
المشهدية السياسية في لبنان بحاجة الى إعادة ترميم. السلطة تحولت الى سلطات، أغلبيتها فاقد للشرعية. الأمن منقسم بين الشرعي والمستولي، أما الإقتصاد فيتهاوى على وقع التصريحات والتصريحات المضادة. لا يخفى على أحد بأن توصيف الواقع اللبناني مسألة معقدة، لكن ما لا يمكن إغفاله هو الإعتراف بأن إعلان فشل الذهنية التي تدار من خلالها البلاد هو الخطوة الأولى في سبيل إيجاد الحل.
سياسات المورفين والترقيع قد أهدت المواطنين اللبنانيين جرعات سيئة من خيبات الأمل بالإضافة إلى تثبيت ثقافة النسيان وعدم المحاسبة. إن تحميل المسؤولية إلى الحكام فقط أشبه بمن توقف عند عبارة “لا اله…” من دون عناء البحث عن المسؤولية المشتركة التي يتقاسمها الفرد مع المسؤول والذي بغيابه تغيب القدرة على إكمال العبارة، وبالتالي قول الأمور كما هي دون افتراء أو تحريف.
إن الافراط بفهم مبدأ الخصوصية والسعي الفوضوي لتثبيت مفاهيم “التفرد” و”الاستقلالية” ووضعهم في مواجهة غير مفهومة مع “الجماعة” تطيح بهدفية وجود كل منهم.
إن نزع ثوب بعض التقاليد البالية والموروثات الإجتماعية التي تغذي القضاء على مفهوم تكامل القوى، حاجة أساسية من أجل بناء مجتمع متضامن، لا مجموعة من الأفراد المنعزلين بإسم الحرية الشخصيّة.
إن مفهوم الحرية لا يتعارض إطلاقاً مع مبدأ الأحزاب بل إنه الإطار الطبيعي والتلقائي لتغذية براعم الحرية وتطويرها. هذا الموضوع يتطابق مع تعزيز القيمة الفردية ويناقض تماماً، بعكس الأفكار الشائعة، فرضية ذوبان الفرد في مياه المجموعة.
إن ذوبان المصلحة الذاتية أمام مصلحة المجموعة لا يعني تخلي الفرد عن قيمته الفردية وبالتالي عن حريته الشخصية بل على العكس. إن الإنتماء الحزبي هو الوسيلة التي يتمكن من خلالها الفرد إلى مناقشة أفكاره وتطلّعاته مع مجموعة يتلاقى معها في المبادئ العامة مما يؤهله الى نشر خصوصيته الذاتية وبالتالي إمكانية تبنيها من قبلهم ضمن الإطار المؤسساتي التي تنظمه العمليات الديمقراطية.
إن هذه الفكرة، التي تجسد هدفية خلق مفهوم الأحزاب، يكسر بحد ذاته المتعطشين للقضاء على “الغنم”.
إن المسؤولية المشتركة تحتم على الجميع التضامن والتكافل بالاطر المناسبة التي يرونها من أجل تحقيق الأهداف العامة. هنا، تصبح هذه الأهداف الركيزة التي لا يمكن الاستغناء عنها، بعيداً عن حسابات، محاسبات ومحسوبيات زعيم الحي والشارع.