#adsense

موازنة “حزب الله” السرية تقارب المليار دولار.. ومصادر غربية تراقب عمليات طهران لتمويله

حجم الخط

يتمتع ما يسمى بـ”حزب الله” اللبناني٬ بشبكة تمويل فريدة من نوعها لكونها تعمل خارج نطاق النظام المصرفي العالمي٬ لكنه يستفيد أيضا من هذا النظام بطرق مختلفة٬ ما يجعله معنيا بالدفاع عن نفسه في مواجهة الإجراءات الأميركية والعربية الرامية إلى تجفيف مصادر دخله التي اعترف حسن نصرالله أنها من إيران فقط٬ لكن ثمة من يقول إن لديه مصادر أخرى للتمويل تأتي عبر النظام العالمي٬ وهو ما يحاول الأميركيون إقفال أبوابه عبر قوانين وإجراءات معقدة.

ويعتمد النظام المصرفي الخاص بالحزب على الأموال النقدية التي تصل إليه بصناديق الكرتون العادية٬ والتي تشاهد في كل مرة يكون الحزب فيها مضطرا للدفع لموظفيه٬ أو كتعويضات٬ كما جرى ما بعد حرب تموز 2006.

وتقول مصادر غربية لصحيفة “الشرق الأوسط”، إن الولايات المتحدة خصصت جهازا لمراقبة عمليات تمويل الحزب التي تبدأ من الولايات المتحدة نفسها٬ وتنشط بشكل كبير بين أميركا الجنوبية٬ وأفريقيا٬ وتحديدا في مناطق الانتشار اللبناني.

وتوضح المصادر أن واشنطن مقتنعة تماما بأن الحزب يتلقى تمويلا كبيرا من عمليات تجارية غير مشروعة معقدة٬ يدخل في نطاقها التهريب (التبغ والبضائع) والمخدرات وتبييض الأموال٬ وصولا إلى تجارة السيارات المستعملة والبضائع الأميركية المختلفة.

وتضيف إن واشنطن تراقب عن كثب كل العمليات التجارية التي تتضمن تصديرا من أراضيها لا ينتهي بدخول أموال إلى حسابات مصدريها تتلاءم مع حجم البضائع المصدرة٬ خشية أن يكون مرتبطا بتمويل الإرهاب. ومن المعروف أن ما يسمى “حزب الله” يتلقى تمويلا منتظما من إيران منذ تأسيسه في العام ٬1982 حيث صرفت عليه مليارات الدولارات لتحويله إلى “قوة إقليمية” كما وصفها أمين عام الحزب حسن نصرالله في خطابه الأخير.

ومن الثابت أيضا أن مصدر التمويل٬ لا يأتي من الحكومة الإيرانية٬ بل من مكتب مرشد الجمهورية علي خامنئي الذي يعتمد بدوره على مصادر دخل عدة٬ من بينها ما يسمى “الأموال الشرعية” التي قال نائب أمين عام الحزب نعيم قاسم منذ سنوات لـ”الشرق الأوسط” إنها مصدر تمويل الحزب.

ومن بين هذه الأموال٬ هي الأموال التي يجنيها مكتب خامنئي من لبنان أيضا٬ بوصفه مرجعا شيعيا٬ حيث تذهب أموال الخمس والزكاة وغيرها إلى مكتب خامنئي الذي يوجد لديه ممثلان في لبنان٬ هما نصرالله والشيخ محمد يزبك٬ حيث تصل إليهما “الأموال الشرعية” التي تعتبر من مصادر التمويل المهمة أيضا.

وفي غياب أي وثيقة صادرة عن الحزب أو النظام الإيراني تتحدث عن حجم الأموال التي تصل إلى الحزب من طهران٬ تبقى هذه المسألة سًّرا من أسرار الحلقة الضيقة جًدا في قيادة الحزب٬ إلا أن التوقعات قّدرت موازنته السنوية الثابتة بمائتي مليون دولار سنوًيا٬ فإن مصادر مطلعة أكدت أن “هذا الرقم كان معتمًدا قبل عام ٬2005 لكنه زاد أضعاًفا مضاعفة بعد اغتيال رفيق الحريري (رئيس حكومة لبنان الأسبق) وبعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2006 ليصل إلى 850 مليون دولار”.

وأوضحت أنه بعد دخول ما يسمى “حزب الله” الحرب السورية باتت ميزانيته مفتوحة٬ لأنه أصبح جزًءا من مجهود الحرس الثوري الإيراني. أما التسليح٬ فلا موازنة خاصة له٬ لأنه يرتبط مباشرة بالحرس الثوري٬ حيث تصل الأسلحة والذخائر مباشرة للحزب الذي لا يكلف نفسه عناء شراء السلاح والذخائر من الأسواق الدولية السوداء.

