شهداء القاع: 27 حزيران 2016

الشهيد جورج فارس…

ابن المؤسسة العسكرية، تقاعد من الجيش لكنه بقي ابن الجيش وله، ابن القاع ولها، ترجل الفارس، كما يلقبه أصدقاؤه في القاع، عن صهوة جواده ليركن عمره وذكراه أمانة بين يدي ابنتيه وزوجته الجريحة في الجسد والروح، يوم الحادث الكبير، وعند الرابعة والنصف فجرا سمع صوت انفجار ضخم، فهب  جورج كغالبية أبناء القاع لنجدة الناس، لم يكن يعلم ما ستعيشه القاع في ذاك الفجر المظلم، وصل المكان مصطحبا زوجته وصهره وبدأ يساعد الجرحى، كان في المكان انتحاريان حوصرا من قبل الأهالي، ألقى أحدهما قنبلة يدوية ثم فجّر نفسه، فأصيب بجروح خطرة ونقله صديقه المسعف الذي لحقه بالشهادة بولس الأحمر في سيارة الإسعاف الى المستشفى، وفي أثناء نقله كانت سيارة تابعة لمخابرات الجيش قد حضرت الى مكان الانفجار وأقفلت الطريق، وإذ فجأة يقترب انتحاري ثالث ويفجر نفسه  فاستشهد جورج ومعه المسعف بولس الأحمر وجرح أربعة عناصر من المخابرات، فوضعت الشهادة نقطة على السطر لحياة مناضل شريف أحبَّ القاع لدرجة أنّه  اصطحب معه الى مكان الانفجار زوجته وصِهره لمساعدة الجرحى غير آبه بالموت المتربص بهم، هو من أدمن الخطر  وأدمن حب الأرض فصار مزارعا  أصيلا قبل ان تحصده مواسم الشهادة في حين ترقد زوجته وصهره في المستشفى ضحايا إرهاب لا يتقبله ضمير إنسان، حسبه أنه أحب قاعه حتى أعماق الضوء…

الشهيد بولس الأحمر…

الرقيب الأول المتقاعد، لم يتجاوز الثالثة والأربعين ربيعا بعد، لكنه عاش شرف المشاركة بمعارك بطولة كثيرة للجيش اللبناني حيث أمضى اثنين وعشرين عاما، نزع البدلة العسكرية وقرر ان يستقر في قرية قلبه القاعي، ليصبح مسعفا متطوعا لدير مار الياس القاع، وليهب لمساعدة أهاليه فوق حين تدعو الحاجة ومن دون أي تلكؤ. في اليوم المشؤوم حين دوى الموت في شوارع القاع، سمع صوت الانفجار الأول وكان نائما في منزله مع زوجته وأطفاله الثلاثة، فهب سريعا وتوجه الى الكنيسة ليحضر سيارة الإسعاف لينقل بها الجرحى، وهو من تولى نقل الشهيد جورج فارس الى المستشفى، دوى الانفجار الثاني، ولما وصل المكان وكانت بقربه آلية للجيش اللبناني اقترب منهم الإرهابي الثالث الذي كان مرابضا خلف شجرة وفجّر نفسه، فأصيب بولس بجروح بالغة في رجليه وصدره ورأسه وبدأ بنزف بشدة، دقائق ووصل أخوه ولم يكن مدركا بوجود أخيه، وإذ به يراه مرميا على الأرض ينزف كمن يلفظ الحياة بنهم هو من أحبها بنهم وحتى الفداء، وقبل ان يصل المستشفى كان صار شهيدا لأجل البقاء الحر في القاع، لأجل كرامة الإنسان، لأجل الحرية.

