شارل سلامة “البطل ما بيموت”.. قال لإبنه: بس تكبر بدك تحمل البارودة وهكذا كان

13 تشرين الأول 1984 كانت الساعة تقارب السادسة من صباح ذاك اليوم الملعون، عندما وصل أحدهم إلى ثكنة مغاوير “القوات اللبنانية” الجديدة، في منطقة الكرنتينا وطلب من جوزف سلامة مرافقته إلى مستشفى سيدة لبنان لأن والده البطل شارل أصيب بكسر في ساقه نتيجة تعرضه لحادث سير.

في الطريق كان الإبن الوحيد وصديق عمر البطل “راسبوتين” وهو اللقب الذي حمله شارل حتى آخر يوم من مشواره على الأرض، يضع كل الإحتمالات في حسابه، لكنه لم يفكر لحظة بأن البطل الذي عاش على الجبهات وأصيب مرات عديدة، آخرها كان في معركة الغرفة الفرنسية عام 1980 حيث اخترقت شظية رأسه ولامست منطقة الدماغ، هذا البطل لا يمكن ان يموت أو يقتل عن طريق الخطأ لأنه صادف وجوده في المكان والزمان الخطأ.

رصاصة واحدة اخترقت قلب البطل شارل سلامة وكانت كفيلة بإسكات دماغ “راسبوتين” إلى الأبد ليكمل إبنه ووحيده جوزف سيرة المقاومة والنضال كما أوصاه لحظة خروجه من غرفة العمليات عندما أصيب: “بس تكبر بدك تحمل البارودة وتدافع عن أرضك وأهلك وشعبك”… واكتملت الوصية.

عندما استشهد شارل كان عمر جوزف 17 عاما. صحيح أنه لم يعش طفولته كما باقي الأطفال ولم يتقن فن اللعب والسهر والدرس على نور الكهرباء بسبب الحرب التي فتح عينيه على أصوات أزيز قذائفها ورائحة الدم. وصحيح أنه كان يسرق لحظات الهدوء الحذر ليجلس  مع الكتاب وينجز فروضه كاملة إلا أنه تحول إلى “رجّال” البيت بين ليلة وضحاها. ذاك البيت الذي غابت عنه الفرحة وما عادت الدموع تفارق عيون الوالدة والزوجة والحبيبة الأبدية ل شارل، وحرمت دلوعته كريستين التي تكبرجوزف بعامين من غمرة الأب ونظراته التي كانت تحتضن أحلامها وهواجسها وخوفها من الغد المجهول في وطن فتحت فيه عينيها على مشاهد القتل والحروب وعلى مشهد الأم التي كانت تجلس مع دموعها ومسبحتها في انتظار عودة البطل عن الجبهات، ذاك البطل الذي كُتب الله له أن يعود منتصرا دائما ليذهب إلى قتال جديد، كُتب له أيضا أن يهوى خارج ساحات المعارك.

على هذا المشهد كبر كريستين وجوزف. لكن علاقة شارل بإبنه كانت أكثر من مميزة: “كنت رفيق مشاويرو وصديق جلساتو وخزّان أسرارو وخبرياتو على الجبهات”. وعندما يتكلم جوزف عن راسبوتين تفكر للحظات انه ينتظر عودته إلى المنزل العائلي في شارع الأخطل الصغير في منطقة الدورة. ذاك المنزل الذي شهدت عتبته على لحظة وداع البطل، “كانوا الناس بعدن عم ينزلوا من البيت بس وصل الجثمان على مستديرة الدورة. الحجار يومها بكيت على بيي قد ما كان قلبو طيب ويساعد الكل وبنفس الوقت كان شجاع وذكي. ومش بهالبساطة سموه راسبوتين”!

يفلفش جوزف في الظرف الذي جمع فيه صور والده شارل. “هاي أول مرة برجع للصور وبتأمل فين. ما تخايلت بيوم من الإيام إنو كون عم بخبر قصة بيي الشهيد وإحكي عن صديق عمري بصيغة الماضي علما إنو خبرت جزء منها لولادي (إبنتان وشاب) وتحديدا لإبني شارل اللي حمل إسمو”. والبداية حتما من صفحات بطولات الشهيد شارل.

من مبنى “الهوليداي إن” الذي كان يعرف عسكريا باسم المقاطعة الرابعة، بدأت سيرة البطل شارل مع المقاومة. هناك اندلعت شرارة الحرب في العام 1975 لا بل أشرس معاركها وكان شارل في المبنى وتحديدا في الطابق الثالث حيث كان يعمل بصفة موظف في مصرف  “رويال بنك أوف كندا”قبل أنيتحول لاحقا إلى البنك اللبناني – الكندي قبل إقفاله. وكان عمر جوزف لا يتجاوز ال8 أعوام. يومها حاول شارل،الذي كان ينتمي إلى حزب “الكتائب” اللبنانية، الفرار مع زميل له يدعى أسعد كحالة الذي كان ينتمي بدوره إلى حزب “الكتائب” من المبنى قبل محاصرتهما وخطفهما و…إعدامهما. نزل أسعد وما إن وصل شارل إلى بوابة المبنى حتى كان المشهد الذي صدمه. أسعد “مفسوخا” على سيارتين بعدما تمكن المسلحون من إلقاء القبض عليه وقتله بهذه الطريقة! استدرك شارل خطورة اللحظة ففر إلى داخل المبنى ولحق به المسلحون.وما أن وصلوا إلى الطابق الثالث حيث كان مختبئا، حتى عاجلهم بقنبلة يدوية ورمى بنفسه من الشرفة بهدف تضليل المسلحين وإيهامهم بأنه قتل، واستقر في أحد مستوعبات النفايات.

3 أيام أمضاها شارل في مستوعب النفايات مختبئا من دون أكل أو شرب لأن خروجه في أية لحظة يعني الإنتحار خصوصا بعدما سيطر المسلحون على المقاطعة الرابعة بشكل كامل. فهمّه الأول والأخير كان الخروج إلى الضوء من جديد والعودة إلى الجبهات. وهكذا كان. في البيت كانت الزوجة مع طفليها يترقبون آخر الأخبار من مذياع الترانزستور. “فلاش إخباري” وهذه المرة كان يحمل إسم شارل سلامة على لائحة الشهداء. لكن الوالدة لم تسمعه لأنه صادف وجودها مع الولدين في غرفة أخرى. وحده الجار المشترك الذي كان يجلس في مطعم “أبو نبيل” في البناية سمع بالإسم ورفض ان ينقل الخبر المشؤوم إلى العائلة كما روى ل شارل وجوزف لاحقا. وما هي إلا لحظات حتى نادى صاحب المطعم على أم جوزف وطلب منها النزول للتحدث مع زوجها شارل على الهاتف. يسكت جوزف ويكمل: “لا أزال أتذكر دموع الجار المشترك.كانت دموع فرح لأنه كان يحب والدي كثيرا وحزن عند سماع إسمه في عداد الشهداء”. لكن شارل الذي كان عائدا من الموت ومصابا بكتفه نتيجة السقوط من الشرفة أبى إلا أن يتصل ويطمئن على العائلة، ويخبرها أنه لا يزال حيا وسيعود إلى المنزل بعد الإنتهاء من الجولة على الملاجئ في محيط منطقة “بارتي” حيث كان يؤمن الخبز والطعام للقابعين في ظلماتها.

عندما يتكلم جوزف عن والده البطل تصدق لثوان أنه لم يتحول إلى صورة مؤطرة، وأن الأبطال لا يموتون حقا. بفرح يستعيد ذكرياته، وبصوت لا تخذله بحة أو غصة. ليس لأن الزمن كفيل ببلسمة الجراح إنما لأن الحب والبطولة اللتين زرعهما شارل في عروق إبنه جعلاه يتخطى كل مشاعر اللحظة أقله في العلن. يفلفش جوزف في الصور ويستطرد”هاي الصورة ل شارل بالأسواق. بتذكر بس رجع من معركة المقاطعة الرابعة فات ع البيت وكان حامل بارودة خردقة وإيدو مربوطة نتيجة سقوطو من الطابق الثالث. سلم علينا بوّسنا وطمن بالو إنو كلنا بخير وقللا لإمي أنا راجع ع الجبهة…كان قبضاي بس بنفس الوقت حنون لدرجة ما بتنوصف”.

من جبهة الأسواق إلى كل شارع وحي في بيروت والضواحي تنقّل راسبوتين وصولا إلى الغرفة الفرنسية حيث كانت الإصابة البليغة والولادة الثانية التي لم تثنه عن حمل البندقية من جديد لكن ما قبل نيسان من العام 1980 لم يعد كما بعده. “كان عمري 13 عاما. أذكر يومها أن والدي خرج من البيت فجأة من دون أن يبلغ أمي أو يخبرني بطبيعة المهمة. وعلمت لاحقا بحسب ما روى لي، أنه عند وصول المجموعة إلى نقطة الغرفة الفرنسية جلس ورفيقه (الشهيد) إيلي خوري على صخرة لأخذ قسط من الراحة. فجأة سقطت قذيفة أصابت خوري بشكل مباشر مما أدى إلى شطر جسده إلى نصفين. وأصيب شارل بشظية في صدغه الأيمن لكنه لم يتنبه لها ولم يعر الأمر أهمية. كان يريد ان ينقذ إيلي الذي كان يصرخ ويقول له: “أقتلني ما بدي عيش بإجر واحدة. فجأة لاحظ قائد فوج المغاوير إبراهيم حداد أن شارل ينزف بشدة فسأل الشباب ما إذا كان أحدهم يحمل قنينة كحول لتطهير جرح شارل ووقف النزيف. فارتعد الجميع خوفا من ان ينالوا عقوبة في حال أفصح أحدهم عن وجود قنينة كحول في جعبته. فبادرهم بوب حداد قائلا: “هلق مش وقت محاسبة بدنا نوقف النزيف ونعالج إصابة شارل تا نلحقو ع المستشفى. فأعطاه أحد الشباب قنينة كونياك كان يحملها معه وعمد إلى إفراغها في جرحه لتطهيره ثم ضمده بالثلج لوقف النزيف. ولو لم يفعل ذلك لاستشهد والدي في تلك اللحظة. بوب عيشلي بيي 4 سنين وكان ممكن يكون بعدو عايش معنا لليوم….”

على مدى أربع ساعات مشى الشباب وهم يحملون شارل الذي كان يصاب بإلإغماء من وقت إلى آخر لكنهم كانوا حرصاء على إيقاظه. وعند وصولهم إلى التيليسياج كانت تنتظرهم آلية عسكرية فتم نقله وخوري لكن الأخير استشهد على الطريق بسبب خطورة إصابته وتعرضه لنزيف حاد. أما شارل فنقل إلى مستشفى سيدة لبنان في جونيه وتولى إسعافه طبيب جراح من الجنسية المصرية. ويروي جوزف: “قبل إدخاله إلى غرفة العمليات سأله الطبيب: “كيفك شربل”؟ فأجابه:” إسمي شارل”.سأله:”بأيا إيد بتقوص”؟ فأجابه شارل:”بالشمال. أنا عسراوي”. فتأكد أنه لا يزال بكامل وعيه. عندها بادرنا الطبيب الجراح قائلا: هناك 3 تداعيات تنتج عن هذه العملية خصوصا أن الشظية متاخمة للدماغ بحسب صورة الأشعة وهي: إما الوفاة تحت العملية أو الإصابة بالشلل التام أو صعوبة في التكلم”.

مشهد شارل بعد خروجه من  العملية التي استغرقت 4 ساعات لن ينساه جوزف: “كان راسو أكبر بعشر مرات بس كان واعي. قربت عليه، ومسكتلو إيدو . قربا لعندو وطبع عليا بوسة  بعدني لهلق بحس فيا. وقللي: “بدك تحمل بارودة بس تكبر وتحارب متلي؟ يلاّ الإيام جايي”. حتى في تلك اللحظات التي كان معلقا فيها بين الحياة والموت كانت القضية هاجسه الوحيد. وبعد أقل من ساعتين وصل الشيخ بشير الجميل إلى المستشفى وعندما دخل غرفته ابتسم وقال”الحمدالله ع سلامتك راسبوتين” ودنا منه وقبّله وبادره قائلا: “عجّل وطلاع. ناطرينك يا بطل ع الجبهات”.

العملية الأولى اقتصرت على تثبيت قطعة مغناطيس في رأس شارل للحؤول دون تسرب الشظية إلى منطقة الدماغ ووفاته. وبعد عامين خضع لعملية تركيب عظمة إصطناعية من البلستيك لسد الفجوة التي أحدثتها الشظية في صدغه. لكن منذ اللحظات الأولى على عودته إلى الحياة اكتشفت العائلة أن شارل بات عاجزا عن التكلم بطلاقة وغالبا ما كان يوعز لابنه بتنبيه الناس “بإنو لسانو تقيل”. مع ذلك عاد شارل إلى بيته الثاني لا بل إلى الحياة الأولى التي ربط وجوده على الأرض بها. عاد إلى الجبهات من دون ان يقدم استقالته من وظيفته في المصرف اللبناني الكندي.