مدير مركز “أمم للأبحاث والتوثي” لقمان سليم٬ المعارض لما يسّمى “حزب الله”٬ دعا إلى “رفع الالتباس بما خّص دور الحزب في لبنان وتخطيه الدولة ومؤسساتها الدستورية”.

وقال سليم في تصريح لـ”الشرق الأوسط”: “هناك من يتحدث بشكل واضح وصريح (نصرالله) عن دخول أموال وأسلحة ومقاتلين وهو لا يستحي بذلك٬ ويعلن صراحة أنه يملك البوابات اللبنانية ومفاتيحها٬ ويقول أيًضا٬ إن بعض المسؤولين استنسخوا لي مفاتيح بوابات الدولة من مطار ومرفأ وحدود٬ وأستطيع الدخول والخروج من دون حسيب أو رقيب”.

وما دام أن الحزب غير معني بالتصريح عن الجسر الجوي أو البري أو البحري الذي يدخل عبره المال والسلاح الإيراني٬ يسأل سليم “هل من أسباب لبنانية موجبة دعت نصر الله ليدلي بهكذا تصريح٬ أم أنه يتحدث لأحد آخر؟”. ورأى أن نصرالله أراد القول إن “الهمروجة التي أثيرت حول القانون الأميركي لا تنطبق علينا”.

وأضاف: “إيران التي تمّول ما يسمى “حزب الله” يتحدث معها العالم٬ والاتفاق النووي الإيراني مع الدول الست٬ لا يتضمن أي إشارة لتمويل الإرهاب٬ ونحن نرى أن الولايات المتحدة تبرم صفقة مع طهران لبيعها طائرات بوينغ”.

كل بيئة الحزب تعرف أنه يتقاضى الأموال نقًدا٬ ويسددها نقًدا أيًضا٬ وهذا ليس وليد الظروف التي فرضتها العقوبات الأميركية عليه وعلى مؤسساته٬ إنما تعود إلى سنوات كثيرة٬ وتحديًدا منذ أن وضعت طهران تحت مجهر العقوبات الدولية بسبب برنامجها النووي٬ وبالتالي كان يستحيل عليها تحويل موازنة ذراعها العسكرية في لبنان من طهران إلى بيروت عبر المصارف.

وانطلاًقا من التقارب الأميركي الإيراني يعتبر سليم أن نصرالله “يقول بكلامه أنا مطمئن أن لا أحد ضدي”٬ مستبعًدا أن يكون الأميركيون “جادين بتطبيق القانون٬ هم يريدون أعلى درجات الحسم لتطبيق القانون في العالم٬ لكن في لبنان لا يمكن الجمع بين السكوت الأميركي على تدخل ما يسمى “حزب الله” في سوريا والعراق واليمن٬ وبين تقليم أظافره المالية في لبنان٬ وهم يعرفون أن الهدف الفعلي للتمويل الإيراني لـما يسمى “حزب الله” هو الاستيلاء على لبنان والهيمنة على سوريا.

وفي غياب الرقم الدقيق للمبالغ التي يتقاضاها الحزب٬ يوضح مدير “مركز أمم للأبحاث والتوثيق”٬ أن الأرقام المتداولة عن ميزانية ما يسمى “حزب الله” الإيرانية٬ مستندة بأغلبها إلى التقارير الأميركية٬ التي تتحدث عن مائتي مليون دولار تصله سنوًيا من إيران٬ يوّزعه بين رواتب لمقاتليه ومصاريف لقيادته والمساعدات العائدة لعائلات قتلاه وجرحاه من خلال “مؤسسة الشهيد” و”مؤسسة الجريح” التي توزع هذه الأموال بحسب ما هي مرصودة”٬ كاشًفا أن إيران تستثمر في المعركة الإعلامية مبالغ تقّدر بـ400 مليون دولار٬ مخصصة لما يسّمى “اتحاد الإذاعات الإسلامية”٬ التي تضّم عدًدا كبيًرا من التلفزيونات والإذاعات٬ أبرزها قناة “المنار” الناطقة باسم الحزب٬ ومحطات فضائية مثل «الميادين» و«العالم» وقناة «القدس» وتلفزيون الأقصى٬ وكلّها تبث من بيروت.

مصدر مطلع على ما تتداوله بيئة الحزب٬ أوضح أن “ميزانية الأخير من المال الإيراني٬ كانت قبل العام 2005 تتفاوت ما بين مائتي و250 مليون دولار سنوًيا”.

وأكد المصدر لـ”الشرق الأوسط”، أن “هذا الرقم ارتفع منذ الـ٬2005 أي بعد اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري٬ لأنه بدأ يستثمر بأطراف لبنانية٬ وبدأ تطبيق سياسة إلقاء القبض على الطائفة الشيعية”٬ كاشًفا أن الحزب “تلقى بعد حرب تموز في عام 2006 ما نسبته 850 مليون دولار من ضمنها التعويضات التي دفعتها إيران للمتضررين من آثار تلك الحرب”.

 ويبدو أن الحزب لا يتوقف عن السعي إلى مصادر أخرى لتعزيز مداخيله٬ عبر مصادر جانبية أيًضا٬ فيقول لقمان سليم: «عندما نتحدث عن الأرقام المرصودة لما يسمى (حزب الله) والإعلام الإيراني في لبنان٬ يعني أننا نتحدث عن بند صغير٬ في الميزانية الكبرى للحرس الثوري». ويلفت إلى أن بعض عمليات ما يسمى «حزب الله» الاجتماعية والثقافية تمّول من المال العام اللبناني٬ سواء عبر البلديات أو مجلس الجنوب أو بعض القنوات الأخرى.

وليس بعيًدا عن هذه القراءة٬ يؤكد المصدر الذي رفض ذكر اسمه٬ أن ما يسمى «حزب الله» وبعد حرب تموز عاش طفرة مالية٬ حيث بدأت الأموال تتدفق إليه من دون رقيب٬ خصوًصا أنه بدأ حملة تمويل لعدد من الأحزاب التي ضّمها إلى ما يسّمى «محور الممانعة»٬ منها التيار العوني (التيار الوطني الحّر الذي يرأسه النائب ميشال عون) وتيار «المردة» وحزبا البعث والقومي السوري الاجتماعي٬ مشيًرا إلى أنه «استطاع استمالة عدد كبير السياسيين والإعلاميين بالإغراءات المالية٬ للتسويق لسياسيته وسياسة إيران في المنطقة والدفاع عنها»٬ مؤكًدا أن الحزب «يدفع حالًيا لـ80 ألف شخص راتبا شهرًيا٬ وهو ثاني أكبر عملية توظيف بعد الدولة اللبنانية». لكنه أفاد بأن «ميزانية الحزب بعد دخوله الحرب السورية باتت مفتوحة٬ لأنه أصبح جزًءا من المجهود الحربي الذي تضّخه طهران في سوريا”.

أما الناشط الشيعي اللبناني مصطفى فحص٬ فيرى في تصريح لـ”الشرق الأوسط”، أن كلام نصر الله «فيه نوع من الذكاء٬ فهو أراد حشر الدولة الإيرانية٬ وإظهار أنها ملزمة بالدفاع عنه أمام العقوبات الأميركية”٬ لكنه اعتبر من جهة أخرى أن “هذا الكلام مؤٍذ للحزب أمام المجتمع الدولي٬ لأنه يثبت تورطه في تبييض الأموال٬ لأن أي حركة نقل للمال النقدي تدرج في خانة تبييض الأموال”.

صحيح أن ما بين 70 و80 في المائة من مالية الحزب مصدرها إيران٬ لكن الحزب لجأ إلى مصادر تمويل أخرى٬ وهنا يشير لقمان سليم إلى أن «ذراع الحزب وصلت إلى غرب أفريقيا٬ حيث العدد الأكبر من رجال الأعمال الشيعة”.

ويؤكد أن «أي صاحب مؤسسة تظهر عليه علامات النجاح٬ كان يعرض عليه الحزب أن يدخل شريًكا معه٬ وهذا ما أدى إلى تلويث الثروة المالية الشيعية»٬ مؤكًدا أن «البعض دخل كشريك مع الحزب عن حسن نية٬ وهو ما أدى إلى تلويث الثروة الجوفية الشيعية٬ سواء في أفريقيا أو أميركا اللاتينية٬ فكانت هناك عملية توريط للاقتصاد الشيعي الذي بات أسيرا لما يسمى (حزب الله) وأدخله بمشكلة كبيرة”

من جهته٬ أشار مصطفى فحص إلى أن نصرالله أثار حفيظة الشعب الإيراني الفقير٬ الذي يعتبر نفسه أحق بهذه الأموال من أي مستضعف بالعالم٬ وهذه المسألة هي جزء من معركة المحافظين ضّد الإصلاحيين٬ أو من يطلق عليهم اسم “عصابة نيويورك”٬ أي (وزير الخارجية) محمد ظريف وجماعته٬ الذين يطالبون الولي الفقيه باعتماد المزيد من المرونة للمضي برفع العقوبات الغربية عن إيران.

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل