
في ذكرى المجزرة حصلت مجزرة بفارق 38 عاما. كأن الأيام لم تمر بعد، وكأن أعمار الشهداء تجمّدت وتهاوت في النسيان، وحده الانتظار يزهر يوما بعد يوم مزيدا من الانتظار، شهداء مجزرة القاع العام 1978 ينتظرون العدل على قارعة الدولة التي ما هي دولة بعد، وشهداء مجزرة القاع 2016 ينتظرون في الخوف الدولة ألا تعلن غضبها المطلق، وما زال الغضب قيد الدرس، وحدهم الغرباء في لبنان يدخلون ويخرجون ولا من يدقق، وصارت هوية اللبناني في أرضه ووجوده الحر الآمن هما قيد الدرس. هنا، ومن غياب 38 عاما، هنا القاع، هنا حصلت مجزرة جديدة، تغيّرت وجوه الإرهابيين وأساليبهم وبقيت هوية المجرم هي هي، هذه أصالة في الإجرام وتلك أصالة في الاستشهاد والمقاومة…
.jpg)
تنفلش الشمس بقسوة هذا الصباح، تحتها ما تحتها من حكايا، وقف مدلج عند البوابة، لم يسمح لفاتك المتسلّط دخول العتبة، هدده فاتك بالموت فسخر مدلج منه، لا يعترف الأبطال بالخوف ويعرفون ان المتسلّط هو الميت ولو عاش ألف عام، قتل فاتك مدلج واستباح الأرض لعشرات السنين، ومن الغربة جاءت على غفلة ابنته “غربة” لتسترد الأرض لأصحابها ولتقاوم ولتعود “جبال الصوان” جبال الحرية سهول العنب والكرم والخير ولو ارتوت من دماء شهدائها. تقف القاع عند بوابة مدلج، لم يتركها فاتك المتسلّط بعد وها هي غربة تقف عند أبوابها وتقاوم، هذه حكاية القاع في قلب ذاك السهل الشاسع حيث الخير أكثر من الخير بذاته، لكنه في غالبيته مصادَر، مجتزأ لا يصل الى منابعه كما يجب إلا بشقّ الروح، والروح فوق لكثرة ما روت من ذاك التراب صارت ممزوجة بطعم المواسم، كيف طعم المواسم يا ريّس “ما تسأليني هلأ ما عم نستطعم إلا الغضب، صرلي سنتين بصرّخ انتبهوا على منطقة المشاريع إمنعوا توغل المزيد من الغربا لأرضنا، راقبوهم، وما حدن بيردّ عليي” يصرخ المحامي بشير مطر رئيس بلدية القاع.
ما حصل فوق قد يبدو أنه لا يحصل إلا في الروايات البوليسية المحبوكة التفاصيل والأداء والممثلين، لكن ما حصل كان واقعا فاقع التفاصيل، ممزوجا بكل وجع اللحظة ورهبة الموت، الموت الذي كاد أن يحصد العشرات لولا عين غربة، تلك الحارسة التي تقف على تأهبها تحرس عيون الآخرين وقلوبهم.
.jpg)
لا تسأل القاعيين ما حصل ذاك الفجر، الاثنين 27 حزيران 2016، إذهب الى الساحة وراقب المكان واسأل الشهداء قبل سواهم وليخبروك عن التفاصيل، غريب هذا المكان، غريب التاريخ الذي يعيد نفسه بطريقة أو بأخرى وفي نفس التاريخ أي مفارقة هذه؟ لم يتغيّر شيء، “داعش” من زمن قريب بعيد، ودواعش آخرون بأسماء ووجوه مختلفة إنما بروح ومصدر واحد، دواعش الزمن الحديث المحفوف بكل البؤس والانكسارات والهزائم تلك، أين أصبحت يا وطن؟ ما فعلوه بك؟ أو لنقل ما فعلته لنفسك؟
يتسابق أهالي القاع وشبابها لرواية ما حصل، رددوا روايتهم عشرات المرات على مسامع الصحافيين والإعلام كافة، يجلسون في الليل ويستعيدون تلك اللحظات التي دوت بكل شيء. ما حصل بالضبط يا ريّس؟ “كانت الساعة الرابعة من فجر الاثنين، اتصل فيي الشباب وخبّروني ان ثمة انفجار في الضيعة، هرعت الى المكان بسيارتي، دوى الانفجار الثاني ثم الثالث، وصلت وكان الجرحى والشهداء على الأرض ركضت للمساعدة وإذ يقترب مني الإرهابي الرابع سألته إنت مين؟ وشفت إيدو عم تقرّب تـ تشد حلقة ما عند خصره صرخت ليهرب الجميع وأطلقت النار عليه فورا وارتديت الى الخلف مسرعا في الوقت الذي كان فجّر نفسه”.
هي مسألة ثوان إذن وليس أكثر كانت بدأت فجرا حين شعر أحد المواطنين بحركة مريبة في حديقته، خرج مسرعا ليعرف ما يجري فرأى غرباء، سألهم “من أنتم؟” قالوا له “نحنا من مخابرات الجيش” أجابهم على الفور “إنتو كذابين ومش من المخابرات” أطلق الرجل النارعندها فجر الإرهابي الأول نفسه وتوالت الانفجارات لاحقا ليسقط للبلدة خمسة شهداء هم: فيصل عاد، متقاعد في الجيش اللبناني، جوزيف لبوس، ماجد وهبي، بولس الأحمر أيضا متقاعد في الجيش اللبناني، وجورج فارس .
شهداء لكل منهم حكايته، لكل منهم أم أو زوجة وأبناء وأخوة وأهل يبكون بحرقة الأيام كلها غيابا بهذا الشكل المروّع، الاستشهاد على يد إرهابي قرر أن الحياة لا تليق بهؤلاء لمجرد أنهم بشر أحرار ينتمون الى الإنسانية وهم ينتمون الى الوحوش، لا يكفي أن نحمل إسما وهوية لنكون إنسانا، وحده الله يحدد هويات البشر ويصنّفهم، تصنيف الرب من قلوبهم، وحده الله يمنح من يستحق مِنا ان يكون على صورته ومثاله، وأولئك لا هم من فصيلة الإنسان ولا هم صورة الرب على الأرض، إنهم صورة منسوخة عن وحش بشري يسكن فيهم ويخوّلهم أن يقتلوا الأرواح ويستبيحوا الأعمار.
.jpg)
من أين أتى فيض الحقد هذا، ولماذا في القاع تحديدا، وكيف تزامنت المجزرة مع مجزرة السبعينات تلك؟ “ما كنا نخاف منه حصل، ما حذرنا منه من سنين وصلنا إليه الآن، والسبب تخاذل الدولة” يقول مطر بغضب كبير، منذ دخول النازحين السوريين الى منطقة القاع وتحديدا منطقة مشاريع القاع، وأهالي البلدة يحذّرون من هذا الخزان الكبير الذي يحوي عددا غير محدد من اللاجئين “أنا أؤكد ان الإرهابيين يتوافدون إلينا من مشاريع القاع، هناك البيئة الحاضنة لهم، يدخلون ويخرجون ولا نعرف ما عددهم بالتحديد ولا ما يجري هناك، بدنا تدابير جدية ومشددة لمنع هؤلاء الناس من تحويل المشاريع الى بؤرة إرهاب”.
يصرخ بشير مطر، يصرخ وليس أقل من هذا التعبير، هو الذي بدأ الصراخ مع أهالي الضيعة منذ نحو ثلاثة أعوام حين تدفقت أعداد هائلة من النازحين السوريين الى المكان وبلغ عددهم حتى الآن نحو 25 الف نازح على الأقل، يتصرّفون على هواهم، يبنون البيوت المخالفة ومن دون رخص بناء وعلى أراضي المشاريع وكأنهم سيقيمون الى الأبد في المكان، ويستثمرون الأراضي الزراعية كما يحلو لهم، يستثمرون في التجارة والأعمال كافة ومن دون رخص عمل وما شابه، والأهالي يتذمرون ويحذرون ولا من مجيب “بعدنا عم نطالب ورح نضل نصرخ بس إذا ما تجاوبت معنا الدولة كما يجب، ما رح ننطرن تـيقتلونا ورا بعضنا وبالجملة والمفرّق، ثمة صلاحيات للبلدية وسأستعمل هذه الصلاحيات للدفاع عن القاع وناسها ويللي بدو يصير يصير، ما منعرف بأي لحظة يعود الإرهابيون وبيفجروا الوضع”.
قال مطر هذه الكلمات وأنهى حواره مع “المسيرة”، دقائق قليلة ودوّت انفجارات المساء في ساحة القاع، أمام كنيسة مار الياس حين كان الأهالي يستعدون لتشييع الشهداء بعد ظهر اليوم التالي.
يا الله ما حصل للريّس؟ هاتفه مشغول مشغول، ثوان وتبيّن لنا ان الـ MTV كانت تجري معه إتصالا عاجلا لمعرفة ما يجري في ليل القاع، وكان ليل القاع ليلا داهما موغلا بالظلمة، ليس فقط لأن الدولة الكريمة قطعت التيار الكهربائي عن الأهالي، بل لأن الخوف على المصير نام الى فراش القلق معهم، لم ينم أهل القاع تلك الليلة، سهروا تحت الليل مع الجيش اللبناني والشباب الحرس، مع الصلاة والإيمان بأن من لا يحمي أرضه بعنفوانه سيكون طعما للهلع والمجرمين، والقاع اتخذت قرارها الحاسم “سنحمي بأرواحنا وأجسادنا بيوتنا وناسنا”.
صباح اليوم التالي كان الجيش اللبناني أحكم إقفال مداخل القاع بعدما أصدر محافظ البقاع قرارا بمنع تجوال السوريين في منطقة البقاع الشرقي، حام أهالي القاع حول الجيش اللبناني كمن يريد أن يطمئن الى أولاده وجنى عمره وكرامته، حمل بعض الشباب السلاح، قالوا إنهم يحملون سلاحا غير شرعي في حين ينتقدون من يفعل ذلك، لا لم يحملوا السلاح غير الشرعي، حملوا السلاح المرخّص ومن ضمن صلاحيات البلدية وتحت أنظار وإمرة الجيش اللبناني، “لم يعد ممكنا أن يبقى الجيش تائها في القرار السياسي لدولة الفشل تلك، في حين يقضم الغرباء أرضنا وأعمارنا تحت ستار اللجوء حينا وحقوق النازحين والإنسان غالبا، ما عادت تلك حكاية حقوق دولية ومراعاة لواجبات إنسانية، صار مصير الوطن على المحك تماما، والقاع هي نحنا وكرامة شهدائها من كرامتنا وبدنا ندافع عن أرضنا ووجودنا” قال الأهالي بغضب كبير، إذ يعتبرون أنهم صاروا طعما للغرباء، وطعما لسياسة دولة متلكئة هرمة فاشلة لا تملك الكرامة الكافية لتتحلى بالشجاعة الكافية لتدافع عن كرامة أبنائها.
جاء ليل آخر والقاع في القلق، لا تترك المكان وترحل لأنه لا يتركك تفعل، تنظر من قريب بعيد الى الساحة، الجيش في كل زاوية، سكون يبدو مرعبا لكن في الليل من يسكن في تفاصيله لا تخافوا، لم تعتد القاع على زمن الخوف وإن كانت تعيشه منذ عشرات السنين، ها هي غربة تقف عند البوابة، تعرف أن مصيرها كأبيها الاستشهاد فداء الآخرين، فعلها القاعيون، فعلوها كثيرا وبعنف الكرامة وكرم العنفوان وقد يفعلونها بعد آلاف المرات لكن ما القرار؟ باقيين هون ويللي بيمد إيدو علينا بدنا نمدّ إيدينا ونكسّر جوانحو، معنا مار الياس الحي وعنا الجيش وعنا بحر الشجاعة وتاريخ مقاومة ومش رح نفل…
استشهدت غربة لكن عاش الناس وتحررت الأرض فصرخت بهم من مجد الشهادة “خزقولي هالتياب السود خزقولي هالخوف” والآن تحرس غربة مع أهالي القاع الباب الكبير وفاتك المتسلّط تهالك عند الباب، صار يحسب ألف حساب، عدوه اللدود وطن بثياب الكرامة اسمه لبنان وتلك الضيعة الحدودية، يا قاع إنت وطن…
