
هل تكون التفجيرات المتتالية، ومن بينها مجزرة القاع الشهيدة، مفتاحاً لإستعادة لبنان مقوّمات الدولة، أو مفتاحاً لباب الجحيم؟
بعد أسر الحياة الوطنيّة وشلّ التركيبة الحاكمة من جانب المُجَمَّع الذي لم يعد سريّاً، إنزلق البعض الى تغذية التعصّب بالتعدّيات، ما شكّل صفعة مباشرة لما يُسَمّى سلطة ومؤسّسات، وشَطَب من المعادلة أمن النّاس، فاشتُقَّت مفردة التّفجير بعزم وثبات. لا يمكن تجاهل تداعيات هذا العِرف الجديد، أو القرار بتوزيع الموت ومن دون تقصير.
لا سيّما وأنّ هذا القرار كان مَرسوماً سَلَفاً، وممسوكاً التحكّم به، ومُستحيلةً استقالة المرجعيّة العُنفيّة التي يعود إليها الأمر والنَّهي. وتندرج التداعيات أولاً في الحزن المُباغِت على الضّحايا التي تتساقط من غير تَوَقُّع، ثمّ في شيوع صورة الإضطراب المستمرّ من دون “حتى إشعار آخر”، أي الرّعب المفتوح على احتمالات الكِفر بالوطن بجَدِّية، والمسارعة الى الهجرة تَصَدِّياً لحتميّة التّحوّل الى أشلاء.
ثقافة التفجير أُدخِلَت في البرامج اليوميّة للناس بالرّغم من جهود المولَجين رعاية الأمن، وأصبح لديها وكلاء مُعتَمَدون يتعاملون مع لبنان كساحة مفتوحة أو رهينة مخطوفة، لبنان الذي لم يحن بعد شعوره بالسَّأم من العنف والمحرقة، فاستتبّ فيه موت يأكل الرؤوس. ثقافة التفجير المُستَرسِلة ارادوها أن تحوّل لبنان، على خطى البلدان التي تجاوره، آلة مُنتِجة لمُهَجَّرين لاجئين في أصقاع العالم، وأن تدخل الإحتفال بالحياة في حِداد دائم، لأنّ لبنان لم يستطع بعد أن يغسل نفسه من الذين تشاركوا في تلطيخها من مُدَّعي المَشيئات الكبرى، بالرغم من أنّ هذه المسألة ضرورة مُلِحَّة.
ثقافة التفجير كابوس لا ينفع معه تذاكي المَسحورين مِمَّن في السلطة، وهم يتباكون على الضّحايا على جَري عادتهم، للتخفيف من الهَلَع الذي يربض على تُخوم الوعي والأعصاب، فلا حَرَج عندهم في خطاباتهم المُستَنسَخَة، في جعل مرحلة فاصِلة من حياة أيّ مواطن، لحظةً عابرة لن تتكرّر بإذن الله. وهم مُصيبون فقط في أنّ الله وحده قادرٌ على المَنجاة وصَون العِباد، وليس بالتأكيد حرصهم على السلامة العموميّة التي أوكلت بها رعايتهم الى حفّاري القبور. أمّا نَظمُ استنكاراتهم الهاطِلة فلم يعطّل مرّة إستدامة المأساة، ولم يجهض إستيلاد موت جديد، بل أصبح نهجاً مُتَّبَعاً يتشاطر فيه أصحابه على الإستخفاف بعقل مَن تَبَقّى له عقل عندنا، باستنباط حِجَجٍ تُجافي المنطق، وبإحالة الجريمة على المجلس العدلي لِتَعبُر الى غياهب الذاكرة، فيُنَظَّف سجلُّها.
ثقافة التفجير عقيدة إرهاب لا تتمدّد إلاّ في الدُّوَل المُنهارة التي لا تُسائل القَيِّمين على الإرتكابات، ولا تَقتَصّ من مُدمِني المَجازِر، وكأنّ يوم الحساب ليس من هذا العالم .
هذه المَجازِر التي أفاضت ينابيع الدمّ العابِرَةَ للمناطق، وسَوَّت في الشّهادة بين المُتَمايِزين من المَذاهب، لم تستطع بعد أن تجعل الشّعب يُسعِف نفسه فيبادر الى وِقفَة تدين أعمال الإرهاب، ربّما لأنّ المُتَّهَمين بها نازِلون عن قلبه.
ثقافة التفجير أدخلتنا عصر القبر المفتوح، عصر تَيئيس البحث عن ظروف استمرار الحياة، عصر الهبوط الى الهاوية من دون تَركِ أَثَر. ثقافة التفجير هي الأكثر نُفوذاً اليوم في وطننا، وقد يلتبس على بعض حامِلي النُّعوش من ذَوي الألقاب تعريفها وتقييم خطرها، غير أنّ الذين لا حَول لهم، هؤلاء المُلتاعين من لَدْغاتها، مُندَفِعون الى المَزيد من الحَذَر وتحسين شروط الحِماية بالوسيلة المُتَوَفِّرَة. ولما لم تلتزم ثقافة التفجير بأيّ هِدنَة، وكانت كِلفتها باهِظة إذ راكَمَت مَكاسبَها في ضرباتها، لا بدّ من إجماع على الجرأة ونَبذ سياسة النَعامة، وترشيد مفهوم الدولة التي ينبغي أن يُناط بها وحدها إطلاق ورشة أمنيّة تُضَيِّع الفرصة على خارطة طريق ثقافة الموت .