الشهيد فيصل عاد…

ابن المؤسسة العسكرية، المتقاعد الأعزب الحر الذي تزوج بالقضية، وكرّس عمره لها مؤجلا عمر الحب الى وقت لاحق، ولم يكن ليعلم ان اللاحق سيصبح السابق وأنه سيصبح عريسا حقيقيا إنما هناك في أفق السماء. يوم قالوا له أترك القاع لا شيء هنا يوحي بالحياة للشباب، رفض وغضب ممن تركوا، وتحديا لكل شيء وتشجيعًا لأبناء الضيعة ، بنى في القاع معملاً لتصنيع المؤونة البلدية، وانضوى من ضمن الشباب الذين نذروا أنفسهم لخدمة القاع إنسانيا واجتماعيا خدمَ ضمن مجموعة من الشباب القاعي.  يوم المجزرة كان في منزله البعيد نسبيا عن مكان التفجيرات الإرهابية، لكن اندفاعه وشهامته أبيا عليه إلا التوجه بأسرع ما يمكن الى مكان التفجير لمساعدة الناس، كيف لا وهي القاع الجريحة،  وما أن وصل مستفسرا عما حصل  خائفا على أصدقاء فقدهم، هو الذي لم ينس بعد هول مجزرة السبعينات التي ما زالت تحفر ذكراها في وجدانه ندوبا عميقة، فتزامنَ وصولُه مع وصول أحد الإرهابيين الأربعة الذي فجر نفسه وكان على مقربة منه، لم يتسنَ له النضال للبقاء حيا، استشهد على الفور وصار فوق عريس السماء حيث لا دموع ولا ندوب وحيث العدالة عبق من عبق الرب وحضوره…

الشهيد جوزيف ليّوس…

طوى ابن القاع عقده الرابع وقاد عمره الى آخر محطات البطولة، وآخر المحطات هنا هي الشهادة، فسائق بوسطة طلّاب القاع ذهابا وإيابا الى بيروت، لم يكن يعرف أنها آخر الرحلات الى مدينة الشمس والنار تلك، وان المحطة حيث يركن حافلته ستكون آخر محطات عمره في ساحات الضيعة التي أحب وعشق وتماهى معها ومع ناسها وشهدائها ليصبح كل تفصيل فيها جزءًا لا يتجزأ منه. جوزف ليوس المرح الذي أدمن الضحكات سجّلت الطريق إياها آخر ضحكاته المدوية بعدما ذهب في طريق اللاعودة، المرح حتى الدمع كان جديا في عمله الى درجة أنه لا يرد على أي مكالمة هاتفية أثناء قيادته الحافلة خوفا على حياة الطلاب، ومنذ نحو الأسبوعين نجحت ابنته في الشهادة المتوسطة، ضحك من قلبه وكتب على صفحته بسطور قليلة سعادته بنجاحها بعدما  أجّل الاحتفال بها الى حين مرور ذكرى مجزرة القاع التي يشارك فيها سنويا هو المندفع الى القضية، المنادي بالعدالة لشهداء القاع، كان سيحتفل بذكرى شهداء ضيعته فصار هو نفسه شهيدا يُحتفَل بالصلاة عن نفسه، بشعة الحياة أحيانا حين تصبح مفارقة موجعة بهذا الشكل واقعا لا مفر منه، يوم  هجوم البرابرة على القاع كان أول من قاتل أحدهم قبل ان يفجّر الأخير نفسه ويستشهد جوزف وها هو مع الشهداء يحتفلون معا بالعدالة في السماء من أجل أن تبقى دموع الكرامة لأهل الأرض.

الشهيد ماجد وهبي…

أربعة أولاد، الياس، تيريزيا، إميلي وشربل، أكبرهم في الحادية عشرة وأصغرهم في عمر التسعة أشهر، كيف يتقبلون موت والدهم بهذه الطريقة المروعة؟ لم يكونوا ولدوا بعد حين عاشت القاع عرس الشهادة، هم يسمعون ويقرأون ويشاركون بقداس الشهداء يوم ذكراهم، ويعرفون بطولاتهم كمن يقرأ في كتاب قراءة عن أسطورة تروى للأجيال، في الأسطورة الكثير من الخيال، الآن عرفوا أكثر أنها حكاية واقعية جدا، الآن عندما انضم والدهم ماجد ابن الثامنة والأربعين الى القافلة إياها، فهموا الحكاية، وعرفوا لماذا والدهم يحب هذا التراب وحكايات الأبطال تلك. يقول أخوه إنه حين دوى الانفجار الأول أصيب بالهلع وهرع للاطمئنان على أخيه، ولما ناداه أجابه “أنا هون”، لكن ماجد لم يبق متجمدا في مكانه بل سارع الى مكان الانفجار لمساعدة الجرحى، وعندما ناداه أخوه مرة ثانية ليقنعه بالعودة الى البيت لم يستجب له. رفض المتقاعد من مؤسسة الجيش الذي صار مزارعا أصيلا، الانتقال الى بيروت لفرط تعلقه بالقاع، ورفض الاستجابة لمخاوف أخيه ولما وصل دوت به الحياة الثانية، فذهب يزرع المزيد من المواسم ليحصد حب السماء بعدما عانقته الأرض، هرول مسرعا صوب موته ليزرع في تراب القاع بخورا من عطر الشهادة.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل