا أبناء ولا أخوة، فغُيبوا في النسيان، في التجاهل، في ملف عدو هو الأشرس والأخطر على لبنان كما بيّنت الأحداث لاحقاً، لمجرد أنه ادّعى الأخوة وقتل ونكّل واحتل باسم تلك الأخوة المزعومة وبمساعدة لبنانيين، ولم يكن أحد ليتجرأ على المواجهة إلا هؤلاء، هؤلاء وحدهم هم كانوا المقاومة، كانوا النضال، كانوا البندقية التي تصدّت وتتصدّى لهمجية أولئك المجرمين، أولئك الأعداء الذين حوّلوا لبنان على مدى أربعين عامًا متواصلة الى أنهار الموت والاعتقال والدماء، وهؤلاء وحدهم، نحن، مقاومتنا، شهداونا، دفعنا الثمن لنربح وطن، والمفارقة أن ومباشرة بعد المجزرة، قُصفت بيروت والجبل قصفاً عنيفاً لم يسبق له مثيل في تلك الفترة.

لم ينم أهل القاع على ضيمهم صحيح، عادوا لاحقاً وبعد فترة ونبشوا تلك الحفرة وانتزعوا شهداءهم بالقوة، وأقاموا لهم جنازًا لائقاً وأعادوهم الى التوابيت البيض، ودخل كل شهيد الى بيته الأخير لكن غير مرتاح، فمن عجز سابقاً عن تهجير البلدة رغم سطوة السلاح، نجح هذه المرة وتحت ستار الحماية “الشرعية” للمسيحيين وتحت اسم الردع، بتهجير البلدة التي تحولت الى ساحات تنعق فيها الغربة، وخرج الشباب وصارت البيوت شبه فارغة أو مسكونة بالعجائز الذين غدر بهم العمر وما عادوا يتمكنون من الانتقال، خسرت القاع وجودها المسيحي الحر  وصارت بلدة المقابر التي تنتظر تلك الساعة، إعلان العدالة.

لم يفهم أهالي المكان حتى الساعة سبب هذا الانتقام الوحشي، منهم من اعتبره ردًا على جريمة مقتل طوني سليمان فرنجية آنذاك، لكن ما أثبتته الأيام لاحقاً أنه ليس كذلك، إنما الهدف كان استغلال منطق الانتقام تمهيدًا لتهجير المنطقة وتغييرها ديمغرافيا وتحويلها الى مناطق شيعية بالكامل، لكن والأفظع من الجريمة بحد ذاتها، أن وحتى الساعة فالشهداء الذي سقطوا، صاروا أمواتا، لم يحاسب القاتل رغم أنه معروف، لم تحوّل الجريمة الموصوفة بعد الى المجلس العدلي أو الى المحكمة الدولية، لم يستمع بعد أحد الى أصوات أبناء الشهداء ومن تبقّى من عائلاتهم يصرخون رغم مرور الزمن لتحقيق العدالة.

كل سنة في حزيران بتاريخ المجزرة، يقيم أهل القاع والجوار قداسًا احتفاليًا على نية أرواح الشهداء الهائمة في الحيرة حتى الساعة، وفي وادي الرعيان تضاء الشموع في المكان ويُنثر البخور والصلاة، هناك في الغابة تسمع أصوات أنينهم، ما زالوا هائمين بين الأرض والسماء، يحرسون الغابة ولا من يحرس العدالة لأجلهم، لأجل لبنان، عدالة السماء تتحقق وإن ببطء، لكنها حاصلة حاصلة، ها هو ابن القاتل يمرمَغ جبينه الموحل الملوث بدماء شعبه في التراب، يعاقب يوميًا على مدار الثواني، وفي الأيام الآتية عقاب أكبر لا محال آت. ما زال أهل القاع والجوار يعيشون في اللحظة، 28 حزيران تقرع أجراسهم حزناً وتقرع الثورة فيهم جنون غضب لم يستكن بعد، “لو بدها تخلص الدني رح نضل نلاحق هالقضية حتى تصير بإيدين المحاكم” يقول المحامي بشير مطر ابن شهيد من شهداء المجزرة.

هنا وادي الرعيان عيون الشهداء حرّاس الغابة، الرصاصات الفارغة نبتت في الأرض ورودًا بيضاء حمراء ملونة، الحبال السميكة تفلتت من أيدي الضحايا وقريبًا تلتف حول رقاب المرتكبين، هنا في وادي الرعيان حيث زُرعت الجثث بدل المواسم، تحولت الجثث شهداء قضية لا تموت ولن تموت، لها في كل موسم حصيدة سنبلة قمحة تُغرز في تراب الأرض ليطوف المعجن من خيراتنا، وكل خيراتنا هي الكرامة هي الحرية، هنا في وادي الرعيان ستعود الحرية لتحوّل الأموات الشهداء الى أحياء في العدالة، والله على ما نقول شاهد يا شهداء مجزرة القاع .

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل