
إدراكاً منهم لأهمّية انتساب الطفل إلى الحضانة، باتَ العديد من الأهالي يرسِلون أطفالهم إليها، حتّى ولو كانوا قادرين على تربيتهم بأنفسهم، من دون لجوئهم إلى خدمات مَن يهتمّ بهم. فالحضانة تساعد الطفلَ على الاندماج في المجتمع والتعامل مع أطفال آخرين منذ صغرِه، كما تضمّ اختصاصيّين يسعون إلى اكتشاف أيّ مشكلة يعاني منها الطفل، وقد لا يتنبّه لها الأهل، أو لا يعترفون بها.تستقبل الحضانات الأطفالَ منذ بلوغهم الأربعين يوماً. ففي البيت يتابع الأهل طفلَهم ويعلّمونه أبسطَ مبادئ الحياة، وفي الحضانة يكون محاطاً باختصاصيّين يعلّمونه أيضاً، ويراقبون نموَّه النفسي الحركي.
بين 0 وعام
تؤكّد الاختصاصية في العلاج النفسي الحرَكي جوستين جبران لـ«الجمهورية» أنّ «الاختصاصيين في الحضانة يراقبون تصرّفات معيّنة لكلّ فئة عمرية عند الأطفال. فبين عمر 0 وسنة يتنبّهون لتواصل الطفل مع محيطه، فيتابعون علاقتَه بالأولاد الآخرين، وتفاعلَه مع الأشخاص المحيطين به، إذا ضحكوا مثلاً، بالإضافة إلى حركة نظره، وقدرته على متابعة طابة يلعَب بها، من خلال النظر، على سبيل المثال.
إلى ذلك، تشير جبران إلى أنّ «مراقبة الطفل لناحية توصّله إلى الدبدبة، والجلوس والمشي والكلام في الوقت المحدّد لذلك، من أبرز مقومات متابعة التطوّر النفسي الحركي عند الولد في الحضانة، علماً أنّنا نَمنح الولد المهلة الكافية ليتمكّن من اكتساب شتّى المهارات، إذ لا ينمو جميعُ الأطفال ويتطوّرون بالطريقة عينِها».
إبتداءً من عمر سنة
مع بلوغ الطفل عامَه الأوّل، تتمّ مراقبة قدرته على المشي وتمكُّنه من تدبير نفسِه بنفسه. مثلاً: هل يتمتّع بقدرٍ من الاستقلالية يخوّله رفعَ لعبته الصغيرة عن الأرض بعد انتهائه من اللعب؟».
إلى ذلك، يتابع الاختصاصيون في الحضانة المهاراتِ الحركية الدقيقة لدى الطفل، ومِن ضمنِها كلّ ما يتعلق بالنشاطات اليدوية، وبالكتابة بالدرَجة الأولى، فيلاحظون قدرةَ الولد على إدخال الخرَز بخيطٍ مثلاً، أو على اللعب بالـ pâte à modeler بالشكل الصحيح، إذ ترسِل الألعاب اليدوية مؤشّرات شتّى حول سلامة نموّ الطفل.
وتوضح الاختصاصية في العلاج النفسي الحركي أنّ «إمكانيات الولد الكتابية لا تتجلّى عندما يمسِك بالقلم ليكتبَ، ففي حال كان يعاني ضعفاً، يَظهر ذلك قبل هذه المرحلة في خلال اللعب. ويمكن العمل على جعله يمسِك القلمَ ويكتب بالطريقة الصحيحة، منذ صغرِه في أثناء اللعب».
وتضيف: «المشكلات النفس حرَكية الأساسية عند الأطفال لا تَظهر فجأةً بل من خلال إشارات كثيرة تتبلوَر تدريجاً، ما يَستدعي العمل على تحسينها ومعالجتها لتجنّب تفاقمِها مع الوقت».
الأهل لا يعترفون
لا يخفى على أحد أنّ الأهل يرفضون أحياناً تصديقَ أو استيعابَ معاناة طفلِهم من بعض المشاكل الصغيرة أو الكبيرة في نموّه، حتّى ولو تحدّثَ معهم الاختصاصيون في الحضانة ليشرَحوا لهم وضعَ الطفل.
وتتحدّث جبران عن خطورة هذا الوضع، فتلفت إلى أنّ «أيّ مشكلة صغيرة قد تتفاقم وتتحوّل إلى كبيرة في حال لم تتمّ معالجتها». وتكشف عن أنّ «عدم تمكّن الطفل من الجلوس والمشي في الوقت المحدّد مثلاً، قد يؤشّر إلى ضعف في العضل، إن لم تتمّ معالجته بالشكل الصحيح، ربّما يسبّب مشاكل في الحركة عند الطفل ومشيةً غير متناسقة».
الطفل يعاني التوحّد
إلى ذلك تؤكّد جوستين جبران أنّه في حال تشخيص الاختصاصيين في الحضانة حالةَ توحّد عند الطفل «ليس لدينا الحقّ طبّياً في جزم ذلك قبل بلوغِه عمرَ السنتين والنصف أو 3 سنوات، إلّا أنّنا نُعلِم الأهلَ بأيّ تأخّر في الجلوس، الكلام، المشي… وبأيّ ملاحظات نستنتجها. وتضيف: «هناك أولاد غير قادرين على الاندماج مع الأولاد الآخرين، لعدمِ تمكّنِهم من التواصل مع غيرهم».
مهمّة الحضانة والأهل
إذا لاحَظ الاختصاصيون في الحضانة بوادرَ أو إشارات على صعوبات عند الولد، يبادرون إلى إبلاغ الأهل ويحاولون فهمَ سببِها. وقد يملك الأهل إجابات تبرّر الصعوبات التي يعاني منها طفلهم. مثلاً: «لم يعتَد ابني على التفاعل مع محيطه، إذ إنّه أمضى معظمَ وقتِه قبل دخول الحضانة وحدَه، يشاهد التلفزيون».
يُذكر أنّ المعالِجة النفس حركية المتعاونة مع الحضانة تقدّم إرشادات يمكن للأهل والمعلّمات في الحضانة العمل بالتوازي لاتّباعها، ما يطوّر نموَّ أيّ طفلٍ يعاني من حالةٍ غيرِ صعبة ومعقّدة. أمّا في حال خطورةِ حاله، فتُحوّلهم إلى اختصاصيين آخرين يقيّمون تصرّفات الطفل. ويكشف هذا التقييم إذا كان الولد بحاجة لجلسات معيّنة حتّى يتطوّر، أو أنّ مجرّد متابعتِه في الحضانة أو في البيت كافية لتحسين وضعه.
القرار للأهل
مِن جانبها، لا تتّخذ الحضانة أيّ إجراءات لمعالجة الطفل من دون موافقة الأهل، إنّما تعلِمهم بحالته وبنتائج تشخيص الاختصاصيين المتابعين له في الحضانة. وتوضح جبران: «في حال وجود صعوبات كبيرة جدّاً تَستدعي خضوع الولد لجلسات معيّنة خارج الحضانة، وعدم اعتراف الأهل بذلك، قد تأخذ الحضانة قراراً بعدمِ استقبال الطفل بعد اليوم».
وتشدّد على أنّ ظهور أيّ إشارات على بطء الطفل في الكلام أو المشي أو الجلوس لا يَعني أنّه سيتمّ تهميشُه في الحضانة، بل بالعكس، يَستدعي ذلك المزيدَ من العمل لمساعدته، وهنا تكمن أهمّية الكشف المبكر. وتدعو الأهلَ إلى التعاون مع الاختصاصيين في الحضانات قدرَ المستطاع، وذلك في سبيل مواجهة المشاكل التي يعاني منها الأطفال.
الحضانات في لبنان
عن وضعِ الحضانات يتحدّث نقيب أصحاب الحضانات المتخصّصة في لبنان شربل أبي نادر لـ«الجمهورية»، فيؤكّد أنّ «كلَّ حضانة مرخّصٍ لها تضمّ ممرّضةً مجازة بدوام كامل قادرةً على متابعة الأطفال والكشف على صحّتهم في الحالات غير الخطرة، أي إذا ارتفعَت حرارة الطفل، أو تعرّضَ للإسهال»… ولكنّ العديد من الحضانات لا توظّف معالِجة نفسية حركية، إنّما تَعتمد على خبرة الاختصاصيّين لديها، لكشفِ أيّ خَلل نفس-حركي عند الطفل.
ويرى النقيب أنّه من خلال متابعة الأطفال على مدى سنوات، تتوصّل أيُّ مربّية إلى استنتاج معاناة الطفل من أيّ مشكلة حرَكية أو نفسية، فتتواصَل الحضانة حينئذٍ مع الأهل ومن خلالهم مع طبيب الأطفال أوالمعالج النفسي الحركي.
ويلفت إلى أنّ «المربّية المجازة تدرس علم النفس عند الطفل، خلال اختصاصها، كما أنّ النقابة تحضّر ورَش العمل ويَحضرها المربّون في الحضانات، ويَشرح في خلالها معالجون نفسيّون وحركيون المشاكلَ التي قد يتعرّض لها الأطفال، ما يساهم في تقوية مستوى الثقافة عند المربّين، ويعزّز الكشفَ المبكر على المشاكل عند الطفل.
ويُذكر أنّ العديد من الحضانات في لبنان غيرُ مرخّص لها، إلّا أنّ الوضع شهدَ تحسّناً ملحوظاً في السنتين الأخيرتين بعدما ضربَ وزير الصحة بيَدٍ من حديد ليجبرَ جميعَ الحضانات على الترخيص. فمنذ سنتين كان هناك حوالي 250 حضانة مرخّصاً لها من أصل 500، أمّا اليوم فوصَل عددُها إلى حوالي 350.