خوف الوالدة على الأب والزوج وسند البيت ورفيق وحيدها جوزف كبر بعد إصابة شارل علما أنها رافقت مسيرته النضالية وشهدت على اندفاعه وحبه للوطن منذ العام 1975. لكن ما قبل الإصابة لم يعد كما بعدها. هذا الخوف لم يشعر به جوزف: “يمكن بعمر 11 سنة كنت مفكر إنو البطل ما بيموت فكيف إذا كان هالبطل بيي شارل؟ أكتر من هيك كنت مفترض إنو كل مقاتل بينصاب عالجبهة هوي بطل بحد ذاتو حتى لو أدت الإصابة إلى الإعاقة أو الإستشهاد”.

في سن مبكرة التزم جوزف بوصية والده فانتسب إلى “القوات اللبنانية” عام 1982 إلى أن جاء ذاك اليوم المشؤوم. 13 تشرين الأول  1984: “كنت أخضع لدورة تدريب في وحدات المغاوير بقيادة يوسف بعقليني وكان مر أسبوعان ولم أرَ والدي . منتصف تلك الليلة طلع ع بالي عصير كوكتيل. كنا في ثكنة المغاوير الجديدة في منطقة الكرنتينا. فطلبت من الرفيق يوسف بصيبص (استشهد لاحقا) ان يأخذ مفاتيح سيارتي وهي من نوع بيجو 304 ويتوجه إلى مستديرة الدورة لإحضار عصير الكوكتيل. واشترطت عليه أن لا يتأخر حتى لا ننال عقوبة. وللصدفة كان والدي يتناول عشاءه في مطعم مخلوف المواجه لمحل العصير. فتوجه نحو يوسف وسأله “أليست هذه السيارة ل جوزف سلامة”؟ فأجابه يوسف مستغربا:”مبلى وهوي عطاني المفاتيح تا جبلو عصير وإرجع ع الثكنة”. عندها طلب منه شارل ان يوصله بالسيارة إلى منطقة زوق مصبح لتفقد رفاق له في مبنى ال “إف إم”. فأجابه يوسف: “بفضل إنت توصلني ع الثكنة وتاخذ السيارة وتروح ع الزوق حتى ما ناكل عقوبة إذا حدا كشف أمر خروجنا من الثكنة”. فرفض والدي وطلب منه ان يوصله بسرعة. وطيلة الوقت كان شارل يخبر يوسف عن إبنه جوزف، إلى درجة أنه عندما عاد إلى الثكنة قال ل جوزف “شو هالبي اللي عندك. كل الطريق هوي وعم يخبر عنك. شو حلوة علاقتكن”.

السادسة صباحا سمع جوزف صوت أحد الرفاق يناديه. فتوجه نحو الصالة حيث كان ينتظره جاره في البناية التي يقطن فيها جان مهنا، فأخبره بأن والده شارل تعرض ليلا لحادث صدم وأصيب بكسرفي ساقه وهو يرقد في مستشفى سيدة لبنان، وطلب منه مرافقته بعد أن يركن سيارته أمام منزله في شارع الأخطل الصغير. إلى هنا لم يشعر جوزف ان في المشهدية قطبة مخفية لا بل حبكة العمر الأسود الآتي. فتوجه مع جان إلى المنزل لكنه كان فارغا ولاحظ تجمع الجيران في الشقة المقابلة، وكانوا ينظرون إليه بصمت ويهمسون. لكنه لم يعر الأمر أهمية. في الطريق كان يفكر بحال السيارة التي صدمت والده، ولم يخطر بباله لحظة بأن يكون والده توفي “لأنو البطل ما بيموت”. عندما وصل إلى مستشفى سيدة لبنان دخل من باب الطوارئ.في الرواق كان هناك كاهن يحمل شمعتين ويهم في دخول المصعد للتوجه نحو غرف المرضى وتبريكهم. “هون حسيت إنو في شي عم بيصير. بلش قلبي يغلي”. وعندما وصل إلى قسم الطوارئ فوجئ بأمه تنتحب وتبكي. أما أخته كريستين فركضت نحوه وغمرته وهي تبكي وتصرخ قتلو البابا راح شارل… نظر في عيني جان مهنا وسأله: “شو القصة جان؟”. فأخبره بأن والده أصيب برصاصة في قلبه وقتل على الفور. ركض جوزف مسرعا نحو الغرفة التي وضع فيها جثمان والده. “كان بيي ممدد على الحمالة وإيدو نازلة. قربت ومسكتا. كانت باردة متل التلج اللي انصبغ بدمو أول مرة. وكان في شاش على صدرو لجهة القلب. لثواني ما فهمت شو يعني إني خسرت البي والصديق والبطل. وحدّو كان في جثمان الشاب اللي كان مقصود من الإشكال. بقيت إطلّع ب بيي وقول هلق بدو يفتح عينيه متل أول مرة وبهالمستشفى بالذات. بس هالمرة خذلني متل ما خذلتو رصاصات الغدر”.

في التقرير الطبي الذي تسلمه جوزف وتضمن تفصيلا عن أسباب وفاة والده قرأ التالي: “خرطوشة من نوع cold 12  أصابت القفص الصدري مباشرة واصطدمت بعظمة صلبة وانحرفت نحو القلب مما أدى إلى وفاته”.

من يصدق أن البطل الذي وقف على كل الجبهات غير آبه بالموت يرحل بطريقة سخيفة وعن طريق الخطأ؟ من كان يقول إن البطل الذي ولد من جديد بعدما أصابته شظية في رأسه استشهد لا بل قتل بطريقة سخيفة لأنه صودف أنه كان في المكان والزمان الخطأ؟ وفي التفاصيل أنه أثناء وجود شارل سلامة أمام مبنى ال “إف. إم” في زوق مصبح مرت دراجتان وسيارة من نوع تويوتا وكان يستقلها 7 شباب وعمدوا إلى إطلاق الرصاص من أسلحة حربية على شابين كانا يقفان بدورهما أمام المبنى. فركض شارل لإنقاذهما من براثن المجرمين وعندما لاحظ أحدهم أن البطل تعرف إليهم صوّب سلاحه الحربي نحو صدره وأطلق عليه النار فقتل على الفور.

في كل 13 تشرين الأول يحمل جوزف باقة من الورد ويتوجه إلى قبر والده وصديق عمره راسبوتين. حكاياته التي رواها له لم تنته بعد. وهو لا يوفر مناسبة إلا ويرويها لابنتيه وإبنه شارل الذي حمل إسمه وربما الكثير من طباعه. لكن الحكاية التي لا يتوقف عن تردادها ل شارل الحفيد: “كانوا الناس بس يسمعوا جنازير الملالة إم 113 يقولوا إجا البطل. كان أقوى عسكري بفرقة الـ”ب. ج” ع 7/12″.

رحل البطل لكن حكايات راسبوتين ستبقى في مجلدات الذاكرة لتروي قصة بطل عاش مرتين واستشهد مرات ومرات. وليكمل إبنه من بعده قصة البطولة وليبقى للقضية مسار طويل ولتلك القصة رواية جديدة وبطل جديد.

رسموا أقدارهم بأنفسهم ولم يترددوا لحظة ان يواجهوا الموت والإستشهاد لنبقى ويبقى هذا الوطن ولو مغمسا بدمائهم الطاهرة. لكن قدرهم أن يبقوا أيضا في الذاكرة من خلال حكايات يرويها مناضلون ورفاق، ومن خلال صفحات تخلد ذكراهم في ذاكرة الأجيال وعلى صفحات سجل تاريخ المقاومة اللبنانية.

في كل مرة نكتب سيرة شهيد نغوص في سيرة إسم شهيد جديد لا بل أسماء. كيف لا وفي كل معركة، في كل ساحة بطولة وشرف يكون ل”القوات اللبنانية” أسماء محفورة على نصب الشهداء. شارل سلامة واحد من هؤلاء الشهداء الذين ورد إسمهم على لسان الرفيق  بيار آدم. كان يروي سيرة نضالاته في ساحات الشرف في زاوية “كنا هناك”. لكنه لم يكن وحده. مع بيار كان هناك إيلي خوري وشارل سلامة ورفاق آخرين في المعركة التي دارت عند نقطة الغرفة الفرنسية عام 1980. لكن إيلي وشارل وربما آخرون صاروا شهداء.

استوقفتنا ظروف استشهادهم. ومن رفيق إلى قائد الوحدة إلى رفاق شاركوا في تلك المعركة وصلنا إلى إبن الشهيد شارل سلامة، جوزف فأعاد فتح ملفات الصور والذكريات التي لا تنضب، وغدا مع شربل حنا إبن شقيقة الشهيد إيلي خوري الذي كان يجلس مع شارل على نفس الصخرة عند نقطة الغرفة الفرنسية عندما سقطت قذيفة وشطرت جسمه إلى شطرين.

إن ننس فلن ننسى أن للشهداء حق علينا كما لذاكرة الأجيال وتاريخ المقاومة اللبنانية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل