#adsense

بروفسور بيار سركيس: سرطان المثانة قابل للشفاء

حجم الخط
تتابع «الجمهورية» منذ بضعة أسابيع، المراحل التي يمرَّ بها مريض عانى نزيفاً بولياً جرَّاء نموّ لحمية في مثانته. ويعالجه البروفسور بيار سركيس وفريقه الطبي. في الواقع، عندما يكون المرء في حضرة البروفسور سركيس، لا يُضطر الى طرح الأسئلة، لأنه يشرح بطريقة طبّية – علميّة واضحة، ما يجري بدقَّة مع المريض، ويعدّد أسباب الخلَل الصحّي الذي يعاني منه، ويقدِّم حلولاً علاجية مُطَمئِنة، تزيل مخاوف المريض وتُثلج قلوب ذويه.

تناولنا منذ فترة حالة مريض ينزف دماً أثناء التبوّل. وبعد إجراء الفحوصات اللازمة له، تبيَّن انه يعاني ورماً – لحمية – في المثانة أي مبوَلة بالعامية. ولقد تمّ استئصال اللحمية وأُرسِلت للزرع في المختبر.

وعلى ضوء نتيجة الزراعة، ستُتخَذ الإجراءات العلاجية ويتمّ تحديد مدى الأضرار التي تسبَّبت بها وما إذا إخترقت جدار المثانة وفتكت بالعضل… أم ما تزال سطحية أو شبه سطحية فأعفت مثانة المريض من جراحة كبيرة ومعقّدة لإزالتها واستحداث مبولة جديدة من الأمعاء – المصران – هذا في حال سمح وضع المريض وسنّه بها…

فما هي الإجراءات العلاجية التي تعقب إزالة الورم أو اللحميات؟ ومدى أهميّتها للحدّ من إمكانية معاودة نموّها؟

يجيب الإختصاصي في جراحة المسالك البولية والأعضاء التناسلية، في مستشفى مار يوسف – الدورة، البروفسور بيار سركيس شارحاً الخطوات العلاجية، لمرحلة ما بعد ظهور نتائج الزراعة.

ورم سطحي من الدرجة العالية

أظهرت نتيجة زراعة الورم أو اللحمية التي استُؤصلت من مثانة المريض، بعد مرور نحو 12 يوماً، أنها لم تخترق عضل المبولة «بعد» وهذا تفصيل في منتهى الأهمية.

إلّا أنّ البروفسور سركيس، أوضح قائلاً: «صحيحٌ أنّ اللحمية تُعتَبر سطحية، لكنها من الدرجة العالية Tumeur superficielle de haut grade. لذا سيتركَّز العلاج على اللحميات لمنع نموِّها مجدّداً كونها ميالة الى المعاودة Récurrence. وهنا السؤال يطرح نفسه: «لماذا سنركّز على اللحميات؟»

في الحقيقة، هناك أشخاص يطلقون على اللحميات تسمية «تالولة» ومنهم مَن يستعمل كلمة «polype» أي سليلة مخاطية او ورم نامٍ في غشاءٍ مخاطي. وهناك مَن يسمّونها لحميات والبعض الآخر ورم. بالنسبة إليّ أفضل تسميتها لحميات».

ويعزو سببَ ظهورها الى التدخين إجمالاً، علماً أنها قد تغزو مثانات أشخاص غير مدخنين، أو من الممكن أن يكونوا امتنعوا عن التدخين منذ ما يزيد عن عشر سنين ومع ذلك تظهر لديهم اورام أو لحميات. كذلك مَن يتعرّض للمواد الكيماوية ولا سيما البترول ومشتقَّاته والدهان وحتى مواد الرسم الكيماوية.

ويتفاقم خطر اللحميات عندما تخترق العضل وهذا يعني الاضطرار لاستئصال المثانة. وفي حالة المريض الذي يعالجه البروفسور سركيس، لم تفتك اللحمية بالعضل لكنها بدأت في المرحلة الأولى من التوغُّل فيه ودرجتها عالية ما يعني يجب إخضاع المريض للعلاج، لأنّ هناك احتمالاً أن تنمو من جديد بنسبة لا تقل عن الـ 80 في المئة وذلك في حال عدم تلقي المعالجة المناسبة.

من أجل هذا السبب، يجب زيارة الطبيب بسرعة ما إن يلاحظ المريض وجود دم في البول حتى ولو كان يظهر ويختفي من وقت لآخر ولا يشعر بالألم، ليتمكَّن من تشخيص الوضع قبل استفحاله.

«عصيات كالمت غيران»

بالنسبة لبروفسور سركيس، يرتكز اليوم العلاج النموذجي للأورام العالية الدرجة والمعاودة في المثانة او المبولة على لقاح «عصيات كالمت غيران» Bacillus Calmette-Guerin والذي يُختصر بـ«بي سي جي» ضد السلّ. فإذا حُقِنت المثانة بعد مرور نحو 3 أسابيع على استئصال اللحمية، بعصيات كالمت غيران، فإنّ خطر معاودتها يهبط الى العشرين في المئة.

إذاً، صحيح أنّ اللحمية لم تخترق عضل المثانة، إلّا أنها ليست سطحية مئة في المئة، وفقاً للبروفسور سركيس، ولأنها قريبة من العضل فذلك يعني أنّ المريض قد نفد بريشه هذه المرَّة والمهم ان يبقى نافداً لأنّ هناك نسبة ضئيلة من المرضى، تعاودهم اللحميات على الرغم من حقن مثاناتهم بعصيات كالمت غيران، وتتوغَّل في العضل فنضطر الى إزالة المثانة… بيد أنّ أكثريّتهم لا تعاودهم بعد الحقن خصوصاً إذا لم يتعرّضوا للمسبِّبات مجدداً. ولا يتطلّب حقن لقاح «عصيات كالمت غيران» المكوث في المستشفى إذ يتم بواسطة الميل في عيادة الطبيب المشرف على العلاج.

لذا بعد مرور 3 أسابيع الى شهر على جراحة الإستئصال، تُحقن المثانة بجرثومة السل المخفَّفة والتي تُعَد للقاحات، بمعدل حقنة واحدة اسبوعياً على مدى ستة اسابيع. وبعد شهر ونصف الشهر، تُؤخذ من المثانة عيّنات بواسطة المنظار للتأكُّد من نظافتها وعدم ظهور اللحمية من جديد.

«خبيث» أو غير «خبيث»؟

وفي ما يتعلّق بارتياب المريض بإصابته بمرض «خبيث»، طمأنه البروفسور سركيس قائلاً له: «أنا لا أحبّذ استعمال كلمة «خبيث» أو غير «خبيث» في وضعك، لأن في حال ظهرت بثرة أو «حبَّة» غير خبيثة في يدك على سبيل المثال، وانتزعتَ نصفها، ستكبر وتنمو أكثر من الأول وستزعجك كثيراً مع أنها غير خبيثة. وفي حال كانت «الحبَّة» خبيثة وتمّ استئصالها بالكامل، قد نكون قضينا عليها نهائياً.

لذا أنا أفضّل استخدامَ عبارة خلايا غير مستحبة أو ورم سطحي لأن إذا قلنا إنها خبيثة، سيظن المريض وذووه أنه لن يشفى أبداً. إذاً، نستطيع القضاء عليها-بإذن الله- بالطريقة المُثلى التي ننتهجها».

لمحة عن لقاح «بي سي جي»

يتكوَّن لقاح «بي سي جي» عادة من عصيات سلّ ضعيفة، تثير تفاعلاً إلتهابياً من شأنه تعزيز دفاعات أنسجة المثانة ضد الخلايا الدخيلة. أُدرج اللقاح في لائحة منظمة الصحة العالمية للأدوية الأساسية، ويُستخدم ضد السلّ.

ولقد أثبت فعاليته في علاج عدد من أورام المثانة السطحية. إذ تبيَّن أنّ تقطير اللقاح في المبولة يمنع نكسة أو معاودة نموّ اللحميات السطحية بنسبة كبيرة.

وأجمع العلماء على أنّ فائدة حقن المنطقة الواقعة بين طبقات المثانة بلقاح «عصيات كالمت غيران» ضد السلّ، يضاعف فرص شفاء المرضى.
وتوصل العلماء أيضاً بعد سنوات من البحث الى معرفة الآلية التي يعمل بموجبها لقاح «بي سي جي» إذ يُنشِّط مجموعة معيَّنة من خلايا الدم، هي الكريات اللمفاوية lymphocytes الطبيعية التي تهاجم الأجسام الغريبة وتحاربها بشراسة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل