ما حدث منذ يومين في بلدة القاع الحدودية، يستدعي التوقُّفَ عنده لما يحمل من معانٍ وأبعاد. فالتفجيرات الإنتحارية على فظاعتها وخطورتها، أفصحت بوضوح عن مغزاها في الأمن والسياسة. فمخططات داعش التي انحسرت في المرحلة السابقة بالسيطرة على الجرود البقاعية بين لبنان وسوريا كملجأ آمن وكمنطلق لعملياته العسكرية، تغيَّرت على ما يبدو ليصير لبنان أحد أهدافه المتوقَّعة بعد أن كان مجرد صندوقة بريد يوصل عبرَها بالدم والنار رسائله السياسية الى حزب الله وإيران. التفجيرات الإنتحارية الأخيرة في منطقة لا تمثِّل بيئة حاضنة لحزب الله تنبئنا أن لبنان الكيان كلَّه مهدد، وأن الإنتحاريين لو أرادوا الوصول الى منطقة لبنانية أخرى لما تعذر عليهم ذلك بعد أن صاروا في العمق اللبناني وتمكنوا من اجتياز الحدود والحواجز. بالمختصر يُريد تنظيم الدولة الإسلامية أن يُفهِم التحالف الدولي من خلال دماء وأشلاء اللبنانيين أن زيادة الضغط عليه في سوريا والعراق ستفجِّر لبنان.
اما الموضوع الثاني الذي يجب التوقُّف عنده فهو عنفوان أهل القاع الذين هبوا نساءً ورجالاً وأطفالاً وكهلةً على اختلاف مشاربهم السياسية لحمل السلاح دفاعاً عن أعراضهم وأملاكهم وأرواحهم وكراماتهم، تحت إمرة الجيش وبتوجيه من ضباطه بحيث تمكنوا من مواجهة المخطط الجهنمي المعدّ للبنان من خلالهم، فمات من الانتحاريين أكثر مما مات من الأبرياء، في سابقة لم يعرف لها تاريخ العمليات الإنتحارية مثيلاً. وقد حصلت الأمور بصورة عفوية تحت ضغط الظروف من غير أن ينوي أهل القاع على تحقيق أمنهم الذاتي هم الذين حملوا السلاح لمؤازرة جيشهم على حماية منطقتهم من جنون الإرهاب.
إن يوم الإثنين الماضي ليس يوماً مأساوياً وأسوداً وحسب، بل هو منعطف تاريخي في حياة شعب ووطن.